
حتى لا تذهب أرواح الأيزيديات سدىً
August 7, 2021
المصدر:
النهار العربي العنود المهيري
دُحرت "داعش"، وانتصرت الإنسانية. هذا ما يُفترض بنا الشعور به عند مشاهدة التمثال الجديد وهو يُنصب في مدينة سنجار العراقية تكريماً لكولي، الأم الإيزيدية التي قتلت "أميراً داعشياً"، ثم استشهدت في اشتباكها مع عناصر التنظيم، لتنقذ ابنتها من السبي.
إلا أن نصب التماثيل سيظل تعاطفاً أدائياً استعراضياً لا يخلّد أكثر من انتقائيتنا في استنكار العنف الجنسي ضد النساء كجريمة حرب.
للوهلة الأولى، يبدو أن معارضة ممارسات "داعش" أمر "بديهي" -إن صح التعبير-. فمن عساه يؤيد التنظيم المُتهم بسبي 7000 إيزيدية، بعضهن طفلات في التاسعة؟ لقد تابعنا جرائمه بـ"البث الحي". لم تكن قصصاً تاريخية في بواطن الكتب لنتساءل عن معقوليتها، والدوافع الخبيثة لاختلاقها.
ولكن واقعياً، كشفت أزمة الإيزيديات تخاذلاً ملحوظاً من رجال الدين في التصدي لمعضلة السبي. فثمة من عارض سبيهنّ -مثل الداعية موسى الغنّامي- بحجة أنه "تم بغدر، وليس بحرب معلنة يتجهز لها الطرفان"، وكأن ظروف أي حرب تجيز انتهاك حرمات الأجساد.
وثمة من صمت تماماً عن السبي من حيث المبدأ -مثل الإمام عبدالله رشدي-، وأصر على أن مواقعة السبايا يجب أن تتم بالرضا. علماً أن عبدالله رشدي نفسه لا يعترف بمفهوم الاغتصاب الزوجي لأن الزوجة "حلال" للزوج!
وهناك صنف ثالث -و"فاضح"-، أثبت أن معارضته لـ"داعش" كانت لأسباب سياسية بحتة، فقد انتقد سبي التنظيم للنساء في مدينتي صوران ومارع السوريتين فقط لكونهنّ مسلمات، مشيراً إلى الخلاف الفقهي بين "العلماء" حول مشروعية سبي المرأة العربية.
أما من يثيرون رعبي شخصياً، فهم من لم ينكروا تشريع الإسلام للسبي -مثل دار الإفتاء المصرية-، ولكن اعتبروه محرماً حالياً بسبب الاتفاقيات الدولية لتحرير الرقيق. وكأنما يقولون بأن إلغاء الاتفاقيات في المستقبل البعيد، أو التهاون في تطبيقها، أو حتى عودة الإيديولوجيات العنصرية عن التسلسل الهرمي للأعراق، قد يفتح الباب على مصراعيه يوماً ما لاستعباد نساء الشعوب الأخرى واغتصابهنّ. فالإباحة الشرعية ستظل موجودة.
قلة قليلة لا تكاد تُذكر، ومنها الباحث عدنان إبراهيم، من تجرأت على اقتلاع السبي من جذوره، وأكدت أن الإسلام أتاح خيارين وحيدين للأسرى: العفو أو الافتداء.
وهذا تحديداً ما يجعل تعاطفنا الراهن مع الإيزيديات كسراب بقيعة، فهو ملوث بانتمائنا السياسي، ومشروطيتنا في الانتصار لحقوق الإنسان.
لا يهم نصبنا تمثالاً لكولي، أو قراءتنا مذكرات نادية مراد، أو ذرفنا دموع التماسيح على الأفلام الوثائقية، أو حتى مطالبتنا بإيجاد بقية الإيزيديات المختفيات. لن يتغير شيء طالما نجبن عن مواجهة بعبع السبي في التراث الفقهي الإسلامي، ونتقاعس عن تجديد الخطاب الديني.
طالما نقف مكتوفي الأيدي، ونكتفي بالإقرار بتشريع الإسلام للسبي، فلنتحمل عواقب أن تأتي "داعش" جديدة بعد 50، أو 100، أو 200 سنة، فلا ترى في تمثال كولي إلا تخليداً لذكرى كافرة تمردت على حكم الله.
Posted byKarim Haddad✍️
.jpg&w=3840&q=75)


