تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل
أيّها اللبنانيون لا تمرضوا

أيّها اللبنانيون لا تمرضوا

November 18, 2021

المصدر:

النهار

يتلقى اللبنانيون الصفعة تلو الصفعة من طبقتهم السياسية بخضوع يشبه خضوع العبيد. بعض الصراخ والشتائم على مواقع التواصل الاجتماعي وداخل البيوت وأماكن العمل، ثم كأن لا شيء كان. أمس طارت أسعار الدواء الى فوق مستوى قدرة غالبية اللبنانيين على مجرد التفكير بشرائها. ورفع الدعم نهائياً عن بعض العقاقير التي كانت لا تزال الدولة تموّلها جزئياً، وهي المتعلقة بالأمراض المزمنة كالسكري والقلب والأعصاب.. المنتشرة بكثافة في أوساط الشعب اللبناني المعتل والكئيب.

 

من الآن اللبنانيون ممنوعون من المرض. إذا مرضتم فموتوا، فالطبابة ليست للفقراء والدواء للأغنياء فقط، كما سبق وأصبح اللحم والبيض والحليب والجبن والفواكه والخضار والحلوى.. والكهرباء والتدفئة والترفيه للأغنياء فقط. تداووا بالزهورات والأعشاب ولا تفكروا ولو بحبة المسكن التي كنتم تشترونها حتى من دكان الحي أو القرية. موتوا بالزكام وبالحمى وبجرح اليد والتهاب الحنجرة وبالدمامل والبثور وبالحصبة وتقرح المعدة وانتفاخ الأمعاء وبالبروستات والبواسير والسكري والكولسترول والدهون وأمراض القلب والشرايين... موتوا بغيظكم وبصمتكم القاتل.

 

الدولة نفضت يدها من كل أشكال الدعم الذي كانت توفره لبعض المواد الحيوية، لا سيما الغذاء والدواء والوقود، غداً لن يعود الخبز متاحاً للناس، لن يجوع الأغنياء لأنهم أساساً لا يأكلون الخبز، الخبز يضرّ بصحتهم وصحة أولادهم، يفضلون عليه التوست المستورد ورقائق اللحم وبيض النعام والجبن الهولندي والدنماركي. أبناء السياسيين وبناتهم يفضلون الغذاء الصحي يأتيهم من فرنسا وألمانيا، وحتى من أستراليا وأميركا. القمح للفقراء آكلي الخبز. لا مفر من الخبز مهما ارتفع ثمنه، والدولة المستقيلة تستغل خمول الشعب عن الثورة فتمعن في إذلاله في كل شيء. سيأتي يوم تشحذون فيه رغيف الخبز.

 

عندما تعجز الدولة عن فرض سلطتها على أرضها، وعن صون أموالها وأموال مواطنيها وإدارة علاقاتها الخارجية، وعندما تتخلى عن أولى واجباتها في تأمين الأمن الغذائي والأمن الصحي والأمن الاجتماعي، لا يتبقى منها إلا ظلال دولة. إنها أشبه بإقطاعية من قرون الحكم العثماني، حيث الأمير مجرد إقطاعجي يجبي الضرائب لأسياده ويقتطع حصته ويزيدها على الرعية المقموعة كلما رفعت رأسها. 

 

هذه "الدولة" تعيش في عزلة موحشة داخلياً وخارجياً، ولأن الفقر يولّد النقار، لم يعد أمام طبقتها السياسية إلا الاصطراع اليومي على كل شيء. لا يجدون شيئاً يتفقون عليه، لا شيء، إلا المواطن. يختلفون على السياسة الداخلية والخارجية، على العرب وإسرائيل وإيران، وعلى أميركا وروسيا والصين. يختلفون على تعيين مراقب جوي أو ناطور أحراج أو عميد كلية جامعية، لكنهم يتواطأون على رفع الدعم عن كل شيء، وعن تهريب أموال المودعين الى المصارف الأوروبية، وربما يستمتعون بهوان الشعب عندما يحين موعد الانتخابات ليشتروا أصواته البائسة بأرخص الأثمان.

 

ولأنها كذلك، ضجر العالم منها ويئس من محاولات إنعاشها، تعب الوسطاء والسعاة من هذا العناد الرهيب وهذا الإصرار العجيب على مواقف وأفكار لم تعد متداولة في أي نظام في العالم، حتى ولا في كوريا الشمالية. رفع العالم العشرة ويكاد ينفض يده.

 

بليغ وقاس ما قاله المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان أوليفييه دي شوتر، من أن "مسؤولي الحكومة اللبنانية ليس لديهم أي شعور بضرورة التحرك العاجل لتحمل مسؤولياتهم إزاء أزمة اقتصادية أدت الى إفقار وحشي للمواطنين".

 

بات لبنان مضرب مثل في فشل الدول وعجزها. وصار اللبنانيون فرجة وهم يسعون وراء فيزا أو مركب مهاجرين. يبدي دي شوتر الذي زار لبنان وتفقد أحواله والتقى مسؤولين، دهشته من "حقيقة أن هذه دولة في طريقها الى الفشل، إن لم تكن فشلت بالفعل، واحتياجات السكان لم تُلبَّ بعد".

 

تعيش الدولة اللبنانية في عالم آخر، مفصومة عن الواقع أو عمياء، والأصح متعامية. هي حالة مرضية نادرة بين الدول. هذا الواقع وصفه شوتر بقوله إنهم "يعيشون في عالم خيالي... وهذا لا يبشر بالخير بالنسبة الى مستقبل البلاد".

 

لبنان في أزمة حادة ومصيرية، ولا بلد خرج من أزمة في تاريخ البشرية إلا برجال استثنائيين...

المصدر: النهار العربي

راغب جابر

Posted byTony Ghantous✍️

للمشاركة :
Voyages Galleon
Point7 Multimedia