تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل
خطأ بريطانيا القاتل في مواجهة التطرف الإسلامي

خطأ بريطانيا القاتل في مواجهة التطرف الإسلامي

November 1, 2021

المصدر:

النهار

أصبحت بريطانيا تمارس فنون خداع الذات وتجاهل المسائل أكثر مما تفعله أي دولة أخرى في الغرب. فلو ذُبح سياسيّ في فرنسا على يد مسلم ينحدر من أصل صومالي، لكان الإعلام والطبقة السياسية الفرنسية سيدخلان في دائرة جدل حول الأيديولوجيا التي حركت القاتل، ولكانت المصادر الحكومية والأمنية ستتحدث عن الشبكات المحيطة بالمشتبه به، وكان المجتمع بأسره سيعرف المزيد عما من شأنه أن يؤدي إلى مثل هذا الأمر المثير للغضب.

 

لكن الوضع في بريطانيا مختلف، فقد طُعن ديفيد أميس حتى الموت في كنيسة أثناء لقائه مع ناخبيه. وكان القاتل الذي ألقي القبض عليه، شاباً صومالياً يبلغ من العمر 25 عاماً يُدعى علي حربي علي. وعلمنا في الأيام اللاحقة أن المشتبه به كان قد أحيل إلى برنامج "بريفينت" الحكومي قبل سبع سنوات عندما كان يدرس في مدرسة ريدلزداون في منطقة بيورلي. غير أن الطبقات السياسية برهنت مرة أخرى أنها غير قادرة حتى على التحدث عن المصدر الأرجح للمشكلة.

 

وبعد وقت قصير من عملية القتل تلك، تحدث السياسيون عنها كما لو كان السير ديفيد توفي لأسباب طبيعية. فغرّد صادق خان، كما فعل سياسيون كبار آخرون، على تويتر معرباً عن حزنه على "وفاة" السير ديفيد. وعندما اجتمع مجلس العموم يوم الاثنين لإحياء ذكرى السير ديفيد، بدا الأمر مرة أخرى كما لو أن زميلاً قد توفي بغتة قبل أوانه بشكل غير مألوف.

 

خذ هذا على وجه المقارنة مع الفترة التي أعقبت مقتل جو كوكس عام 2016، عندما بدت الحركة المؤيدة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بأكملها مستعدة للحظة إخراج المتآمرين الفعليين إلى دائرة الضوء. فالمملكة المتحدة تعرف ما ينبغي فعله عندما يرتكب مجنون يميني متطرف أعمال القتل في ثورة من الغضب. لكن -كما أظهرت ردود الأفعال منذ الأسبوع الماضي- فإننا ما زلنا غير متأكدين تماماً من كيفية التحدث حتى عن التطرف الإسلامي المحتمل رغم مرور كل هذه السنوات.

 

لهذا السبب، قضى أندرو مار برنامجه الصباحي يوم الأحد على بي بي سي وهو يستجوب وزير الداخلية حول عدم الكشف عن الهوية على الانترنت. ولا يوجد دليل على الإطلاق على أن قاتل ديفيد أميس انزعج من الأسئلة حول عدم الكشف عن الهوية سواء على الإنترنت أو غيرها. وقد قيل إن إساءة رئيس الوزراء وصلت إلى مستويات عالية خلال الآونة الأخيرة، وأعرب السياسيون من جميع الأحزاب عن قلق متزايد بشأن هذه المسألة. لذا، فلعل أصدقاء السير ديفيد وزملاءه لم يجدوا مفراً من التحدث عن مشروع قانون الحكومة حول التشهير على الإنترنت، وحول الإساءة المتزايدة لأعضاء البرلمان، وذلك خلال اجتماع آخر لمجلس العموم في وقت سابق من هذا الأسبوع. أما حقيقة أن بعض هذه الإساءات تأتي من زملائهم في البرلمان، مثل نائبة زعيم حزب العمال أنغيلا راينر، فلم يأتِ أحد على ذكرها. غير أن ما كان غائباً هو عدم وجود أي نعي أو تعليق ذي علاقة بالتساؤل حول سبب إقدام شاب على ذبح السير ديفيد في المقام الأول.

 

وبالطبع فإن هذه النقطة طبيعية لمن يريدون اختلاق الأعذار للإشارة إلى أنه ثمة مبدأ في هذه البلاد يقضي بأن المرء بريء إلى أن تثبت إدانته، إلا أنه لم يمنع التكهنات التي دارت حول مقتل جو كوكس في الأشهر التي سبقت محاكمة القاتل وإدانته. أضف إلى ذلك أنه في حالة المتطرفين الإسلاميين، يوجد الكثير من الأدلة بأن هذه القاعدة لم تثر النقاش الذي تتردد البلد في خوضه حتى في اللحظات التي سبقت المحاكمة والإدانة.

 

وعلى سبيل المثال، كم من الجدل أو النقاش ساد في كانون الثاني (يناير) عندما حُكم على خيري سعد الله بالسجن مدى الحياة لقتله ثلاثة رجال مثليين في حديقة في ريدينغ في حزيران (يونيو) من العام الماضي؟ تقول إحدى المعتقدات القانونية وشبه القانونية "انتظروا حتى صدور قرار الإدانة". غير أن المحاكمة انعقدت وانتهت ولم يبد أن كثيرين اهتموا بوضع هجرة سعد الله (فهو طالب لجوء ليبي) أو هتافه "الله أكبر"، أو تباهيه عقب الهجوم أنه أجهز على "الأشخاص المناسبين". بل تحدث الناس عن أهمية التقارب، وطالبوا الحكومة بوقف وقوع مثل تلك الهجمات مستقبلاً. لكن ونظراً لأن بريطانيا لا تهتم بالتفاصيل، فلا داعي إذن للاعتقاد أن مشكلة كتلك لن تقع مستقبلاً.

 

ليس الأمر كما لو أنه ما من آلية لمحاولة معالجة المشكلة على الأقل. فقبل ست سنوات، كلفت حكومة ديفيد كاميرون السيدة لويز كيسي بقيادة إجراء مراجعة حول كيفية معالجة التطرف في المملكة المتحدة وإيلاء تركيز خاص على الاندماج. وقد أبلت كيسي جيداً في النظر بمشكلة عويصة. ونشرت حكومة تيريزا ماي المراجعة في نهاية المطاف، ولقيت الدراسة إدانة من المجموعات الإسلامية كالمعتاد، ثم وجدت طريقها إلى الرف. فكانت تلك مشكلة أخرى جرى تأجيل التعامل معها إلى وقت لاحق.

 

ومع ذلك لا شيء أشار إلى رغبة بريطانيا في معالجة الإرهاب بالقدر المذكور في البرنامج الذي ضم علي حربي علي قبل أن يتوارى عن الأنظار.

 

كانت حكومة توني بلير قد وضعت برنامج "بريفينت" في أعقاب التفجيرات الانتحارية في لندن عام 2005، وكان هدف البرنامج هو معالجة التطرف الإسلامي في المملكة المتحدة. وقد واجه البرنامج منذ بدايته مجموعة من التحديات التي يمكن التنبؤ بها، إذ أدانته جميع المنظمات الإسلامية الرسمية في المملكة المتحدة منذ انطلاقه، وبقي الكثير من تلك المنظمات على مدى السنوات التالية تكذب بشأن البرنامج، وخاصة عندما قاموا بحيلة الشفقة على الذات التي تشكو من "استهداف" أو "ممارسة التمييز بحق" المسلمين البريطانيين بوصفها تهديداً أمنياً.

 

وهكذا، بذل برنامج بريفنت جهداً عظيماً مع مرور السنين ليثبت أنه عكس ما قال منتقدوه المهووسون من المسلمين. وقد فعل ذلك، كما وأمور أخرى، من خلال توسيع نطاق اختصاص البرنامج ليتطرق إلى أشكال أخرى من التطرف. وتفاخر البرنامج عندما آن الأوان لمعالجة "التطرف اليميني". وخلال السنوات الأخيرة، توسع بريفينت ليشمل كل أشكال التطرف الأخرى، بما في ذلك الإرهاب "الكامن".

 

أصبح برنامج بريفينت اليوم أكثر اتساعاً، لدرجة أنه لا يبدو أحد متأكداً من عدد الأشخاص الذين يعملون لصالحه. وهذا البرنامج هو بيروقراطية عظيمة أخرى فقدت هدفها، حيث بات البرنامج الذي أعد لمعالجة أحد أشكال التطرف الآن يسعى ظاهرياً إلى استئصال التطرف ومعالجته أينما وجد. لذا فقد خضع عشرات الآلاف من المعلمين والمحاضرين الجامعيين والمتخصصين في الرعاية الصحية وغيرهم في جميع أنحاء المملكة المتحدة إلى التدريب في بريفينت لمساعدتهم على تحديد علامات التطرف. ولأن مسؤولي بريفينت لا يريدون أبداً أن يُنظر إليهم على أنهم يعزلون الإسلام الأصولي، فقد أصبح هناك تركيز لا متناهٍ على مدى التطرف الذي يُزعم أن الشخص البريطاني العادي ضعيف تجاهه.

 

   ويُعدّ "العنف ضد النساء والفتيات" من أحدث أنواع التطرف التي يجب مواجهتها، لأنه من الغريب أن الحديث عن هذا الموضوع أسهل ولا يثير الشكوك التي قد تتراكم لدى أي شخص معنيّ بالتطرف الإسلامي.

 

ومع ذلك، فإن التطرف الإسلامي ما يزال يمثّل التهديد الإرهابي الأول للمملكة المتحدة. ولا أحد يستطيع أن ينكر وجود أنواع أخرى من التطرف، إلا أن برنامج بريفينت وُضع للتعامل مع هذا النوع، لكن البرنامج فقد الرغبة أو الاتجاه في مراقبة هذا الهدف منذ مدة طويلة. فقد كان الذين يعارضون تركيز البرنامج على الإسلاميين في السنوات الأخيرة يبتهجون عند إخبار الناس أن معظم إحالات الناس إليه عبر الإنترنت كانت تنطوي على تعاطف مزعوم مع اليمين المتطرف. وبالتالي، يشير هؤلاء الناس إلى أن التهديد الحقيقي يأتي من ذلك التعاطف. وفي الواقع، استمر بريفينت في توفير المزيد من الأعمال للقوى العاملة فيه والمتزايدة بشكل مستمر، لأنك إذا نظرت إلى عدد الأشخاص الذين اُدخلوا في المرحلة التالية من برنامج بريفينت - أي برنامج "القناة" – فسترى عدداً غير متناسب من الإسلامويين.

وكل ما حدث هو أن برنامج بريفينت طلب  من الناس في العقد الماضي الاحتراس من الجهاديين، ومراقبة الأشخاص الذين قد تكون لديهم وجهات نظر خاطئة حول الهجرة. وخلال هذه العملية، لم يُنتج البرنامج تعريفاً غير متوازن للتطرف فحسب، بل وأيضاً المزيد من الفرص التي يتغذى عليها. وتؤكد هيمنة المتطرفين الإسلاميين على برنامج "القناة" هذه الفكرة. لكن برنامج بريفنت ما يزال لا يكترث لمسار المهمة التي حددها في السنوات الأخيرة، ولهذا عواقب كثيرة. فإذا كانت مهمتك هي إيجاد إبرة في كومة قش، لكنك تقضي أيامك في صنع أكبر قدر ممكن من التبن، فإن العثور على الإبرة يصبح طبعاً أكثر صعوبة. و هذا هو الوضع الذي وجد فيه برنامج مكافحة التطرف المزعوم نفسه.

 عندما ينفذ أحد الإسلاميين هجوماً في المملكة المتحدة غالباً ما يتضح أنه كان معروفاً لسلطات برنامج بريفينت. لكن أحد أسباب عدم متابعتهم له هو أن البرنامج لا يتعرض لانحرافات عن مساره فحسب، بل يتسبب بها أيضاً.

وربما كان بإمكان استراتيجية أكثر تركيزاً على مكافحة التطرف أن تُنقذ المزيد من الأرواح. ومن المستحيل على الأرجح أن يكون هناك دولة آمنة بدرجة كافية بحيث يمكن حماية ديفيد أميس من فرد مثل الشاب المعتقل حالياً. لكننا مدينون لذكرى السير ديفيد وذكرى الضحايا السابقين واللاحقين، بأن نحاول ألا نحيد عن طريقنا، وأن نثق في أنفسنا باعتبارنا دولة تحتاج لإجراء مناقشات نحتاج إليها منذ مدة طويلة.

 

سبكتيتور

دوغلاس موراي

Posted byTony Ghantous✍️

للمشاركة :
Voyages Galleon
Style auto