
جبران في ذكراه الحادية عشرة لن يمر عليه الزمن ملف فارغ يثير التساؤلات وسط تقصير سياسي وقضائي فاضح
December 10, 2016
المصدر:
يروي احد كبار الصحافيين المخضرمين ان الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد وجه أمامه ومجموعة من الزوار اللبنانيين الذين كانوا يترددون على دمشق، وفي معرض تعليقه على مستوى الحرية الإعلامية في لبنان،إنتقادات لاذعة ضد جبران تويني وكتاباته ضد سوريا، التي، ووفق الرواية عينها، تعكس انزعاجا سوريا يعود الى نصف عقد قبل ان يصدر قرار في مكان ما بإنهاء حياة جبران.
في نهاية ٢٠٠٥ أسكت صوت جبران تويني بالاغتيال، بعدما ارتفعت حدة كتاباته، في رسالة تلقفها جيدا الوالد الراحل غسان عندما اختار لصدور العدد التالي على الاغتيال عنوانا لا يزال يتردد صداه في اروقة " النهار" كل صباح: جبران لم يمت والنهار مستمرة.
بإحياء الذكرى اليوم، يكون قد مر على اغتيال جبران ١١ عاما، لم تحمل معها أي بصيص نور في شأن الملف القضائي، يجيب على الأسئلة التي لا تزال تشغل محبي الصحافي المشتعل والنائب الثائر: من قتل جبران ولماذا؟
وبإستثناء ملف يتضمن نتائج التحقيقات الأولية، لم يحقق ملف حبران، شأنه شأن الكثير من ملفات الاغتيال في لبنان، أي تقدم، ما يطرح علاماتي استفهام كبيرتين: هل الملف سياسي او قضائي؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية والقضائية عن عدم تطوره؟
تعاقب على الملف ثلاث قضاة عدليين وضم الى المحكمة الخاصة بلبنان، ورغم ذلك لم تتوافر اي خيوط جديدة او ادلة من شأنها ان تكسر الحلقة المفرغة التي يدور فيها.
عندما اغتيل جبران، انعقد مجلس الوزراء لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة إستثنائيا، وطلب وزير العدل فيها شارل رزق ضم الملف الى المحكمة الدولية، وهذا كان ممكنا بما ان الجريمة كانت تدخل ضمن نطاق عمل المحكمة وفق ما كانت الحكومة قد طلبت ( بأن تشمل الاغتيالات اللاحقة بعد جريمة ١٤ شباط بعمل المحكمة وصلاحياتها، وذلك نظرا الى عدم قدرة القضاء اللبناني وعدم توافر الامكانات له للقيام بدوره ). وبالفعل، ضمت الحكومة الملف الى ملفات الوزيرين السابقين الياس المر ومروان حمادة وجورج حاوي. ولكن المفاجأة ان المحكمة ضمت الملفات الثلاث، وردت ملف تويني ل" عدم التلازم". والتلازم يعني قانونا وجود ترابط واقعي بين مجموعة جرائم اما في وحدة الفاعل او وحدة المتدخل او المخطط او طريقة الإعداد للإغتيال او تنفيذه او تمويله ما يعيد القضية الى القضاء اللبناني حيث تتولى حاليا القاضية العدلية هيلانة إسكندر التحقيق.
وفي حين إعتبر اتجاه المحكمة لدولة الى رد الملف، نذيرا سلبيا، بسبب المخاوف من التسييس والتقصير التي يتعرض لها لدى القضاء اللبناني ويؤدي الى عدم تحقيق اي تقدم، سيما وان أية تطورات لم تحصل في مسار التحقيق، ولم يتم تلمس اي خيط، على ما يفصح الوزير بطرس حرب بوكالته عن القضية، فإن مصادر قضائية تبدي رأيها حيال مدى صحة اعلان المحكمة عدم اختصاصها ألَّبت بالقضية نظرا الى عدم توافر عناصر وشروط ربط الاختصاص بالقول ان هدا الإعلان يحمل في طياته معطيات ومستندات متوافرة في القضية، أدت مجتمعة إلى توزع اختصاص المحكمة، ما يولي بالتالي قضية جبران منحى إستقصائيا متقدما. ذلك ان اي نتيجة قانونية قد تتوصل اليها المحكمة الدولية في هذا الشأن تستلزم وجود تعليل قضائي دقيق ووافٍ مستند الى مجمل الأوراق والتحقيقات المتوافرة لديها، والتي في ظل الجمود الذي ترزح تحت ثقله القضية، يضفي بصيص أمل بإمكان دفع الجهود لتحريك الملف في لبنان بعدما عاد الى الاختصاص المحلي.
ذلك انه مع مرور ١١ عاما على الاغتيال، ونتيجة التقصير الفاضح الحاصل، ثمة خشية كبيرة عبر عنها اكثر من وزير عدل في الحكومات المتعاقبة منذ تاريخ الاغتيال وحتى اليوم، من ان يخضع الملف الى ما يعرف بمرور الزمن والمحدد قانونا بعشر سنوات.
وعلى هذا الموضوع يجمع حرب والوزير السابق زياد بارود على استحالة تطبيق مرور الزمن في ملفات ذات طابع سياسي، مؤكدين على ضرورة العمل على تعديل قانون العقوبات.
اما وزير العدل السابق شارل رزق والذي كان طلب ضم ملف جبران الى المحكمة الدولية غداة الاغتيال، انتقد بشدة عمل القضاة اللبنانيين الذي أصر بصفته وزيرا للعدل على ان يكونوا ملحقين بالمحكمة وموجودين في لاهاي حيث الحماية مؤمنة لهم، وسأل عم يفعلون لملاحقة هذه القضية وقضايا الاغتيال الاخرى الملحقة بالمحكمة، وما هي نتيجة عملهم، مطالبا المحكمة ان تقدم تقريرا الى الحكومة تبين فيه تقدم عملها.
انطلاقا من هذا الواقع ومن المعطيات التي تجمعت ل" النهار" من مقابلات أجريناها مع المسؤولين السياسيين ولا سيما وراء العدل منذ ٢٠٠٥، يمكن الخروج بالخلاصات التالية:
- لا يكفي ان يحمل الملف رقما وتاريخا ويكون له قاضيا عدليا ليصل الى نتيجة، ما لم يكن خاضعا لتحقيق مستمر ودائم من اجل الوصول الى كشف الجريمة.
- ان التحقيق يدور في حلقة مفرغة، واهمال فاضح وغياب اي حس بالمسؤولية السياسية والوطنية تجاه الشهداء. والمقلق انه باستثناء ما تجمع من ادلة في التحقيق الأولي، لا يحتوي الملف على عناصر كافية لإجراء تحقيق لانه لم يلق القبض على اي مشتبه في موقع الجريمة ولم تكشف اي ادلة تدل على طرف خيط، بإستثناء السوري المشتبه به ( مطابق للمواصفات) الذي غادر لبنان بعد التفجير ولم يدخله مجددا أبدا أقله ليس بإسمه.
- ان الملف سياسي بإمتياز، يمكن تلمس القلق من تقصير قضائي في المتابعة. اذ تعاقب على الملف ٣ قضاة عدليين ولم يتحقق بعد اي تطور. ثمة من يضع التقصير في خانة عدم توافر الأدلة في ملف لا يتجاوز عدد صفحاته العشرات. وثمة من يضعه في خانة عدم توافر الامكانات والتمويل، وآخرون يضعوه في خانة التخاذل او التراجع او الخوف.
لكن ما بات أكيدا اليوم ان ملف جبران كما سائر الملفات قابع في ادراج تنتظر من ينفض عنها الغبار، وليس كافيا ان يقول المسؤولون " لا يموت حق وراءه مطالب" لأن المطالبة لا تقتصر على الكلام بل بالعمل وفاء لذكرى الشهداء. لان وقف الاغتيال السياسي وصون الحريات لن يتحققا ما دامت الروادع القانونية غير قابلة للتنفيذ وعاجزة عن وقف التفلت من العقاب.
Sabine.oueiss@annahar.com.lb
Posted by✍️
.jpg&w=3840&q=75)


