تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل
الياس كسّاب: من مار يوحنا مارون إلى الراعي... إحملْ صليبكَ وارفع عصاك

الياس كسّاب: من مار يوحنا مارون إلى الراعي... إحملْ صليبكَ وارفع عصاك

February 7, 2021

المصدر:

وكالة الأنباء المركزية

بمناسبة عيد مار مارون كتب الرئيس العالمي السابق للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم الياس كسّاب، تحت عنوان: "من مار يوحنا مارون إلى مار بشارة بطرس الراعي: إحملْ صليبكَ وارفع عصاك":

لفتةٌ للتاريخ لا بُدَّ منها

انتُخبَ مار يوحنا مارون بطريركاً على كُرسيِّ بطرس في أنطاكية في أواخر القرن السابع، (حوالي ٦٨٦ م.)، ليصبح البطريرك الماروني الأول، وهو الثالث والستون بعد مار بطرس. حمل صليبه "المُثلّث" بيمناه رمزَ إيمانه وروحانيته، وعصاه الخشبيّة بيسراه ليقود شعبه في الصعاب، وليكون مثالاً للبطاركة القديسين بعدَه، والذين جعلوا من التواضع أساساً لقيادة الجماعة، وهم من صحَّ فيهم قول الرحالة العربي الإدريسي: "عِصيِّهُم من خشب، وقُلوبهم من ذهب".

حين قاد مار يوحنا مارون شعبه من وادي العاصي إلى جبال لبنان نتيجة الاضطهاد، وانتخب بطريركاً بعد أن كان أسقفاً على بلاد البترون، انتقل إلى كفرحي حيثُ أسِّسَ دير "روش مور" أي رأس مارون، وحيث دُفِنَت جُمجُمة مار مارون، وما ترمز إليه هذه الجُمجُمة من إيمانٍ، وفِكرٍ وروحانيّةٍ وعِنادٍ للحق..وجُعِلَ من الدير مركزاً بطريركياً. فعلى هامةِ مارون بُنِيت كنيستُهُ، مُتَشبِّثةً بالأرض، مُتعلِّقةً بالسماء.

لقد مزج يوحنا مارون القيادةَ الروحيّة بالزمنيّة، فهو "القدّيس" والقائد السياسي والعسكري في آن، فالكنيسة مؤتمنةٌ على الإيمان وعلى الإنسان، فأضحت الحُرِّية المبنيّة على الأخُوّة، مُذّاك، وقبل الثورة الفرنسية بقرون، عصبَ "المارونيّة"، وهي الحرّية التي تحترم حُرّيةَ الفرد والجماعة، وتحترم حُرّيةَ الآخرين على حدٍّ سواء، لذا فإنّ انتصارات مار يوحنا مارون لاقت ارتياحاً لدى كل القاطنين على أرض لبنان، ومن كل الفئات.

فـ"المارونيّة"، من هذا المُنطلق، لم تطمح يوماً، حتى في أوجِ حركتها العسكرية ضدّ الظلم والاضطهاد، في تاريخها القديم (وكلنا يعرف دور الجيوش المارونية مع فخر الدين مثلاً)، أو الحديث، إلى أن تُرسي قواعِدَ حُكمِ تيولوجيا ديكتاتورية، كما يطمح "الإخوان المسلمون" أو "الثورة الخمينيّة" مثلاً، بل كانت دفاعاً عن الإنسان، كلِّ إنسان، في أيِّ عصرٍ أو زمان، وتعتبر أنَّ دفاعها هذا عن الآخرين هو جزءٌ أساس من الإيمان الماروني الحق.

فلا غروَ أن يتكوكبَ اللبنانيون بأطيافهم حول البطريرك الياس الحويّك، سليلِ هذا الفكر الروحاني الأرضي-السماوي، لتأسيس دولة لبنان الكبير، لأنه حامل إرثِ البطاركةِ العظام فكراً مُنفتِحاً، ورسالةً إنسانيّةً فريدةً على ضِفافِ المُتوسط.

قال بطريرك الاستقلال الثاني، مار نصرالله بطرس صفير: "إذا خُيِّرنا بين الحرّيةِ والعيشِ المُشترك، نختار الحرّية". لأنَّ العيش المُشترك بدون حُرّية هو ذِمِّيّةٌ لا تقبلها "المارونيّة"، لا لنفسها، ولا للآخرين.

الحرّية هذه، هي محور الوطن "الرسالة" الذي تحدث عنه البابا القدّيس يوحنا بولس الثاني، وبدون هذا المحور، أي الحريّة، والمبنيّة على المحبّة المسيحية للقريب، لا وُجودَ لهذا اللبنان.

لفتةٌ للحاضر المنكوب ودور بكركي لوقف الانهيار

إذا كان الموارنةُ بخير، فالمسيحيونَ في لبنان بخير، وإذا كانَ المسيحيونَ بخير فلبنانُ بخير.

إنّها القاعدةُ الذهبيّة للتاريخ في لبنان، ينشدها المُسلمونَ قبل المسيحيين، وكُلُّ الأحرار في هذا الشرق المُعذَّب.

واختصاراً لما آلت إليه الأمور، ولكي نرى إذا كان المسيحيون بخير، وعليه، الوطن، فبعد الانهيار المالي والاقتصادي، وانفجار مرفأ بيروت الذي دمّرَ العاصمة، فإنَّ الناظرَ إلى الواقع الماروني اليوم خاصّةً، وعليه، المسيحي عامةً في لبنان، يدمع لما آلت إليه أحوال الرعيّة: فالمسيحيون خسروا مُقوماتهم كافةً، ليس فقط الماليّة، الفرديّة والعامّة، بل خسروا أيضاً مؤسساتهم الثقافية والتربوية والصحيّة والاجتماعية. وخسروا، إلى جانب قُدُراتهم المصرفيّة، مدارسَهم، وجامعتِهم، ومستشفياتِهم، وسلموا، بإرادتهم، عن وعيٍ أو غير وعي، إدارةَ البلاد للفاسدين، وتنازلوا، بإرادتهم أيضاً، عن استقلال الوطن، وجعلوه مَطيّةً لمشروع تيولوجيٍّ ديكتاتوريٍّ مُتطرف، لكي يحظى، زعماؤهم، كأفراد، على مغانمَ شخصيّة، آنيّة، دمّرت البلاد والعباد.

يا صاحب الغبطة، الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي

نُصارِحكَ الرأي، صراحةَ الإبن لأبيه: نحن لم نكن مُستعدين، وللأسف، لا كدولة، ولا ككنيسة، لا لوقف الانهيار، ولا حتى لمعالجة نتائجه، على الوطن، وعلى الإنسان اللبناني المُعاني اليومَ فقراً، وذُلاً، ومرضاً.

لقد آنَ أوان العودة إلى الجُذور، فلقد استعدتم، عقائديّاً، إرساء مفهوم لبنان في رسالته، والقائم على "الحياد الإيجابي"، ولكن، لا بد أن تحملَ "سوط" يسوع، فتطرد "التجار" من هيكل الرب والوطن.

زعماؤنا المسيحيون، يا صاحبَ الغبطة، لابسو رِداءَ الطائفة الذي يُغطي للبعض فساده، وللبعض الآخر غباءه، وللبعض المجبول بالأنانية العمياء خيانته حتى العظم.. هؤلاء لا يستحقون حتى استشارتك، لأنّ من سلّمَ لبنان للمُحتلّ الجديد غباءً، أو فساداً، أو خيانةً، ومن أهرقَ تعبَ ودماءَ اللبنانيين على مذبحِ شَهَواتِهِ، لا يستحق أن تطأ نعلاه المُلطخة عتبةَ الصرح.

لا تُخاطبهم يا صاحبَ الغبطة، فهؤلاء هم أهل الرياء، بل أحِلَّ عليهم غضبكَ الذي نعلم أنه عظيم، ثمَّ خُذْ صليبَكَ المُثلّث وبارك شعبَكَ وثورتَه، لا بل آنَ الأوان كي تحملَ عصا أسلافك وتقودهم، إنزلْ إليهم، هم بحاجةٍ لمن يسوسهم في زمنٍ كثُرَ فيه الزعماء وندُرَ القادة، إنزل إليهم في دساكرهم والقرى، في كنائسهم، وعلى الطرقات. هم مُشتاقون إلى "الجبة" المارونية المُعفرةِ بالغبار من تراب أرضنا المُقدسة، لقد استثمرنا كثيراً بالحجر، ولم نستثمر بالبشر، أن الأوان كي يعود الفرد قيمةً في مجتمعنا، لا عدداً في حساب زعيم.

قدرُكَ، يا صاحبَ الغبطة، أن تعُمَّ الفوضى في صفوف جماعتك الروحيّة والمدنيّة وهم يدافعون عن الوجود اليوم صموداً مُشَتّتاً غير مدروس، وفي الوقت نفسه أيضاً يواجهون الجائحة، تماماً كيوحنا مارون، حيث انتفضَ على الفوضى، نظّم الجماعةَ الصامدة بالـ"المُقدَمين" (المسؤولين السياسيين والعسكريين آنذاك)، وكان من شروط اختيار المقدمين، ليس صفاتهم القيادية فحسب، بل حسن السيرة والتقوى وقدسية المحبة، ومن ثمَّ، لم يتقدمهم في المعارك فحسب، بل نزلَ إلى الأرض يُبلسم آلام الجماعة التي فتك بها الطاعون.

إذا كنت، يا صاحب الغبطة، قد صوّبتَ العقيدة، فأعدت للبنان البطريرك الحويّك المبادئ التي قام عليها بإعلانك وثيقة "الحياد الإيجابي"، ونحن معك، ولقد خاطبتَ بالأمس المجتمعَين: العربي والدولي، لعقد مؤتمر لحماية لبنان، ونحن معك في هذا أيضاً، ونضع أنفسنا كمغتربين بتصرفكَ في هذا الإطار، فهذا اللبنان، يا صاحب الغبطة، لن يقوم إلا بـ"مُقدَّمين" جدد، بثورة جديدةٍ، ومُتجدِّدة، تطلبها أنت، لا بل تُحرّض عليها، من داخل بعض الأحزاب، وعلى بعضِ الأحزاب الأخرى، فتوحِّدهم بسوط غضبِكَ، وبمحبَّتِكَ تمحو التزلُّمَ الأعمى كي تستعيد معها "الزعامة" مفهوم القيادة، والصدق، والطهارة، والكف والفكر النظيفين، فالمنافسة السياسيّةُ تبقى مشروعةً، لا بل مطلوبةً، لكنْ تقف عند حدود المس بالوطن وسيادته واستقلاله ومبادئه التي قامَ عليها، فلا أوراق تفاهمٍ تُعقد من قبل أيٍّ كان، ومع أيٍّ كان آخر باسم المسيحيين إلا وبصمة بكركي، وحدها بكركي، عليها، ولعمري هذا لن يحصلْ، إنْ لم تضربْ بعصاك، عصا مار يوحنا مارون المؤسِّس.

 

Posted byKarim Haddad✍️

للمشاركة :
إعلان
إعلان