تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل
أين العدل؟

أين العدل؟

April 2, 2022

المصدر:

النهار

إنّ ما يتميَّز به الفكر المعاصر هو التركيز على دولة القانون. فالقانون وحده يحمي المجتمعَ والمواطنين من تسلُّط أصحاب السلطة. يذكر التاريخ موقفَ ملك فرنسا لويس الرابع عشر عندما قال له أحد الحكماء: "جلالة الملك، هكذا تقضي الشريعة ويقضي القانون"، فأجابه: "أنا الشريعة وأنا القانون". ما نشهده اليوم في #لبنان يُشبه على نحوٍ ما ولو بشكلٍ مخفيّ موقفَ جلالة الملك هذا المتسلِّط الذي يختصر الشريعةَ والقانون في شخصه. ففي لبنان مجلس قضاء أعلى مهمَّتُه تعيين القضاة، لكنَّ تعييناته في بعض الأحيان تصطدم برفض أصحاب السلطة عندما يرون فيها ما يناقض مصالحهم أو مصالحَ أحزابهم، على الرغم من أنّ الشعبَ يُشيد في معظمه بنزاهة رئيس هذا المجلس ونزاهة أعضائه. وهكذا تبقى التشكيلات القضائيّة حبرًا على ورق. ونرى من جهةٍ ثانية السياسيّين في الدولة يتدخَّلون لتعيين القضاة، ويضغطون لتعيين قضاةٍ يخضعون لآرائهم وتوجُّهاتهم السياسيّة. وينجم عن ذلك أنّ القاضيَ الذي عيَّنه أو تدخَّل في تعيينه سياسيٌّ يُحوِّر الأحكامَ لصالح من عيَّنه. مع أنّ الجميعَ يؤكِّدون أهميّة استقلاليّة القضاء، وضرورةَ اتّباع ما يقوله الدستور بكلّ وضوح عن الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعيّة والإجرائيّة والقضائيّة.

يُحدِّد التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكية #العدلَ بقوله: "العدل هو الفضيلة الأخلاقيّة التي قوامُها إرادةٌ ثابتةٌ وراسخةٌ لإعطاء الله والقريب ما يحقُّ لهما. والعدل تجاه الله يُدعَى ’فضيلةَ العبادة‘. وهو تجاه البشر يُهيِّئ لاحترام حقوق كلِّ واحدٍ وجعل العلائق البشريّة في انسجامٍ يُعزِّز الانصافَ بالنسبة إلى الأشخاص والخير العامّ" (رقم 1807). ويقول عن دولة القانون: "من الأفضل أن يوازنَ كلَّ سلطةٍ سلطاتٌ أخرى، وصلاحيّاتٌ أُخرى تُبقيها ضمن الحدود الصحيحة. وهذا هو مبدأ ’دولة القانون‘ التي تكون فيها الرئاسة للشريعة لا لإرادات البشر العشوائيّة" (رقم 1904).

العدل والقضاء والسياسة أمورٌ ثلاثةٌ متلازمة. فإذا كان "العدل، كما يقال، هو أساس المُلْك"، فمهمّة القضاء والسياسة تقوم على تأمين العدل بين الناس. لذلك لا بدّ من التعاون بين القضاء والسياسة، بحيث تحافظ السياسة على استقلاليّة القضاء، ويحكم القضاء بعدلٍ على السياسة. فالسياسة والقضاء هما معًا بخدمة العدل. فالقضاء يؤمِّن العدل، والسياسة تعمل على تنفيذ ما أقرّه القضاء.

إنّ الشرعةَ العالميّةَ لحقوق الإنسان التي أقرّتها معظم الدول قد اعترفتْ بحقوق كلّ الناس. لكنّ هذه الشرعة بحاجةٍ إلى توضيح طرق تطبيقها. فمَنْ غيرُ العدل يمكنه أن يُبيِّن بالتفصيل هذه الحقوق؟ ومَنْ غير القضاء يستطيع أن يحدِّد بعدلٍ ما لكلّ إنسانٍ من حقوق؟ ومَنْ غيرُ السياسة قادرٌ على تنفيذ ما يُقِرُّه القضاء؟ أمّا إذا تدخّلت السياسة لتحريف القضاء عن مساره، فينتفي العدل ويسود الظلم بين الناس، ويتحكّم القويّ بالضعيف، والغنيّ بالفقير. ويتحوّل المجتمع البشريّ إلى مجتمعٍ حيوانيٍّ تسود فيه شريعة الغاب.

إنّ العدل والقضاء والسياسة هذه الأمور المتلازمة، لتحافظَ على التوازن بينها، يجب أن ترتكزَ على الأخلاق. فالانهيار الذي يُصيب لبنان شيئًا فشيئًا إنّما سببه انهيار الأخلاق. فعلى سبيل المثال ماذا يمكننا أن ننتظرَ من نوّاب يصلون إلى المجلس النيابيّ إمّا بفضل الأموال التي يشترون بها أصواتَ منتخبيهم، وإمّا بضغطٍ من دولة أجنبيّة؟ وماذا يمكننا أن ننتظرَ من حكومةٍ يُعيَّن فيها الوزراء بالمحاصصة بين مختلف الأحزاب، على أساس الاستفادة من الأموال التي تحتويها هذه الوزارة أو تلك؟ وقد اختلقوا بدعةَ "الوزارات السياديّة" التي لا تحقّ إلاّ للطوائف الكبرى، كأن لا وجودَ لاختصاصيّين عند سائر الطوائف. إنّ دولةً منظَّمةً على هذا الشكل مصيرها الفشل والانهيار!

لكنَّ ما نشاهده كلَّ يومٍ من رفضٍ للظلم من قبل معظَم الشعب، وما نسمعه من انتقادٍ عارمٍ للفساد الذي يلوِّث السياسة، إنّما هو دليلٌ على أنّه لا تزال في لبنان خميرةٌ صالحةٌ من العقول النيِّرة تُبشِّر بأنّ هذا الوطنَ سوف يقوم ليكونَ من جديدٍ وطنَ العدل المستقيم والقضاء النزيه.

المصدر: "النهار"

المطران كيرلس بسترس

Posted byTony Ghantous✍️

للمشاركة :
Point7 Multimedia
إعلان