
"النهار" تنشر فصولاً من كتاب الرئيس"أمين الجميّل الرئاسة المقاومة" حلقة أولى: انتفاضة القوّات اللبنانيّة ومأزق المغامرة
June 21, 2020
المصدر:
النهار
صدر اخيرا كتاب مذكرات الرئيس امين الجميل بعنوان: "أمين الجميل الرئاسة المقاومة" الذي يروي فيه فصول مذكراته طوال مراسه الحزبي والسياسي والرئاسي . تنشر "النهار" من اليوم وعلى ثلاثة ايام ثلاث حلقات مختارة من الكتاب، وهنا، عن انتفاضة القوات اللبنانية .
لا شكّ في أن إسرائيل كانت على علاقة مباشرة مع إنتفاضة "القوات اللبنانية" لأن عملية كهذه لا ريب في أنها تناسب مصالحها. ولم يكن موقف سوريا أقلّ غموضاً، إذ جاء ردّها على تحفّظي عن طلب تدخّلها العسكري تهديداً بمعارك جديدة، وقد إستعدّ حلفاؤها للقتال فوراً.
ما لبث "أبطال الانتفاضة" أن قدّروا خطورة الأعمال التي لم يتحسّبوا لعواقبها. أدرك بعضهم حقيقة المغامرة، وإستطعنا إطلاق حوار سياسي خجول بيننا. على أي حال، أرغم مقاتلو "القوات اللبنانية" على الانسحاب قسراً من المناطق التي حاولوا السيطرة عليها في شرق صيدا، لكن ينبغي حماية السكان القلائل الذين لم يغادروا قراهم وتحاشي إمتداد النزاع إلى بلدات أخرى معزولة. لأجل ذلك، بالتفاهم مع رشيد كرامي، أمرتُ الجيش الموجود في الجنوب بالإنتشار كقوة فصل بعدما تم تعزيزه بعديد محدود.
حقّقت جهودنا بعض النتائج، رغم العرقلة التي سبّبها الضغط الإسرائيلي القوي في الجنوب، وصعوبة التوافق مع حلفاء دمشق. تحت تأثير الهزيمة السياسية والعسكرية التي لحقت بهم، والتهجير السكاني الكثيف والخسائر البشرية، لجأ قادة "القوات اللبنانية" إليَّ لوقف دوّامة العنف وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. رحّبتُ باليد الممدودة، إنما مع الحرص على التأكد من أن مُحاوريَّ وعوا خطورة ما اقترفوه، تجنّباً لأي تكرار. لذا، طلبتُ منهم أن يحدّدوا خطياً أهدافهم الحقيقية ومقترحاتهم في سبيل إنهاء النزاع بطريقة واضحة علنية. ذلك ما عنته الرسالة المؤرّخة 7 أيار 1985 والموقّعة من سمير جعجع بإسم الميليشيا. أعلن بوضوح تبنّي الخيارات الوطنية التي كنت أنادي بها منذ مطلع عهدي، ثم أيّدني في حواري مع سوريا، وتعهّد أخيراً بأن يُعيد إلى الدولة بعض المؤسسات التي صادرتها "القوات اللبنانية" منذ 12 آذار 1985. في النهاية، نجح خياري الداعي إلى حلّ بالتفاوض، ولكن بأي ثمن؟
هنا نصّ رسالة جعجع:
"بناء على الإتصالات التي أُجريت بيننا حول موقف الإنتفاضة من الشؤون الوطنية والسياسية والأمنية، ومنعاً لكل تأويل أو سوء فهم، نتقدّم من فخامتكم بالتأكيدات التالية:
أولاً ـ تعلن الإنتفاضة أن لا علاقة لها بإسرائيل، وهي على أتم الإستعداد لإتخاذ التدابير المترتّبة على هذا الإعلان.
ثانياً ـ توافق الإنتفاضة على التوجّهات الحالية للحكم في ما يتعلّق بإقامة علاقات وثيقة مع الجمهورية العربية السورية، وهي راغبة تماماً في إتخاذ المواقف الملائمة لهذه التوجّهات.
ثالثاً ـ ترى الإنتفاضة أن لا بدّ من إصلاحات جذرية في البنية السياسية والإدارية للدولة اللبنانية، إنطلاقاً من المسلّمات المتفق عليها في حكومة الوحدة الوطنية.
رابعاً ـ تعتبر الإنتفاضة أن سيادة لبنان وإستقلاله ووحدته تتم من طريق موافقة كل الأطراف على بسط الشرعية اللبنانية على كل أراضي لبنان، وهي مستعدّة في هذا الإطار لتسليم الشرعية كل المرافق.
هذا ما رأينا تأكيده لكم، مساهمة منا في وقف الإقتتال والوصول إلى حال السلام والإستقرار التي يستحقها وطننا لبنان". التوقيع: سمير جعجع.
إستعدتُ المبادرة وقرّرتُ أن أُحيي على الفور تحرّكاً ديبلوماسياً في الخارج والحوار الوطني في الداخل. أعلمتُ الرئيس السوري بالمُعطى الجديد، وطلبتُ إليه إستئناف الحوار السياسي بين بيروت ودمشق حول المسائل العالقة.
أما في بيروت وضواحيها، فأخذت المعارك تشتدّ ضراوة. في 29 أيار 1985، فيما كنت أتناول طعام الغداء في بعبدا بمعيّة أمين المكتب الشعبي الليبي للإتصال الخارجي [وزير الخارجية] الدكتور علي عبد السلام التريكي، الذي جاءني ناقلاً رسالة من العقيد معمّر القذافي تتعلق، في جزء منها، بحرب المخيّمات، إستُهدف القصر الرئاسي مباشرة بقذائف عدّة من موقع في الضاحية الجنوبية لبيروت تسيطر عليه حركة "أمل" والميليشيات الشيعية الأصولية. إنفجرت القذائف في البهو الملاصق لقاعة الطعام، على بُعد أمتار قليلة منا. غمرتنا أنا وضيفي الأنقاض والغبار، لكننا نجونا بأعجوبة. بعد أشهر قليلة، أيلول 1985، إبّان لقائنا في نيويورك، كشف لي الوزير التريكي ـ وقد ولّدت المحنة التي عشناها معاً نوعاً من الألفة ـ أن "القذائف التي أُطلقت علينا هبة قدّمتها ليبيا إلى وليد جنبلاط"، كما أقرّ لي بأن دولته "دعمت حلفاء سوريا بالسلاح والمال".
توخّى القصف عزل الرئيس اللبناني، وتوجيه رسالة واضحة الدلالة إلى كل مَن تسوّل له نفسه "التدخّل" في الشؤون اللبنانية. في قرارة نفسي تساءلتُ عن الهدف المقصود: هل هو الزائر الليبي الذي تشوب علاقة بلاده بالقيادات الشيعية اللبنانية أزمة حادة ناجمة عن الإختفاء الغامض للإمام موسى الصدر في الجماهيرية في 31 آب 1978 وإتهامها الرئيس الليبي بخطفه، أم المطلوب التخلّص مني ومنع أي فرصة لحلّ أو تسوية في البلاد؟ التأكيد أن مقتلي يريح كثيرين ممّن لا تعنيهم مصلحة لبنان.
من سخرية القدر أنني كنت يومذاك مدعواً إلى قمّة سادسة في دمشق، ومن المفترض أن أزورها بعد غداء العمل. من دون أي تعديل في برنامجي، بدّلتُ ثيابي وتوجّهتُ إلى اللقاء في طوّافة قادتني إلى قبرص، ومنها في طائرة لبنانية إلى العاصمة السورية لقمّة ستستغرق يومي 29 أيار و30 منه.
فور عودتي دوّنتُ في سجّل يومياتي وقائع المحادثات:
"مرّة أخرى على طريق الشام. لم أكن أعرف ولا متأكداً ممّا ينتظرني هناك، ولا إستعدادات الرئيس السوري وتوجّهاته. إنطباعي أن ليس ثمّة ما يبشّر بإمكان إنفتاحه أو إبراز إيجابية. الأوضاع سيئة للغاية، والطريف أن صحفاً تونسية كتبت هذا اليوم عن إحتمال انسحاب الجيش السوري من لبنان. كنت أتساءل ماذا يمكن أن يحدث؟
وصلتُ إلى دمشق الخامسة بعد الظهر. كان الإستقبال في مطارها الدولي بكل مراسم التكريم والسجاد الأحمر ـ خلافاً للقمّة السابقة ـ رغم أنني تمنيتُ أن تكون زيارة صداقة خاصة. فاجأني الإصرار على الإستقبال في مطار دمشق، وليس في مطار المزّة العسكري على جاري العادة. كان الرئيس السوري في إستقبالي، وبدا ودّياً معي، متحدّثاً عن إطلاق القذيفة على قصر بعبدا ظهراً، وقائلاً إن بلاده تأثرت للغاية، وأعرب ـ في حديثنا في سيارته التي صحبني فيها ـ عن تضامنه معي حيال محاولة الاغتيال.
في طريقنا إلى قصر الضيافة تكلّمنا في شؤون شخصية، وفي قليل من السياسة، وتواعدنا على اللقاء قبل العشاء الرسمي وبعده. دعا إلى العشاء النواب الثلاثة لرئيس الجمهورية وأركان الدولة، من بينهم رئيس الحكومة عبد الرؤوف الكسم، إظهاراً إضافياً لمظاهر التكريم. بعد العشاء حضر إلى جناحي في قصر الضيافة رفعت الأسد، مؤكداً لي بإصرار أن المطلوب تحالف بين المسيحيين والشيعة، وهو ما لمّح إليَّ به الرئيس السوري في السيارة، عندما نفى أي علاقة لنبيه برّي بقصف قصر بعبدا. بتبرئته، أراد تعزيز حجّة التفاهم معه.
وقال رفعت الأسد بإزاء التحالف مع الشيعة "نحن جميعاً نشكّل قوة مهمة". حدّثني عن "ضرورة إرساء علاقة طيّبة مع إيلي حبيقة"، داعياً المسيحيين إلى "الوحدة كي يكونوا أقوياء".
مساء ذلك اليوم، حضر رئيس فرع مديرية المخابرات في البقاع الرائد جميل السيّد ـ وهو ضابط نشيط وجريء ـ يُطلعني على معلومات متوافرة لديه من مسؤولين سوريين، يقتضي أخذها في الإعتبار قبل لقائي الأسد. وهو كان لاقاني من مقرّ عمله في ثكنة أبلح إلى دمشق. أخطرني "بأن الأسد توجّه على الأرجح قبل أيام إلى موسكو سرّاً، فيما إدّعت السلطات أنه يستريح في بلودان". قال إن الرئيس السوري "عاد من الإتحاد السوفياتي، وإختلى بنفسه بسبب عدم إرتياحه إلى نتائج الزيارة تلك".
أضاف: "الهمّ الأول للسوريين هو المخيّمات الفلسطينية. موسكو لا توافق على ما يحدث فيها، ولا تقف موقف اللامبالي والمتفرّج، وهي قلقة. هذا الأمر أزعج الرئيس الأسد الذي كان يأمل الحصول على تشجيع منها، وهو يعمل على وقف للنار في المخيّمات لتهدئة الوضع، بعدما تحوّلت الحرب إلى إستنزاف. لكن وقف النار لا يعدو كونه هدنة، تعود سوريا على أثرها إلى خطتها، وهي تفكيكها، وموقفها ثابت حيال ذلك. فوجئ السوريون بإخفاق حركة "أمل" واللواء السادس في الجيش في حسم الصراع مع المخيّمات. أما العرب فمتضايقون ممّا يجري في حرب المخيّمات، من دون أن يُقلق ذلك السوريين".
أضاف السيّد "أن السوريين يريدون التهدئة والوصول إلى تجريد المخيّمات من السلاح. ليست هذه وحدها تربكهم، فموقف وليد جنبلاط يزعجهم أيضاً بسبب علاقته بالفلسطينيين، ومصالحه مع ليبيا التي انتقدت إندلاعها. باتت هذه الحرب مأزقاً للسوريين، ولكنهم ليسوا في وارد خسارتها".
أوحى إليَّ، وفق المعلومات التي زوّدني إيّاها، أن "لا حلّ سياسياً وشيكاً لأزمتنا، بل كل حلّ مطروح لها سابق لأوانه وبأن المشكلة في مكان آخر. تريد سوريا في الوقت الحاضر تدجين الوضع في لبنان ليس إلا".
كان الاجتماع الأول مع الأسد مساء 29 أيار، قبل العشاء الرسمي، إهداراً للوقت، حكى طويلاً عن مرحلة وجود فيليب حبيب في المنطقة، ومحاولته ـ كما قال ـ تخويفه بوجود إسرائيل. أضاف: "إستخدم معنا الجزرة الأميركية من خلال المساعدات والدعم، والعصا الغليظة الإسرائيلية، كأنه يقوم معنا بملهاة. يهدّدنا بإسرائيل في وقت أوقف الجيش السوري تقدّم جيشها". ثم خلص إلى وصف فيليب حبيب بـ"مهرّج".
في سياق الحديث أسرّ إليَّ أن "الأميركيين لم يطلبوا مرّة انسحاب سوريا من لبنان، وهم غير مستعجلين على انسحاب إسرائيل". كأنه يقول لي إن الانسحابات غير واردة في حساب أحد، وليست أولوية الإسرائيليين والأميركيين، وتالياً السوريين.
في الاجتماع الثاني بعد العشاء، توليتُ الكلام قائلاً إنني "على إستعداد للذهاب في علاقة لبنان بسوريا، بقدر ما ننجح في وضع حدّ للحرب الدائرة، وإعادة المهجّرين وخصوصاً المسيحيين إلى إقليم الخرّوب وشرق صيدا. عامل تهجيرهم يشكّل بداية تقسيم في لبنان من خلال إفراغ القرى والبلدات والبيوت من أهاليها، كذلك تدمير الأديرة والكنائس وتخريبها". سألته عن المعطيات السورية وإحتمال التوصّل معه إلى حلّ. قلت "إنني متأهب للعمل في هذا الإتجاه والتعاون لإقناع وليد جنبلاط بالعودة إلى الحظيرة اللبنانية، وتمكين الجيش اللبناني من الإضطلاع بدوره في أمن بيروت والمخيّمات من خلال الشرعية اللبنانية".
أكدت: "أننا قادرون على بلوغ قاسم مشترك بيننا يتقاطع مع متطلّبات سوريا، لكن على الشعب اللبناني الإقتناع بأن الحرب إنتهت، وبأن العلاقة مع سوريا ستساعد على ذلك. من دون الوصول إلى هذا الهدف، أي معنى للعلاقات اللبنانية ـ السورية"؟
ردّ الأسد بأن "سوريا فعلت الكثير من أجل لبنان، لكن ردّ الفعل اللبناني لم يُقابلها بتقدير التضحيات". واعتبر أن "القوات اللبنانية" وراء ما حدث في شرق صيدا من تهجير". أجبته بأنه "ينبغي ألا ننسى دوري وليد جنبلاط ونبيه برّي اللذين قاطعا الحكم، وإستفزّا الطرف المسيحي من خلال عدائيتهما التي تسبّبت بشلّ أعمال مجلس الوزراء. نجمت الأحداث على الأرض عن إنعدام الحوار والتواصل. كنت اتفقتُ مع رشيد كرامي وسليم الحص وعادل عسيران على إعادة الأوضاع إلى نصابها ووقف ما يجري هناك، واتفقنا على أن يكون ثمّة دور للجيش اللبناني لأداء واجباته، فمنعاه وإعتبراه سابقاً لأوانه".
كان النقاش مع الأسد في هذه الجلسة مشدوداً ووجهات النظر غير متطابقة، والحجج متضاربة. أرجأنا متابعة البحث إلى اليوم التالي، وطلب من عبد الحليم خدّام ملاقاتي في جناحي بغية تذليل بعض العراقيل والصعوبات.
اليوم الثاني من المحادثات، 30 أيار، تطلّب أكثر من جولة مع أكثر من مسؤول سوري. بدأ صباحاً باستقبالي العميد محمد الخولي الذي ظهر ودّياً منفتحاً. حضر للتحيّة والإصغاء إلى ما لديّ وإعلام رئيسه به قبل اجتماعنا. ثم حضر عبد الحليم خدّام مستكشفاً بدوره، فعقدنا اجتماعاً طوال ساعة ونصف الساعة. ناقشتُ مع زائري ملفات الإصلاح والأمن والمهجّرين والعلاقات اللبنانية - السورية والوضع الفلسطيني باعتباره جزءاً لا يتجزأ من المشكلة الأمنية.
سألتُ خدّام: "كيف لبعض الأطراف حلفاء سوريا أن يسمحوا لأنفسهم بمهاجمة الحكم الذي هو حليفكم أيضاً، ما ينعكس على الوحدة والوفاق ويزيد التشنّج من مثل المطالبة باستقالة رئيس الجمهورية"؟
ردّ: "تقصد الرئيس فرنجيه؟ حضر روبير ]نجل الرئيس السابق[ وطرح الموضوع ورفضنا ذلك، وأفهمناه أن حصول الإستقالة يعني أن الرئيس الجميّل سيكون آخر رئيس ماروني، كنت صريحاً وواضحاً في هذا المجال".
وإنتقل بالكلام إلى تمرّد "القوات اللبنانية"، قائلاً: "ما فعلته عرقل كل ما باشرناه في بكفيا".
ثم أضاف: "المطلوب إعادة البنية الأساسية للبلد بما فيها الموضوع الأمني. عندما يكون الأمن الذاتي طائفياً يصبح مرفوضاً. الأمن توفّره الدولة فقط. يوم تعرّض لنا الأخوان المسلمون رددنا بقسوة وقصفنا مسجداً في حماه. حين تقع الفتنة، لا شيء يبقى مقدّساً. لو أن ما حصل عندنا كان في بلد آخر لسقط النظام".
بعدما شرحتُ واقع الشارع المسيحي منذ ما قبل إنتفاضة "القوات اللبنانية" إلى الوقت الحاضر، قلت: "لا أحد جازف مثلي. تحالفتُ مع الرئيس الأسد وبدأتُ تصحيح الحال المسيحية. الآن البعض من حلفائكم يطالب باستقالتي. كنت دائماً مع "الخط العربي".
بعد ذلك ناقشته في برنامج حلّ أحمله قوامه "وفاق مبني على الإصلاح، حلف سياسي بين الرئيسين السوري واللبناني دونما إدخال السوريين في المستنقع اللبناني، خلط ألوية الجيش وإعادة تأهيله توطئة لانسحاب الجيش السوري من لبنان، التعاون الإستراتيجي بين البلدين، إعمار الضاحية الجنوبية وإنماء الشوف وبيروت".
الحادية عشرة والنصف قبل الظهر كان اللقاء بالأسد لمدّة ثلاث ساعات، مقتصراً علينا وحدنا من دون خدّام على جاري العادة. كرّرتُ له ما قلته لنائبه قبل وقت قصير، حاملاً معي خريطة ملوّنة عن الوضع على الأرض في إقليم الخرّوب وشرق صيدا جرّاء تهجير سكانهما المسيحيين منهما، والفرزين السكاني والطائفي الناجمين عنه مع أرقام أعدادهم. أكدتُ "الدور التاريخي الذي أستطيع وإيّاه الإضطلاع به لإعادة السلام إلى لبنان، وهو ما سيُسجّل علينا في المستقبل بأبعاده الإنسانية والتاريخية".
قلت للأسد: "رهاني على نجاحنا معاً حيث فشلت الأمم المتحدة وأميركا وأوروبا في مساعدتنا، بل غرقت في الوحول اللبنانية، وستستغل إسرائيل هذا الإخفاق. رهان يستحقّ القيام به، ولنا مصلحة مشتركة وسيُعترف لنا بهذا الفضل".
إستمع إليَّ بلا أي ردّ فعل، مظهراً في الوقت نفسه إهتمامه. ثم أخذ الكلام متحدّثاً عن الطائفية السياسية في لبنان، وداعياً إلى إلغائها. قال: "هي أصل الضرر الكبير الواقع عليكم. إنقاذ لبنان لا يكون بكبسة زر".
شدّدتُ على أن "إلغاء الطائفية السياسية يجب أن يقترن بضوابط، وإلا فإنه سيدمّر البلاد. قرار كهذا يحتاج إلى درس. لبنان يختلف عن سوريا والعالم العربي كونه فسيفساء حسّاسة".
لم يعلّق الأسد، مكتفياً بالإستماع، من غير أن تبدي ملامحه أي استجابة.
في المساء كان ثمّة عشاء، بعده حضر إلى جناحي وزير الخارجية فاروق الشرع ناقلاً إنطباعات إيجابية عن اجتماع قبل الظهر، وقائلاً إن رئيسه "يقدّرني ويريد مساعدتي على الوصول إلى حلّ ما". وأضاف "أن أعدائي وخصومي اللبنانيين يفترون عليَّ باستمرار لدى القيادة السورية، ويزعمون أنني مصدر كل المشكلات والعراقيل ويريدون الإنقلاب عليَّ"، ملمّحاً في الوقت نفسه إلى أن "دمشق تقف حائلاً دونهم". كأنها هي التي تحميني.
عقدت الاجتماع الرابع مع الرئيس السوري، من الثامنة مساء حتى الثانية عشرة والربع منتصف الليل. لاحظتُ تمتّعه بصحّة جيّدة خلافاً لما شاع عن إعتلاله وأحياناً مرضه الشديد. طلب مني تأجيل اللقاء إلى الغد للخوض في مسائل أمنية، إلا أنني ألححتُ عليه بختم محادثاتنا في هذا اليوم.
من خلال مداولاتنا، تبيّن لي أنه غير مستعدّ لإطلاق أي حلّ، وليس منزعجاً من بقاء الحال على ما هي عليه، وأن تنهكني المعارضة التي هي حليفته، كي يظلّ يُمسك بخيوط اللعبة كلها، فأبقى أنا في حاجة إليه وإلى دوره.
قال إنه يوم قرّر سحب جيشه من بيروت عزم على عدم إعادته إليها، وهو "لا يريد نشر قواته في البلدات والقرى اللبنانية وإقحامها في مشاكلها المحلية ومشكلات عائلاتها". سرعان ما أضاف: "ليس في لبنان مَن يثق بالجيش اللبناني الذي هو في حاجة إلى إعادة بناء. الجيش اللبناني منهك، ولا يمكن الإعتماد عليه، ويقتضي إعادته إلى ثكنه مدّة طويلة قبل إعادة تكليفه مهمات أمنية جديدة، ريثما يُعاد بناؤه وفق أسس مختلفة تماماً، وفي أجواء مغايرة".
أدركتُ أنه يلمّح إلى تفضيله حصر الأمن في البلاد بجنوده هو وميليشيا وليد جنبلاط في الشوف ونبيه برّي في الشطر الغربي من بيروت والجنوب.
ثم قال: "على الجيش اللبناني أن يكون على شاكلة الجيش السوري، ووفق عقليته في المهمات السياسية والأمنية والوطنية".
عبثاً حاولتُ إقناعه بأن "لبنان ليس سوريا، وجيشنا لا يشبه جيشه بل إنه على صورة فسيفساء مجتمعنا اللبناني، ولا يسعه أن يكون سوى كذلك. أي إصطناع لا يدوم، وهذا يقتضي تأهيل الشعب اللبناني وتثقيفه على إلغاء الطائفية السياسية، الأمر الذي يتعذّر حصوله بين ليلة وضحاها".
أصغى إليَّ وهزّ رأسه بلا أي تعليق، من غير أن يُمكّنني من الإستنتاج إذا يوافقني الرأي أم لا؟
أحجم عن الموافقة على كل فكرة أطرحها تقضي بإعطاء الجيش اللبناني دوراً، ولم يشجعني على ما كنت أثرته مع خدّام بتخويل الجيش اللبناني مهمات إلى جانب الجيش السوري. طرح عقد لوزان جديدة في شتورة على نحو حوار وطني يخوض في المشكلات الراهنة، والتوصّل إلى وحدة وطنية وصيغة حكم جديدة، ما عنى لي أنه يريد هو هذه المرّة رعاية الحوار تحت مظلة جنوده في منطقة نفوذ جيشه.
إقترحتُ "إعادة إحياء اللجنة الأمنية المشتركة التي كان يرأسها العميد جان ناصيف، وأن تعقد اجتماعات في ميدان سباق الخيل"، فردّ بأنها "ضعيفة للغاية ولا جدوى منها أبداً. إثنان فقط يحلان لك المشكلة هما وليد جنبلاط ونبيه برّي عوض لجنة فضفاضة، ولا يمكن مقاربة أي موضوع أمني إلا من خلالهما".
إنتهت محادثات الليل بلا أي نتائج ملموسة، كأن القمّة كانت من أجل لا شيء. لم يكن ممكناً موافقتي على طرح الأسد إلغاء الطائفية السياسية دفعة واحدة وإعادة الجيش إلى ثكنه، ولا على طرح خدّام توسيع الحكومة وضمّ وزير للحزب السوري القومي الإجتماعي إليها وربط عودة المهجّرين إلى الشوف وإقليم الخرّوب بقرار وليد جنبلاط وحده. ما كانا يريدانه مني هو أن أوافق على مطالبهما المؤدّية إلى مزيد من تقويض بلادي وإلحاقها بجارتها.
بعيد منتصف ليل 30 أيار عُدتُ إلى بيروت.
Posted byKarim Haddad✍️



