
"تجديد بيت الله"... المطران روحانا يدعو إلى "التضامن في نشر ثقافة بيئيّة"
October 29, 2021
المصدر:
النهار
دعا النائب البطريركيّ العامّ على منطقة صربا للموارنة #المطران بولس روحانا الى "التضامن في نَشرِ ثقافةٍ بيئيّةٍ في مجتمعاتنا الكنسيّة والمدنيّة، تجمَعُ من جهة بين مُعطَيات البيبليا وخبرة الكنائس التاريخيّة في التعاطي مع الأرض في ضوءِ إيمانِها، ومن جهة أخرى الأبحاث العلميّة الرصينة والمُتطوِّرَة في علم #البيئة". وتمنى على المسؤولين اللبنانيين أن "يُعيروا في مشروعهم الإصلاحيّ الثقافةَ البيئيّة حقّ اعتبارها في المناهج التربويّة والتشريع وتنفيذ القوانين بدون مُحاباةٍ للوجوه...".
جاء كلام روحانا في مداخلة القاها في كنيسة دير الزيارة في بلدة عينطوره في كسروان، مركز جمعيّة ومعهد فيلوكاليّا (حب الجمال)، ممثّلا البطريرك الماروني الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي في الصلاة المسكونيّة الختامية لموسم الخليقة لسنة 2021، بعنوان: "بيتٌ لنا جميعًا: تجديد بيت الله"، والتي دعا اليها ونظمها مجلس كنائس الشرق الاوسط. وأكد فيها، مستشهدا بالقديس فرنسيس الاسيزي، على "الرباط الكيانيّ غير المنفصل بين الإنسان وعناصر الطبيعة مجتمعة، رباطًا صوَّرَهُ بالأخوّة، وفي الأخوّةِ صداقةٌ وتضامنٌ وتكافلٌ ومحبّة".
والبداية، مقتطفات من نشيد "الأخ الشمس" أو "نشيد المخلوقات" للقدّيس فرنسيس الأسيزي: "كُن مُسبَّحًا، ربّي، مع كلِّ خلائقِكَ، وبخاصّةٍ مع أخينا الشمس... كُن مُسبّحًا، ربّي، مع أخينا القمر وأخواتنا النجوم. كُن مُسبّحًا، ربّي، مع أخينا الهواء... ومع أخينا الماء... ومع أخينا النار. كُن مُسبّحًا، ربّي، مع أختنا الأرض، أمّنا التي تُقيتُنا وتدبّرنا وتُنتج الثمار المتنوّعة مع الأزهار الملوّنة والعشب".
وفي ضوء تلك المقتطفات، قال المطران روحانا: "كثيرة هي الشواهد في البيبليا والكتب الليتورجيّة التي تُظهِرُ الرابط الوثيق بين الإنسان المُؤمِن وعناصر الطبيعة. أكتفي بِذِكرِ البعض منها على سبيلِ المِثالِ لا الحصر. كيفَ يُمكِنُنا أن نُسبِّحَ الله بالعزفِ على القيثارةِ والكنّارة والناي والعود والدفّ والمزمار من دون أن نشكرهُ على مخلوقاتِهِ النباتيّةِ والحيوانيّة التي نستخرجُ منها ما يَلزَمُنا من أوتارٍ وأخشابٍ لِصناعةِ تلكَ الآلات الموسيقيّة، التي تُرافِقُ ابتِهالاتِنا وصلواتِنا وأدعِيَتِنا؟ كيفَ نستطيعُ أن نُسبِّحَ الله من دون أن نكونَ على شراكةِ صداقةٍ واحترامٍ مع سنابلِ القمحِ وجزع الكرمة وشجرة الزيتون، فيما نُمسَحُ بالزّيتِ والميرون، علامةً حسّيّةً لانتمائِنا لشعب الله، أي الكنيسة، فنُصبِح بها تلاميذَ رُسُلًا ليسوعَ في العالَم؟ كيفَ نستطيعُ أن نُسَبِّحَ الله ونحنُ نأكُلُ الخبزَ ونشربُ عصيرَ الكرمة، وهما يتحوّلان إلى جسدِ ودمِ المسيح الحاضِر في الإفخارستيا، ذبيحةِ الشكر من أجل خلاصنا، جسرًا آمنًا وزادًا للحياة الأبديّة؟".
وفي مداخلته، استلهم المطران روحانا "نشيدِ المخلوقاتِ للقدّيس فرنسيس الاسيزي (كُن مُسبَّحًا، ربّي)، الذي يُشكِّلُ صدًى أمينًا للبيبليا بشكلٍ عام وللمزمور المئة والثامن والأربعين الذي يتلوهُ على حدٍّ سواء اليهود والمسيحيّون في صلواتهم الصباحيّة وهم يَجِدونَ فيه دعوةً إلى السماء والأرض والإنسان وكلّ الخليقة لكي يُشيدوا مُسَبِّحينَ معًا، كُلٌّ على طريقته، بأعمال الربّ"، على قوله.
كذلك، استلهم من "بولس الرسول الذي يذهب إلى حدِّ اعتبارِ المخلوقاتِ تلك من تجلّياتِ وجودِ الله الذي لم يَرَهُ أحدٌ البتّة، حين يقول في رسالته إلى أهل روميه (1/ 18-20): "فإنَّ غَضَبَ الله يُعلَنُ من السماء على كلِّ كُفرٍ وظلمٍ يفعَلُهُ الناس، الذين يَحبِسونَ الحقّ في الظلم؛ لأنَّ ما يُعرَفُ من اللهِ ظاهرٌ لهم، فاللهُ أظهَرَهُ لهم؛ فإنَّ ما لا يُرى من الله منذ خلق العالم، أي قدرتَهُ الأزليّة وألوهتَهُ، تُدرِكُها العقول من خلال مخلوقاته، لذلك فإنّهم لا عُذرَ لهم".
وقال: "إلّا أنَّ تسبحةَ الربِّ على خلائقه لا تُنسينا أبدًا قساوةَ قلب الإنسان في التعامل مع الأرض، بيتِنا المُشتَرَك، وخيراتها، وهي عطيّةُ اللهِ لنا، وفقَ ما جاءَ في الرسالة العامّة "كن مُسبّحًا" لقداسة البابا فرنسيس (24 أيّار 2015)، حيثُ يقول: "أختُنا (الأرض) تَصرُخُ بسبب الأضرار التي تَلحَقُ بها من جرّاء الاستعمال غير المسؤول والمُفرِط للخيرات التي وَضَعَها اللهُ فيها. لقد كبُرنا ونحن نعتقدُ أنّنا مالكو الأرض، متسلّطون عليها ومخوَّلون باستغلالها. إنَّ العنفَ الكائن في القلب البشريّ المجروح بالخطيئة يظهرُ أيضًا من خلال أعراضِ المرض التي نُلاحظها في التربة وفي المياه وفي الهواء وعند الكائنات الحيّة. لهذا، بين الفقراء الأكثرَ تعرّضًا للإهمال وسوء المعاملة، تُوجَدُ أرضُنا المظلومة والمُجتاحة، التي "تئنُّ وتتمخَّض" (روم 8/ 22). ننسى أنّنا ترابٌ (تكوين 2/ 7) وأنَّ جسدَنا مُكوَّنٌ من عناصر هذا الكوكب، هواؤه نَستَنشِقُهُ وماؤه يُحيينا ويُجدِّدُنا".
واضاف: "للتحرُّرِ من وطأةِ العُنفِ أو قساوةِ القلبِ تلك، نحنُ مدعوّون في ضوءِ البيبليا، قصّةِ العهدِ الخلاصيّ بين الله والإنسان، ألّا يقتصرَ إيمانُنا على الاعترافِ بإلهٍ خالِقٍ لهذا الكون فحسب، إنما ايضا بإلهٍ نُحبُّهُ من كلِّ كياننا،لأنَّهُ يُقيمُ عهدَ خلاصٍ مع كلٍّ منّا في تاريخ البشر بحيثُ أُصبحُ مُعاونًا له وشريكًا ووكيلًا في روحيّة مَثَل العبد الأمين الحكيم في الإنجيل (متى 22/ 45-51). وعندما يكونُ الإيمانُ بالله محبّةً له لا بُدَّ من أن يتجلّى في الوقت عينه محبّةً للقريب، حبّنا لنفسِنا. والمحبّة هُنا تُثمرُ شراكةً وأعمالَ رحمةٍ لا تستثني أحدًا، لأنَّ الذي يُحبّ وفقَ قلب الله، لا يختارُ هويّةَ قريبه بل يسعى أن يكونَ قريبَ كلّ ضحيّةِ ظلمِ الآخرين، فيعتني بها عنايةَ السامريّ الصّالِح إلى أن تستعيدَ عافِيَتَها وكرامتَها المجروحةَ ظلمًا (لوقا 10/ 25-37). في هذا السياق، أفهمُ تمامًا معنى كلامِ قداسة البابا فرنسيس عن "صرخة الأرض، أختنا وأمّنا"، التي أصبَحَت ضحيَّةَ قساوةِ قلب البشر، "فقيرةً بين الفقراء الأكثر إهمالًا وسوءَ معاملة"، على حدِّ تعبيره، فيما أعطاها الربُّ أن تكون الأمَّ الحاضنة لجميع أبنائها بموارِدِها العظيمة".
وتابع: "فيما نُؤدّي الشكرَ لله معًا وبالشراكةِ مع الكنائس المُنتشرةِ في العالَمِ أجمع على حُسنِ خَلقِ الله "إذ رأى هو جميعَ ما صَنَعَهُ فإذا هو حَسَنٌ جدًّا" (تكوين 1/ 31)، نستغفرُهُ، اليومَ وكلَّ يومٍ، بانسحاقِ قلبٍ، على كلِّ تشويهٍ لهذا الحُسن، علَّنا نَتَضامَنُ في نَشرِ ثقافةٍ بيئيّةٍ في مجتمعاتنا الكنسيّة والمدنيّة، تجمَعُ من جهة بين مُعطَيات البيبليا وخبرة الكنائس التاريخيّة في التعاطي مع الأرض في ضوءِ إيمانِها، ومن جهة أخرى، الأبحاث العلميّة الرصينة والمُتطوِّرَة في علم البيئة. إنَّ ثقافةً من هذا النوع ليست تَرَفًا فكريًّا على الإطلاق، بل هي من صميم رسالةِ الكنائس والمجتمعات المدنيّة للمحافظةِ على سلامةِ البيتِ المشترك، الذي هو بمثابة "الخير العام"، تحتَ سقفه المُقدَّس تَنتَظِمُ مصالحُ الأفرادِ والجماعات لنعيشَ معًا باتِّفاقٍ أزمنةَ سِلمٍ وشراكةٍ ومساواةٍ في الحقوقِ والواجبات".
وختم قائلا: "باركَ اللهُ جُهودَ المسؤولينَ في بَلَدِنا لبنان، ومعهم أصحابُ الإرادة الصالحة، فيُعيروا في مشروعهم الإصلاحيّ الثقافةَ البيئيّة حقّ اعتبارها في المناهج التربويّة والتشريع وتنفيذ القوانين بدون مُحاباةٍ للوجوه إلى أن نتوصّلَ إلى إيجاد حلولٍ جذريّة ومُستدامة للمشاكل البيئيّة الكثيرة في مجال الماء والكهرباء والنفايات والفوضى العمرانيّة، فيما يرزحُ شعبُنا تحت ثقلها، منذ عقود، بسبب الإهمال المتراكم والروح النفعيّة المستشرية والمحاصصة السياسيّة والطائفيّة، وتغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة".
المصدر: النهار
Posted byTony Ghantous✍️



