
"النهار" تنشر فصولاً من كتاب"أمين الجميل الرئاسة المقاومة" الحلقة الثانية : قتلوا رشيد كرامي
June 22, 2020
المصدر:
النهار
التاسعة والنصف من صباح الأول من حزيران 1987، دخل عليَّ مرافقي في مكتبي حاملاً نبأ هالني: "قتلوا رشيد كرامي".
ككل إثنين، يعود رئيس الحكومة صباحاً إلى بيروت بعد أن يكون أمضى عطلة نهاية الأسبوع في مزرعته في مرياطة شمال لبنان، قرب مدينة طرابلس التي نابَ عنها لعقود، إلا أن ذلك الإثنين لم يكن كغيره. في الواقع، كان كرامي في هذا النهار على موعد مع الرئيس كميل شمعون ورئيس المجلس النيابي حسين الحسيني لإستكمال البحث في تسوية سياسية، كنا باشرنا صوغها قبل أسبوع. إقترحتُها على الزعماء الثلاثة ووافقوني، وكانوا عقدوا اجتماعات تشاورية في إحدى قاعات ميدان سباق الخيل في بيروت على "الخط الأخضر"، شارك فيها بنوع خاص رئيس المجلس وعدد من الوزراء والنواب ومثّلني فيها الوزير جوزف الهاشم. إعتبر الحسيني مشروع التسوية هذا "اتفاقاً تاريخياً آملاً في أن ينهي الأزمة اللبنانية".
في الوقائع فإن إحدى طوّافات البوما التابعة للجيش، المخصّصة لنقل رئيس الحكومة، أقلعت من القاعدة العسكرية في مطار حالات في إتجاه الشمال. حطّت في زغرتا ليصعد إليها وزير الداخلية عبدالله الراسي، ثم تابعت طريقها إلى طرابلس وكان رئيس الحكومة في إنتظارها بعد ثماني دقائق من إقلاعها، إنفجرت شحنة ناسفة موضوعة تحت مقعده تحديداً، أصابته بجروح قاتلة. أما الركاب الأربعة عشر الآخرون، فنجوا بأعجوبة. تمكّن قائد الطوّافة العقيد أنطوان بستاني، الذي هو ضابط بارع وشجاع كنت أعرفه شخصياً وكان مدرّبي على قيادة الطوّافات، من إنزالها في مدرج حالات رغم الأضرار التي لحقت بها. لكن، ويا للأسف، كان رشيد كرامي قد فارق الحياة.
الخسارة أليمة لأنني كننتُ محبّة صادقة لـ"دولة الأفندي". لقب حمله الزعماء الدينيون السنّة في عهد السلطنة العثمانية، ورثه رشيد كرامي عن والده المفتي ورئيس الحكومة سابقاً عبد الحميد. مع أنه كان مقرّباً من سوريا، حرص على المصلحة العامة، ولم يتوانَ عن مخاطبة المسؤولين السوريين عند الإقتضاء بصراحة وشجاعة مدافعاً عن مصلحة لبنان.
ليس خافياً أن إستقالته في 4 أيار فاجأتني في الشكل والمضمون: تقدُّمه بها إلى "الشعب اللبناني" كما فعل، خلافاً للأصول المتّبعة بتسليمها إلى رئيس الجمهورية خطياً، وتوقيت تقديمها من دون التنسيق معي وإطلاعي على قراره بغية تفادي تداعياته. لم تنجم الإستقالة عن خلاف بيننا، وليست سهماً مصوّباً إليَّ، بل ردّ فعل على حملات أبرز معارضيه من داخل الحكومة، حليفيه وليد جنبلاط ونبيه برّي اللذين لم يتحمّسا لـ"المراسيم الجوّالة"، وكان جنبلاط خطب قبل أربعة أيام، في الاول من أيار، في إحتفال عيد العمّال في قصر الأونيسكو، مهاجماً بقسوة رئيس الحكومة. فإذا قرار إستقالة كرامي يُضاعف التعطيل إذ لم يعد في وسعه تحمّل أكثر ممّا تحمّل، فوضع الجميع ـ بمَن فيهم رئيس الجمهورية أمام هذا الإستحقاق.
مع أنه، كرئيس للحكومة يمثّل المعارضة، بيد أن المفارقة أن جنبلاط وبرّي كانا يقودان معارضة ضدّ المعارضة من قلب الحكومة الواحدة، في سابقة لم تخبرها حياتنا السياسية، ولا تقاليدنا وأعرافنا ونُظمنا الدستورية.
هبطت الإستقالة عليَّ حينذاك كالصاعقة، في مرحلة لم ينقطع فيها تعاوننا على الإطلاق، وكان التنسيق وإن من دون أن نلتقي منذ إنتفاضة 15 كانون الثاني 1986، سمة علاقتنا. لمسها موفدون دوليون تردّدوا على لبنان، والتقوني ورشيد كرامي رئيس الحكومة ووزير الخارجية. يكفي أن أستعيد ما سمعتُه بالذات من مساعد الأمين العام للأمم المتحدة جان كلود إيميه الذي زار لبنان مراراً للإستطلاع، ورفع تقاريره إلى الأمين العام، وفضّل الإقامة في فندق البستان في بيت مري.
حين حضر إلى بيروت في 7 تشرين الأول 1986، في ذروة مقاطعة المعارضة لرئيس الجمهورية، لبّى دعوتي إلى عشاء في بكفيا، بعدما كان التقاني نهارذاك ورئيس الحكومة، كلاً على حدة.
سألني: "أنت ورشيد كرامي على خلاف، يقاطعك وهو حليف سوريا. ما سرّ أن ما أسمعه منك يعيد هو تكراره عليَّ عندما أزوره من بعدك، إلى حدّ إستخدامه التعابير والمفردات نفسها؟".
أجبته: "السرّ في الدرّاج".
قال: "لم أفهم".
قلت: "عندما ينتهي اجتماعي بك، أحمّل الدرّاج المحضر إلى الرئيس كرامي فيقرأه، ويطلع على موقفي ويقتنع به. موقفنا واحد، رسمي، يعبّر عن موقف الدولة اللبنانية بمكوّناتها كلها".
علمتُ بإستقالة "الأفندي" من الراديو، بعدما وردتني معلومات عن إمتعاضه من حلفائه في حكومته. كانت ثمّة إيحاءات بإحتمال إقدامه على خطوة ما، ربّما تكون تنحّيه. خابرتُه للفور، وتمنّيتُ عليه التراجع عنها، فتشبّث بها. توقّعتُ أن يرسل كتاباً خطياً بها إليَّ، بيد أنه لم يفعل. إستقال إلى "الشعب اللبناني"، في سابقة في تاريخ الحياة السياسية اللبنانية التي غالباً ما شهدت إستقالة رؤساء حكومات تقدّموا بها من رئيس الجمهورية أو في مجلس النواب، مع أن الخيار الأول هو الأسلم دستورياً.
في اليوم نفسه كشف لي الرائد ميشال رحباني معلومات مفادها أن دمشق ـ بعدما فوجئت باستقالة كرامي ـ سارعت إلى الطلب من الوزراء المسلمين حلفائها الضغط عليه كي يتراجع عنها. طُلب من نبيه برّي أن يكون أول الرافضين، وأرسل غازي كنعان مروان حمادة إلى وليد جنبلاط كي يحذو حذوه. أما الحص فتضامن مع الرئيس المستقيل حيال ما فعل. لم يرمِ الإصرار السوري إبقاء كرامي في منصبه حرصاً على إنتظام آلة الحكم، بل للإمعان في شلّ مجلس الوزراء، ومحاولة فرض العزلة التامة على رئيس الجمهورية بمقاطعته من أكثر من نصف حكومته.
رفضتُ الإستقالة الشفوية يومذاك لحجّة جوهرية أولى، هي عدم التقدّم بها خطياً تبعاً للأصول، بيد أنني أصدرتُ، في الساعات القليلة التالية، بياناً أكدتُ أخذي علماً بها، وأنني سأسعى إلى إجراء مشاورات "هادفة إلى تخطي الحال الناشئة عنها"، مشدّداً على أنني "على ثقة تامة بأن الرئيس المستقيل سيواصل مع أعضاء الحكومة تسيير أعمال الدولة والوزارات مؤقتاً". أوضحتُ أن الإستقالة "وجه من وجوه الأزمة الوزارية التي تعيشها البلاد منذ مدّة، ونتيجة لها، ومن الضروري التصدّي للأزمة لا للإستقالة الناجمة عنها وحدها".
لم يضع رشيد كرامي إستقالته موضع التنفيذ، إذ ثابر معي على تبادل توقيع "المراسيم الجوّالة"، ولم ينقطع التواصل بيننا في الأيام الستة والعشرين التي فصلت بين إستقالته وإستشهاده. أوفدتُ إليه أصدقاء مشتركين كرينه معوّض وسليم الخوري للإستفسار منه عن مبرّراتها وتوقيتها في خضم أزماتنا. على أنني، بإطلاعي على دوافعها، أدركتُ أنها رسالة إحتجاج على ممارسات حلفائه في الدرجة الأولى.
كيف كان يُمكن تدارك زلزال يُحدثه اغتيال رشيد كرامي الذي عدّدته بمثابة أزمة وطنية؟
طلبتُ من مستشاري السياسي المخلص محمد شقير، الذي هو سنّي بيروتي ذو علاقات متشعّبة، مضاعفة الإتصالات بالإسلام اللبناني. كان الزعماء السنّة شجّعوا رشيد كرامي على مواصلة سياسة التعاون معي. بعد مقتله، حافظوا على دعمهم لي لعلمهم أن رئيس البلاد هو المتضرّر الأول من تداعيات هذه الجريمة. وبفضل تصرّفهم الشجاع بل المجازف، أمكن تدارك أزمة حكم كانت الهدف من هذا الاغتيال. بسرعة فائقة تحرّك محمد شقير في أكثر من إتجاه بدءاً بتقيّ الدين الصلح، حتى قبل أن تسلَّم جثّة الفقيد إلى عائلته. الواقع أن الزعيم السنّي الحكيم تقيّ الدين الصلح، إبن عمّ رياض الصلح أحد آباء الإستقلال، وعى الخطر الذي يتهدّد المؤسسات في حال شغور السلطة، فشارك بقوة في البحث عن حلّ. إتصل هاتفياً بمفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد الذي كان يومذاك في السعودية، باعتبار أن دعم أعلى مقام ديني سنّي كان ضرورياً لكل مبادرة تقارب بين الزعماء السنّة والرئيس المسيحي.
اجتمعت القيادات الإسلامية في دار الفتوى في حضور موفدي محمد شقير الذي أبلغ إليها ما أعتزم فعله، إنما بعد موافقتها التامة. من بين الحاضرين حسين الحسيني وسليم الحص وتقيّ الدين الصلح والشيخ محمد مهدي شمس الدين ونبيه برّي والنواب. ناقشوا خيارات ثلاثة: تكليف الحص، أو تعيين نائب رئيس حكومة، أو رئيس حكومة بالوكالة. سرعان ما جاروا إقتراحي فحظي بدعمهم.
بالنظر إلى ضيق الوقت وإستحالة القيام بالإستشارات البرلمانية المعتادة، قرّرتُ إعادة تشكيل الفريق الحكومي نفسه وتكليف أحد أعضائه السنّة، كما يقضي الدستور والعرف غير المكتوب في لبنان، تولّي رئاسة الحكومة. هكذا، حلّ سليم الحص، رئيس الحكومة السابق في عهد الرئيس الياس سركيس ووزير التربية والعمل في الحكومة المستقيلة، محلّ رشيد كرامي. سبق أن اتفقت وسلفه الراحل على تعيينه رئيساً للحكومة بالوكالة في جلسة لمجلس الوزراء في 26 أيلول 1984، عشيّة سفر كرامي إلى نيويورك لإلقاء كلمة لبنان من على منبر الأمم المتحدة، وغيابه عن البلاد بضعة أيام. أوردت صيغة المرسوم إعتبار الحكومة التي يرئسها كرامي مستقيلة، من غير الإشارة إلى قبول إستقالتها، ويُعهد إليها في تصريف الأعمال ريثما تُؤلف حكومة جديدة، على أن يُكلّف الحص تولي مهمات رئاسة مجلس الوزراء وكالة، ويتمتع بصلاحيات رئيس مجلس الوزراء.
ما سمعه مستشاري من القيادات السنّية المجتمعة في دار الفتوى، هو الهاجس نفسه الذي توقّعتُ أن ينجم عن تداعيات اغتيال رئيس الحكومة: غاية الجريمة وقوع فراغ تتعذّر مواجهته. إلى أن طلب تقيّ الدين الصلح تكليف الرئيس الحسيني الإتصال بي للاتفاق على المخرج، وفق ما رواه لي شقير.
أصررتُ على إصدار مرسوم تعيين الحص في اليوم نفسه، قبل موعد مأتم كرامي، على أن يمثّل الرئيس الحص الدولة اللبنانية فيه بصفته رئيس الحكومة.
كنتُ مدركاً أن السوريين لن يقبلوا بأي حلّ، والفراغ هو مرشّحهم المفضّل، بل الوحيد. بعدما نجح تقيّ الدين الصلح في مسعاه لدى المفتي، أوفدتُ محمد شقير إلى الحص لإطلاعه على إجرائي الذي لا مناص منه، بينما تحدّث الشيخ حسن خالد مع الحص هاتفياً من السعودية وأخطره بأن الموقع السنّي الأول في خطر، ولا أحد يمكنه التكهّن بما قد يستجد ويستفحل إذا وقع الفراغ. وافق، فوقّعتُ المرسوم فوراً. على أن الحص ربط موافقته على ترؤس حكومة مستقيلة يخلف فيها رشيد كرامي بإبقاء الوضع على حاله: إستمرار مقاطعة جلسات مجلس الوزراء على نحو ما كان حتى عشيّة إستقالة سلفه في 4 أيار. أراد المحافظة على المسار السياسي نفسه، والإستعاضة عن الجلسات في قصر بعبدا بـ"المراسيم الجوّالة".
في اليوم التالي، 2 حزيران 1987، أثناء تشييع رشيد كرامي في طرابلس، سمع الزعماء المسلمون تأنيباً قاسياً من عبد الحليم خدّام، وكان يمثّل حكومته فيه، مفضّلاً الإبقاء على فراغ دستوري لممارسة مزيد من الضغوط عليَّ. كان من الطبيعي أن لا يكترث بالنتائج السياسية المترتبة على هذه الفاجعة، فمصالح بلاده واضحة. توجّه إلى عاصمة الشمال برفقة أربعة وزراء يشكّلون خليّة أزمة حقيقية.
عندما تبلّغ خدّام خبر تعيين سليم الحص على رأس الحكومة، أصابته نوبة غضب شديد. لدى وصوله إلى المدينة في الغداة، فَقَدَ رباطة جأشه حتى أنه هاجم كل الذين التقاهم، وقد فاجأته مبادرتي وأزعجته شجاعة الزعماء السياسيين اللبنانيين وإستقلاليتهم ولاسيّما المسلمين منهم الذين تجرّأوا على السعي وحدهم إلى حلّ الأزمة الحكومية بلا التشاور مع دمشق. لم يجد لوصف مرتكبي هذه "الجريمة" كلمات، بل إهانات أقسى: "قتلتم رشيد كرامي مرّة ثانية". أما الذين حاولوا تهدئة روعه بإيضاحهم له أنهم كانوا يريدون تفادي الوقوع في فراغ دستوري، فأجابهم: "ومَن قال لكم إن سوريا لا تبتغي بالضبط الوصول إلى هذا الفراغ؟ مَن سمح لكم بالتفاوض على حلّ مع الجميّل؟ سوف تدفعون كلكم ثمن هذه الغلطة".
كان موفدي جان عبيد قصد العاصمة السورية بعد أربعة أيام على إستقالة كرامي، وقابل عبد الحليم خدّام وحكمت الشهابي وفاروق الشرع ومحمد الخولي. لدى عودته كتب إليَّ الآتي: "موقفهم التمسّك ببقاء كرامي ما دام موضوع الإصلاحات لم يُبتّ. النقمة والحملة تتصاعد على وليد جنبلاط، أكثر منها على "القوات اللبنانية" والرئاسة. في موقف خدّام تشدّد واضح بقوله إذا ذهب رشيد كرامي إلى منزله فلن تُشكّل حكومة، وسيتحّد الموقف الإسلامي ولن يجرؤ أحد على خلافته. ستتصاعد المواقف والحملة السياسية في الشارع الإسلامي، إلى حدّ المطالبة بإستقالة رئيس الجمهورية وإسقاطه، وقد يكون آخر رئيس مسيحي يعرفه لبنان".
أضاف عبيد: "تحدّث خدّام عن أعمال عسكرية وإستئناف قتال قد ترافق تصاعد الحملة السياسية".
عَلِمَ خدّام بالدور الذي أداه محمد شقير، فهدّده بصوت عالٍ قائلاً: "نعرف كيف نُعاقب عميل إبن الجميّل هذا".
في فورة غضبه، ذهب إلى حدّ الطلب من مفتي طرابلس والشمال الشيخ طه الصابونجي أن يدعو في خطبته، خلال مأتم كرامي، إلى "تصحيح الخطأ التاريخي" وطلب بوضوح إلحاق طرابلس بسوريا.
بأسف شديد، لم أتمكّن من المشاركة في مأتم الرئيس الراحل، فقد بعث إليَّ الشيخ الصابونجي وكانت تربطني به علاقات ودّية جداً برسالة مُنذرة بخطر بالغ: "لا يسعني أن أكون أكثر وضوحاً، إنما عليك ألا تفكر إطلاقاً في المجيء إلى طرابلس في هذه الظروف".
فاجأني ذلك طبعاً، لأنني كنت قصدتُ طرابلس قبل فترة قصيرة لتعزية كرامي بشقيقته، ولم تكن الأوضاع الأمنية أفضل حالاً. كان لا بد من الإنتظار بعض الوقت حتى أدرك جيّداً أهمية هذا التحذير الذي وردني، مع وقوع كل الإعتداءات التي أخذت تتوالى.
بإنقضاء أسابيع، 2 آب 1987، اغتيل محمد شقير في منزله في شارع ليون في بيروت الغربية، على مقربة من حاجز للجيش السوري، على يد مسلح قصده حاملاً باقة من الزهور ومسدساً مزوّداً كاتماً للصوت. دفع حياته ثمن دوره في الحلّ الذي أوجدناه لتفادي فراغ دستوري إثر اغتيال الرئيس كرامي.
لم يكن مستشاري الشهيد يستبعد تعرّضه إلى الأذى، ففي اجتماع عقدته معه، أطلعني على وقائع إتصلت بردّ فعل عبد الحليم خدّام حيال القيادات السنّية في يوم تشييع الرئيس كرامي.
عندما تكلّمنا على ردّ فعل محتمل لخدّام، علّق محمد شقير: "بذلك تكثر أوسمتي. أنا مقتنع بأن أمرين أزعجا السوريين، ملء الفراغ وعدم إستشارتهم. قال الحص لخدّام إن الجميع إلتقوا على الرأي نفسه. وجد خدّام أن اللقاء الإسلامي السنّي طار. لم يُستَشَر السوريون، لكنهم أجابوه بتهذيب. عندما توجّهتُ إلى اللقاء موفداً منك، لم يكن عليَّ أن أقنعهم بشيء حتى. لم يتحدّوني، بل لم يعطوني مجالاً لأحكي. كل ما قلته لهم: فخامته في الجو".
قليلون تجرّأوا على السير في جنازة محمد شقير، مع أن الكل كنّوا له التقدير والإحترام. الكل عرف هوّية القاتل الحقيقي. لاحقاً كشف لي السفير الأميركي جون كيلي الذي خلف ريجينالد بارثولوميو، عن هذا الاغتيال الآتي: "معلوماتنا تشير إلى أن دمشق وراء الاغتيال".
في اليومين التاليين لمأتم رشيد كرامي، قدّم حسين الحسيني في 4 حزيران، شفوياً، إستقالته من رئاسة مجلس النواب، لكنه إستأنف في اليوم الثالث إدارة شؤون البرلمان مع هدوء العاصفة قليلاً. إبتعد سليم الحص عن واجهة الأحداث لبعض الوقت بحجّة مرض الربو المزمن الذي كان يعانيه، واستلزم إدخاله فجأة إلى المستشفى. تزامن ذلك مع خطوة فاجأتني في 15 حزيران، عندما تلقّيتُ منه ـ وقد أضحى رئيساً بالوكالة للحكومة ـ مشروع مرسوم وقّعه هو ومهره إلى جانبه وزير الدفاع عادل عسيران، يقترح إقالة قائد الجيش العماد ميشال عون ومدير المخابرات العقيد سيمون قسيس وقائد سلاح الجوّ العقيد الطيّار فهيم الحاج ورئيس فرع الأمن العسكري في مديرية المخابرات المقدّم جورج شهوان وقائد مهبط أدما العقيد الطيّار حنا سليلاتي. وصلني مشروع المرسوم عبر المديرية العامة لرئاسة الجمهورية ودعاني إلى توقيعه وطلب إصداره. لم يحمل رقماً ولا تاريخاً.
حينذاك كانت مقاطعة رئيس الجمهورية والإمتناع عن الموافقة على حضور جلسات مجلس الوزراء في ذروتهما بتأليب سوري منذ إنتفاضة كانون الثاني 1986، وكان إستمرار المقاطعة في صلب شروط الحص للقبول بمنصبه الجديد، وهو ما عنى مجاراة شلّ مجلس الوزراء.
رمى مشروع المرسوم إلى تطبيقه فوراً، على أن يُعرض في ما بعد على أول جلسة يعقدها مجلس الوزراء عندما يُفَكّ عنه الأسر، آخذاً بما عدَّه "الظروف الإستثنائية" التي تمنع يا للمفارقة ـ إلتئام المجلس. عزا الحص إقتراحه الذي ضمّنه في كتاب أرسله إلى وزير الدفاع في 4 حزيران، إلى تحميله القادة العسكريين هؤلاء "مسؤولية التقصير والإهمال عن حادث الاغتيال بصرف النظر عن التحقيق العدلي ونتائجه". أضاف في مبرّرات الإقالة أنهم بحكم سلطاتهم "مولجون بأمن المؤسسة العسكرية وحماية قواعدها العسكرية وثكنها وآلياتها (...) وأن الرئيس الراحل سلّمها نفسه وأمنه، وقد طاولته يد الغدر وهو في مركبة عسكرية". في كتابه إلى عسيران قال الحص "إن اغتيال كرامي يقتضي معاقبة المسؤولين مهما علا شأنهم في المؤسسة العسكرية".
لم أُوقّع مشروع المرسوم بل وضعته في أدراج مكتبي، وبقي قائد الجيش والضباط الآخرون في مناصبهم. ليس السبب تبرئتهم سلفاً، بل رفضي المطلق إقالة هؤلاء الضبّاط ـ العمود الفقري لقيادة الجيش ـ دفعة واحدة، من دون الاتفاق قبلاً على مَن سيخلفهم. من غير الطبيعي، بل إنها مجازفة غير مأمونة، الموافقة على إقصائهم والتسبّب بشغور مفاجئ جسيم في مناصبهم البالغة الحساسية والأهمية في القيادة العسكرية، وفي الإمرة. حينذاك إتسمت علاقتي بالعماد عون ببعض التوتر نظراً إلى ما لمستُه من طموحات مبكّرة لديه إلى رئاسة الجمهورية، الأمر الذي يرتد سلباً على تحرّكات الجيش وفعاليته، بيد أنني لن أسمح، بذريعة المعاقبة، بوضع المؤسسة العسكرية على حافة الهاوية. لم يكن مسموحاً عقد اجتماع لمجلس الوزراء كي يصار إلى تعيين قائد جديد للجيش، ومنه تنبثق التعيينات الأخرى. لم أكن أيضاً في صدد مساءلة الضبّاط قبل صدور نتائج التحقيق في اغتيال رئيس الحكومة.
خابرتُ الحص وشرحتُ له وجهة نظري وعدم مجاراتي طلبه: "ما لم نكن جاهزين لتعيين سواهم، لن أوافق على عزلهم".
Posted byKarim Haddad✍️



