
النظام الايراني يتحدى التكهنات بسقوطه منذ 42 سنة...رغم الفوضى أو بفضلها
June 22, 2021
المصدر:
النهار العربي نورا عامر
منذ كان أستاذ العلوم السياسية في جامعة تكساس محمد آية الله طبار طفلاً، يتناهى إلى مسمعه تكهنات شبه مؤكدة بأن الحكومة المتشددة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية محكوم عليها بالفشل. وذكر أنَّ هذا الاعتقاد التقليدي شاع منذ الثورة الاسلامية عام 1979. وبعد أشهر قليلة من استيلاء الثورة على السلطة في إيران، راهن المواطنون على سقوط النظام خلال عام واحد.
ولم يكن هذا الاعتقاد سخيفاً، إذ واجهت الحكومة الإيرانية الجديدة عزلة دولية واضطرابات محلية أسفرت عن حرب أهلية وأخرى مدمرة مع العراق المجاور. إلا أنَّ النظام بقي صامداً، وافتعل في بعض الأحيان سلسلة أزمات من النوع الذي أودى بحكومات أكثر ثراءً وتجذراً في مختلف أنحاء العالم.
واليوم، تبدو إيران المثال الأبرز على عدم الاستقرار، في ظل احباط الرأي العام وغضبه وتدهور الاقتصاد وتفشي الفساد وسوء الإدارة، وتورطها في الخارج وعزلتها الدولية. وفي 18حزيران (يونيو)، أجريت انتخابات رئاسية قاطعها معظم الإيرانيين، ما شكل ضربة إضافية لشرعية النظام الذي عانى انتكاسات على مدى ثلاثة عقود. ومع ذلك، أشار طبار إلى نجاته مرة أخرى.
وتحدى صموده فرضيات الخبراء والخصوم الغربيين والمواطنين الإيرانيين، وحتى القوانين التاريخية الأساسية. ومع تزايد تعثر الحكومات الأكثر استقراراً وسقوطها في مختلف أنحاء العالم، يتعمق اللغز الإيراني أكثر فأكثر.
ويلقي عدد متزايد من الدراسات الضوء على مرونة إيران وصمودها بوجه الصعاب. وخلص بحث جديد إلى أنها تنتمي إلى مجموعة صغيرة من الدول أثبتت أنظمتها أنها الأكثر استدامة في العالم، وهي التي تتشكل عقب ثورة شعبية عنيفة.
وتشمل المجموعة كوبا وكوريا الشمالية، الخصمين لاميركا اللذين أحبطا عقوداً من الجهود الرامية إلى الإطاحة بهما، إلى جانب الصين وفيتنام والجزائر وغيرها من الدول. ويصل معدل استمراريتها الافتراضي إلى ضعف ذلك الذي تتمتع به الأنظمة الأخرى. وزاد احتمال بقائها بعد 30 سنة إلى أربع أضعاف تقريباً.

ولا تعود استمرارية هذه الدول إلى حكمها المثالي أو قيادتها الحكيمة، اذ يهيمن البؤس على الكثير منها. إلا أنها تتشارك سمات يعتقد الخبراء أنها تعزز صمودها بوجه القوى التي تهدد الحكومات الاستبدادية.
واللافت أنَّ هذه الأنظمة لم تتأثر بحقبة زمنية باتت فيها الديموقراطيات والديكتاتوريات مهددة بشكل متزايد. وقد يساعد فهم هذه السمات المتطرفة على التعرف على أسباب مواجهة معظم الأنظمة مخاطر عدم الاستقرار.
استمرارية الثورات
تعرّف أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفرد ستيفن ليفتسكي، على هذه الظاهرة في إطار دراسة مشتركة حول الديكتاتورية أجراها مع أستاذ العلوم السياسية في جامعة تورنتو لوكان واي.
ووجد الباحثان أنَّ الأنظمة الخمسة التي صمدت بعد انهيار الأنظمة الشيوعية في مختلف أنحاء العالم عام 1989، كانت ثورية. وبعد عقود، لا تزال الأنظمة الخمسة صامدة، رغم صعود حكومات أخرى وسقوطها. إلى ذلك، أظهرت خمس دول ثورية أخرى غير شيوعية استمراريتها لأكثر من ربع قرن.
وقام الباحثان بدراسة البيانات الخاصة بحكومات في مختلف أنحاء العالم منذ عام 1900، ما أظهر أن الأنظمة الثورية استمرت لفترة أطول ونجت من أزمات أخفقت الأنظمة الأخرى في التصدي لها. إلا أنَّ ذلك لا يعني استمراريتها إلى الأبد، لا سيما أنَّ الاتحاد السوفيتي الأشهر انهار بعد 69 سنة من الصمود.
ولا تظهر سمات أخرى من شأنها تفسير استمرارية الأنظمة الثورية. فحتى في ظل السيطرة على عوامل مثل الثروة والموارد الطبيعية وتشكيل الحكومة، تبقى هذه الظاهرة قائمة.
ولاحظ الباحثان أنَّ هذه الدول شهدت انخفاضاً في الاحتجاجات الشعبية ومحاولات الانقلاب والانشقاقات بين النخبة الحاكمة بنسبة 72 في المئة، مقارنة بالدول الأخرى، ما وضع حداً للدكتاتورية.
وحددا مجموعة من السمات من شأنها تفسير اختلاف الأنظمة الثورية عن غيرها. والواقع أنَّ الثورة، في تعريفها، تبلغ ذروتها عندما تنجح في تدمير جذور النظام القديم وفروعه، وتطهير المنظمات من أسفل الهرم إلى أعلاه، لتشمل فئات رجال الدين والتجار التي يمكنها تهديد الحكومة وصمود المجتمع، وكذلك الجيش والبيروقراطية الإدارية.
وفي بعض الأحيان، قد لا تكون الثورة مؤهلة لإدارة الوظائف الحكومية والمجتمعية جميعها، إلا أنَّ عملية التطهير هذه تلغي أي منافس حقيقي محتمل.
وعادة ما تمتد الثورة إلى الأجهزة العسكرية والأمنية، ما يبدد مخاطر الانقلاب على النظام الثوري أو انهياره، ويمنح القادة الجدد الشجاعة لاستخدام هذه القوى لقمع المعارضين.
وتعتبر الأنظمة الثورية متجانسة إلى حد كبير. فتظهر بعض الخلافات والصراعات على السلطة في الداخل، إلا أنَّ قادتها يتمسكون بالنظام ويسعون جاهدين إلى الحفاظ عليه.
وعادة ما يترسخ هذا الالتزام المشترك بالقضية في الأيام الأولى من الثورة. ومنذ أن تحدت الأنظمة الملكية الأوروبية فرنسا الثورية، أعقبت حروب معظم الثورات، وغالباً ما اندلعت ضد الدول المجاورة.
وفي مواجهة تهديد خارجي، يتحد المجتمع المنقسم دفاعاً عن قضيته. وفي وقت الحرب، تقوم الأنظمة الثورية بإعادة تشكيل نفسها من رماد الاضطرابات، معتمدة على التضامن والانضباط اللذين يعيدان هيكلة المجتمع للأجيال المقبلة.
الإصرار الإيراني
جمعت الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 بين هذه السمات جميعها. وسحق قائدها آية الله روح الله الخميني النظام القديم بالكامل، وأنشأ مؤسسات ثورية متواضعة في القدرات إلا أنَّها تتمتع بحماسة أيديولوجية بارزة.

وسرعان ما واجهت الثورة حرباً مع العراق، المدعوم من دول شعرت بالقلق إزاء انتشار الثورة الإسلامية. وتوحد قادة الثورة، ومنهم الأجهزة العسكرية والأمنية، لتطهير المؤسسات من منافسيهم والمعارضين داخل المجتمع.
وبعد وفاة الخميني عام1989، توقع البعض أن تواجه الثورة احتراباً داخلياً، وتنفصل الأجهزة العسكرية عن قائدها، ويطالب المواطنون بالديموقراطية، إلا أنَّ الحركة تجذرت في مؤسسات الدولة والمنظمات الاجتماعية، ما حافظ على وحدتها.
وأعلن طبار أنَّ النظام لم ينج على الرغم من هذه الأزمات، إنما بسببها، معتبراً أنَّ المراقبين أخطأوا في اعتبار الاضطرابات التي واجهتها الدولة، ومنها التنافس على السلطة في تسعينات القرن العشرين وظهور "الحركة الخضراء" عام 2009، إشارة إلى انهيار النظام، في وقت ساهم هذا التشرذم في تعزيز مرونته وقدرته على الصمود.
وانتهت كل أزمة بحشد القادة والمؤسسات الأقوى في الدولة، التي تدافع عن بقاء الوضع الراهن، فضلاً عن التعبير عن الوحدة بين المؤسسات وتهميش التحديات.
وفي وقت تمثل إيران دولة استثنائية، تظهر لمسة متواضعة من الديموقراطية، تمهد الطريق أمام ظهور المعارضة العامة والفئوية السياسية.
وأشار ليفيتسكي إلى منافسة حقيقية وخلافات خطيرة، إلا أنَّها تبقى جميعها داخل الفصائل الثورية. ومعظم الساسة، حتى المدافعين منهم عن إصلاح عميق والخاسرين في الانتخابات الزائفة، ينغمسون في النظام.
وبرغم أنَّ الانتخابات الأخيرة لم تأت إلا بالقليل من الاحتجاجات، خيم شبح الاضطرابات والأزمة السياسية على نتائجها، وبدت زائفة بشكل صارخ.
وقد تمثل إيران الاستثناء الذي يثبت القاعدة، إذ عندما تنحرف عن الأعراف الثورية، تشهد مزيداً من عدم الاستقرار والتحديات في الداخل. ولكن تحت السـطح تفسر حالتها الخاصة هذه استمرارية نظامها لمدة 42 سنة، برغم الأزمات الوطنية المتعددة.

عالم غير مستقر
يمثل هذا الصمود تحذيراً لمن يعول على انهيار كوبا وإيران، ويلقي الضوء على سبب مواجهة الحكومات الأخرى حالات متزايدة من عدم الاستقرار.
والواقع أنَّ السمات التي تحدد الأنظمة الثورية، ومنها المؤسسات القوية والوحدة المجتمعية والتماسك السياسي، تتدهور في مختلف أنحاء العالم، ما يفسر صعود حكم الرجل القوي، ذات السمات المضادة.
ووصف ليفتسكي حكم الرجل القوي بصورة الدكتاتور الوحيد، غير المؤسساتي، وغياب احتكار السيطرة على المجتمع، حيث يستمر حكمه لثماني سنوات أو عشر أو اثني عشرة سنة، ويواجه أزمات خطيرة، ثم ينهار.
يزهر في العالم اليوم الرجل القوي وصعوده. وتتعثر المعايير الديموقراطية، وترتفع الشعبوية، وتضعف مؤسسات الدولة، ويصل البعض إلى السلطة عن طريق القوة، وينتخب البعض الآخر في ديموقراطيات هشة وسرعان ما يصير فاسداً. ويفتقر جميعهم إلى البنية التحتية لإنشاء حركة ثورية، ويبقون عرضة لتقلبات في المشاعر والمؤسسات مثل الجيش والقضاء وحتى الأحزاب.
وبالتالي، يحاول البعض إطلاق ثورة من أعلى الهرم، إلا أنَّه يفشل ويقضي على نفسه بدلاً من ذلك. وتتبدد النجاحات المحتملة بعد رحيل قائدها، ما يقدم دروساً للديموقراطيات التي تعاني من هذه الظاهرة من جهة، ويساعد الدول الثورية من جهة أخرى.
وذكر ليفيتسكي أنَّ هذا النوع من الاستقطاب يهدد بتدمير الكثير من الديموقراطيات، ما يعزز الأنظمة الثورية. والواقع أنَّ تصنيف المعارضين كتهديد يبقي الطبقات الحاكمة موحدة في المعارضة.
وحدد الباحثان 10 حكومات ثورية منذ بداية دراستهما قبل عقد. وفي إطار دراسة منفصلة، صعدت ديموقراطيات كثيرة وانهارت، إلا أنَّ مجموعة الدول الثورية لا تزال صامدة.
عن نيويورك تايمس
Posted byKarim Haddad✍️

.jpg&w=3840&q=75)

