تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل
"تطوير اتفاق الطائف أو تعديله"

"تطوير اتفاق الطائف أو تعديله"

December 17, 2021

المصدر:

النهار

وردت على لسان رئيس مجلس النواب #نبيه بري، أمام وفد نقابة المحررين، عبارة لافتة بالنسبة الى البعض، لا تكتسب أهميتها في هذه الظروف إلا نتيجة وجود اقتناعات بأن كل الدفع من البعض نحو الانهيار يهدف الى تغيير النظام بعدما تم هدم النظام السابق. العبارة تتعلق باتفاق الطائف، وهو تحدّث فيها عن أنه "اتفاق يمكن تطويره أو تعديله"، وأنه ليس إنجيلاً أو قرآناً كريماً ولكن علينا أن نجرّب ونطبّقه.

هذا الكلام ليس جديداً، وسبق أن ردّده أكثر من مسؤول في محطات مختلفة، ولكن الكلام على تطوير الاتفاق أو تعديله يكتسب أبعاداً مختلفة في هذه المرحلة وفقاً لمصادر سياسية تبدي اهتماماً بالمقصود من هذا الكلام. لم يرفض بري الاتفاق أو يَنْعَه كما يفعل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ولو بطرق مواربة. فبالأمس فقط تحدّث البيان الفرنسي السعودي عن ضرورة التزام اتفاق الطائف كما التزام سيادة الدولة وحصرية سلاحها لدى الجيش اللبناني. ثمّة اهتمام بهذه الإشارة في هذا التوقيت وبما إن كانت تمهّد لأيّ أمر في المستقبل القريب، وما إن كان شيء ما موضوعاً على النار بعيداً من الكواليس، في الوقت الذي يجري فيه إلهاء اللبنانيين بالبحث عن لقمة عيشهم ومحاولة التقاط أنفاسهم، حتى إذا ما طُرح هذا الموضوع علناً فإن صبر المواطنين يكون قد نفد وباتوا يحتاجون الى حج خلاص مهما يكن الحلّ.

والسؤال التالي المهم يتصل بهويّة الشريك السنّي الذي سيقبل بذلك بحيث يتحمّل مسؤولية القبول بوضع اتفاق الطائف على مشرحة التعديل أو التطوير، وهل هو الرئيس نجيب ميقاتي بالنيابة عن الطائفة ككل في ظلّ الوضع الصعب لهذه الطائفة في هذه المرحلة، وما التطوير الذي يسعى إليه البعض تفادياً للكلام على تغيير جذري أو قلب الاتفاق أو نسفه، الذي لن يكون متاحاً في أيّ وقت قريب. فكلمة تطوير تجد طريقها أسهل الى التسويق وربما الى القبول، على خلفية أن تغييرات كثيرة طرأت، والطمأنة غير المباشرة الى أنه لا أحد يسعى الى نسف اتفاق الطائف من أساسه ولا سيما أن الأمر لن يكون سهلاً إعادة البحث في كل مقتضيات الواقع اللبناني. فنسف اتفاق الطائف لن يجد قبولاً على الأرجح عند غالبية مسيحية لا يندرج من ضمنها التيّار العوني الذي سعى دوماً الى نسف الاتفاق منذ ثلاثين سنة، علماً بأن نسف الاتفاق بما يعنيه نسف المناصفة، قد لا يقبل بها حتى هذا التيّار أقله علناً وصراحة، فيما المكاسب المسيحية من الاتفاق على هذه القاعدة لا يودّ أحد تغييرها، ولكن قد يتلاقى المسيحيون لاعتبارات مختلفة على إعادة الاعتبار لبعض الصلاحيات التي فقدها موقع الرئاسة الأولى والتي سعى عون الى إعادتها عرفاً خلال ولايته، إذ تحدّث عون عن ثلاثة رؤوس رئاسية ونفى الاتهام بالسعي الى نظام رئاسي يعتبر سياسيون كثر أنه سعى إليه بقوّة خلال ولايته لا بل يحمّلونه مسؤولية انهيار البلد نتيجة سعيه الى تغيير النظام أي نسف اتفاق الطائف، فيما النظام السوري أسهم إسهاماً فاعلاً في تضييع المرجعيات في البلد وإزالتها لمصلحته، ولم تساعد رئاسة عون باعتباره "الرئيس القويّ" في فرض ممارسته المرجعية كرئيس للجمهورية لجميع اللبنانيين.

ونسف هذا الاتفاق من الجانب الشيعي يظهر أكثر حذراً إزاء استفزاز علني للطائفة السنّية، علماً بأن هناك مساعي عملانية لتكريس ما يعتبره "حزب الله" انتصاراته على مدى الأعوام العشرين الماضية، فيما يقول ديبلوماسيون إن الثنائي الشيعي قد يكون الأقل حماسة للتعبير عن إرادته نسف اتفاق الطائف الذي رجّح كفة الرئاسة السنية في موقع السلطة التنفيذية على الورق فيما هو المستفيد الأكبر من الاتفاق عملانياً وميدانياً. ولكن هذا لا يمنع أن لديه أجندته الخاصّة في تغيير الاتفاق وتثبيت المكاسب دستورياً. ولعل الطائفة الدرزية من الأكثر تمسّكاً بالاتفاق، فيما انتقد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط السعي الى تجاوزه، دون أن ينفي ذلك براغماتيته الكبيرة في التعامل مع المستجدات.

ويبقى المفتاح الأساسي لدى الطائفة السنية من حيث تعرّضها للضغوط المستمرّة في تعطيل البلد إن من رئيس الجمهورية وفريقه، علماً بأن الفاعلية الاستراتيجية لدى هذا الفريق ستكون رهناً بالمرحلة المقبلة ما بعد انتهاء ولاية عون الساعي بقوة لوضع الحجر الأساس للتغيير المحتمل قبل نهاية تشرين الاول المقبل، وقدرة الحليف الشيعي على ضمان أرجحيته المسيحية أو من الثنائي الشيعي، إذ بمراجعة مرحلة ما بعد ٢٠٠٥ فإن التعطيل الذي توزعه هذان الفريقان للمؤسسات الدستورية في البلد وللاقتصاد يتجاوز عدد أصابع اليدين في مقابل الأعوام شبه العادية.

الصراع المكشوف والمفتوح خلال السنة الأخيرة من ولاية عون ليس مفتوحاً فحسب على الاستحقاقات الدستورية التي يدور اشتباك كبير حولها، في مسعى الى حجز مواقع ثابتة لا تنتهي بهذه الاستحقاقات، بل على سعي الى إرساء نظام جديد جاهر به رئيس الجمهورية وكذلك حليفه الشيعي ولو من اعتبارات مختلفة. لكن الإشكالية الفعلية، إذا ما أقرّ غالبية الأفرقاء بـ"تطوير" اتفاق الطائف، هي ماهية البنود، بحيث لا يُفتح الباب على تفاصيل خلافية لا تنتهي وعلى القدرة على المحافظة على توازن طوائفي يحمي الصيغة التوافقية ولا يدمّرها، وفي أيّ ظروف يمكن أن تأتي فلا تطيح فحسب لبنان السابق الذي أنهته الطبقة الحاكمة راهناً، بل تقيم نسخة مشوّهة تقضي على ما بقي منه. فهذا غير مضمون راهناً وليس من راعٍ دولي أو إقليمي قادر حتى الآن على رعاية أمر مماثل ولا سيما أن التوافق الخارجي ضروري وملحّ أيضاً إذا ما تأمّن التوافق الداخلي.

المصدر: "النهار"

روزانا بومنصف

Posted byTony Ghantous✍️

للمشاركة :
إعلان
Voyages Galleon