تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل
النّساء في تركيا تحت الضّغط.. قد يدفعن الفاتورة الأكبر في حسابات الانتخابات

النّساء في تركيا تحت الضّغط.. قد يدفعن الفاتورة الأكبر في حسابات الانتخابات

December 4, 2022

المصدر:

النهار العربي - سركيس قصارجيان

تشير التقارير الأوروبية والأممية الصادرة خلال السنوات الأخيرة إلى تسجيل تركيا تراجعاً في الحقوق والحرّيات وخسارتها مراتب، عشرية أحياناً، على سلّم الحقوق السياسية والنسوية وحرية التعبير عن الرأي والعمل السياسي وغيرها من المجالات، بعدما كانت حتى الأمس القريب نموذجاً، "على دول الشرق الأوسط والعالم الثالث الاقتداء به".

ويبدي النشطاء والمختصّون الأتراك قلقاً بالغاً من أن تسهم عوامل مثل اقتراب الرئيس التركي من منظومات شرقية مثل روسيا وإيران من جهة، والحاجة إلى هندسة الرأي العام من أجل ضمان الفوز في الانتخابات المصيرية القادمة من جهة أخرى، في القضاء على ما تبقّى من الإرث الماضي والمتراكم نتيجة الرغبة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لعقود خلت.

وإن كان السياسيون والصحافيون والفنّانون يتصدّرون الفئات المعرّضة للضغوط والإسكات بالقوة البوليسية والقضائية في معظم الأحيان، فإن النساء يبدين أكثر هذه الفئات تعرّضاً للقمع وأقربها إلى دفع فاتورة إرضاء "ناخبي الأناضول" والأصوات المحافظة.

الحركة النّسوية مستهدفة

تبدي السلطات التركية ردود فعل عنيفة أخيراً ضد الحركات النسائية، بالتزامن مع ازدياد العنف ضد المرأة في المجتمع التركي.

وتكشف غولسين يوليري، رئيسة فرع اسطنبول لجمعية حقوق الإنسان، عن مقتل 452 امرأة في تركيا في الأشهر العشرة الأولى من عام 2022، فيما تؤكد بيانات جمعية حقوق الإنسان الدولية، ازدياد جرائم الكراهية ضد اللاجئين والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية والخناثى.

قبل أسبوع، اعتقلت السلطات التركية عشرات النساء في تجمّعات مناهضة للعنف ضد المرأة في المدن الكبرى، وعلى رأسها اسطنبول وأزمير والعاصمة أنقرة. في اسطنبول، منعت السلطات الأمنية النساء المجتمعات بدعوة من "منصّة 25 تسرين الثاني" أولاً من الدخول إلى ساحة تقسيم الشهيرة وسط المدينة، من خلال إغلاق كل الشوارع المؤدية إليها، ومن ثم فرضت طوقاً على المتظاهرين في منطقة قريبة مانعة إياهن من المسير قبل اعتقال العشرات منهن بداعي عدم الحصول على تصريح بالتظاهر، رغم  كونه حقّاً مكفولاً في الدستور التركي من دون الحاجة إلى موافقات.

ويرى الصحافي التركي جاغلار تيكين، في تصريحات إلى "النهار العربي"، أن "حزب العدالة والتنمية يعمل منذ مدّة على مشروع يهدف إلى هندسة المجتمع وإعادة تشكيل الحياة الاجتماعية، لذلك فإن التجّمعات المعارضة لسياساته غالباً ما انتهت بالتعرّض للضرب في الشارع في السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة"، مضيفاً: "لكن رغبة السلطة في التعرض بالضرب للتجمّعات النسائية خاصة نابعة من سببين: أولاً لأن النسوية تتعارض مع قاعدتها الشعبية الداعمة لها في الأساس، وثانياً لأن انتزاع الحقوق من المثليين والمتحوّلين جنسياً وغيرهم، يحفّز قاعدتها الشعبية".

بات التحوّل في سياسة "العدالة والتنمية" ونظرته إلى قضايا المرأة أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة. قد تكون خطوة انسحاب الحكومة التركية من "اتفاقية اسطنبول" لحقوق المرأة، والتي كانت مؤسسها قبل 10 سنوات فقط، أبرز مثال على ذلك، ناهيك  بالتصريحات غير المتوازنة الصادرة عن الرئيس التركي ووزرائه وبرلمانييه.

فالرئيس التركي، الذي أعلن في خطابه في القمة الدولية الأولى للمرأة والعدالة قبل أعوام أن "وضع الرجال والنساء في مكانة متساوية يتناقض مع فطرة الطبيعة"، احتقر فتاة وجّهت له انتقادات خلال تظاهرة نسائية بالقول: "إحداهن، لا أعرف إن كانت فتاة أم امرأة"، بينما اعتبر وزير المال الأسبق محمود شيميك أن "معدل البطالة في تركيا مرتفع بسبب بحث النساء عن وظيفة"، فيما رأى رئيس بلدية أنقرة السابق مليح غوكتشيك رداً على مطالبات السماح بإجهاض الحمل الناشئ عن الاغتصاب بالقول: "إذا تعرضت الأم للاغتصاب، فلماذا يموت الطفل، ما هو ذنبه؟ لماذا لا تموت الأم مثلا؟"، أما وزير الأحراج والمياه فرد على طلب فتاة فرصة عمل بالقول: "ألا يكفي العمل في المنزل؟"، فيما اعتبر وزير الصحة السابق محمت موزينولو أن "الأمومة هي المهنة الوحيدة للمرأة"، وبالنسبة إلى وزير الدفاع السابق وجدي غونول "المرأة التركية هي زينة منزلها، وشرف رجلها، والنساء الغربيات مضطهدات للأسف".

هذه اللغة لم تعد حكراً على سياسيي "العدالة والتنمية" فقط، بل باتت خطاباً مشابهاً مسموعاً على ألسنة رجال الدين والكتاب والفنانين المقرّبين منه أيضاً. فرجل الدين المقرّب من "العدالة والتنمية" نور الدين يلدز اعتبر أن "كل امرأة عاملة تعني رجلاً جائعاً. باختيارها العمل، تستعد المرأة لممارسة الدعارة"، أما المغني أوغور إيلاك صاحب أغنية "دومبرا" المهداة إلى أردوغان قبل الانتخابات الرئاسية، فقد رأى في مقابلة تلفزيونية أن "طبيعة المرأة أن تكون عبدة لرجل"، والأمثلة تطول.

وبحسب تيكين، هناك شرخ بين "العدالة والتنمية" والحركة النسائية التي كانت من الداعمات للسلطة. "سابقاً كانت هناك نساء داعمات لحزب العدالة والتنمية منخرطات في الحركات النسائية إلى جانب اليساريين والليبراليين، لكن هذا الحضور انحسر حتى بات شبه معدوم اليوم، كما أن الحركة النسائية التركية باتت اليوم تعارض العدالة والتنمية بقوة بسبب اعتماد أردوغان على الرؤية الإسلاموية في ممارسة السياسة الشعبوية والخطاب السياسي".

آراء النساء السياسية أكثر عرضة لرد الفعل الحكومي

ويشرح تيكين أن السلطات التركية التي تحارب حرية التعبير عن الرأي، تبدي رد فعل أكثر شدة عندما تكون هذه الآراء صادرة عن النساء، سواء أكن كاتبات أم صحافيات وحتى برلمانيات.

 

 

تواجه الباحثة والكاتبة التركية حميدة رنجيز أوغولاري 10 دعاوى قضائية، 4 في أنقرة و6 في اسطنبول، على خلفية إصدارها كتابين أحدهما بعنوان "داعش الكل مرة واحدة" و"حرب العدالة والتنمية في سوريا".

وتروي أوغولاري لـ"النهار العربي" قصّتها مع الدعاوى القضائية بالقول: "للأسف تقرر أول حكم بحقي من المحكمة العليا بتحويل عقوبة السجن 5 سنوات إلى غرامة مالية وأنا بانتظار تبليغي المبلغ  قبل المحكمة، وهي الثانية بعد الغرامة التي حكمت كتعويض لـ"هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات" (IHH)".

وأضافت: "الدعاوى القضائية تتراوح بين الشخصية وتلك المرفوعة من وزارات وهيئات رسمية أحياناً بسبب المعلومات التي أوردتها في الكتابين عن علاقة التجارة النفطية بين تركيا وداعش، وسياسات العدالة والتنمية الحربية في سوريا، وأحياناً بسبب صور الغلاف أيضاً".

خصوم رنجيز أوغولاري في الدعاوى القضائية المذكورة هم رئاسة الجمهورية التركية ووزارة التعليم ونجل الرئيس التركي بلال أردوغان وصهره بيرات البيراك وعدد من منظّمات المجتمع المدني المحسوبة على "العدالة والتنمية".

ووفقا لمؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2022 الذي أعدته منظمة "مراسلون بلا حدود"، احتلّت تركيا المرتبة 149 من أصل 180 دولة، مع وجود 26 صحافياً في السجون التركية بسبب أنشطتهم الصحافية، وتعرّض 31 صحافياً للاعتقال لمدة 52 يوماً في المجموع، والتحقيق مع 60 صحافياً، والحكم على 273 صحافياً في 128 قضية، فيما بلغ عدد الصحافيين الذين تعرضوا لاعتداء جسدي العام الماضي 57، مقابل 32 تعرّضوا للتهديد لفظياً، بحسب التقرير ذاته.

الضّغط يشمل حتى عارضات الأزياء

لم تقتصر الضعوط على النساء الناشطات في المجال السياسي، فقد امتد أيضاً إلى المغنّيات وحتى عارضات الأزياء وصناع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي.

 

وتواجه صانعة المحتوى التركية الأشهر على موقع "أونلي فانز"، ميرفا تاشكين، دعوى قضائية جديدة، بسبب صور قامت بمشاركتها في منصّة الصور التي تشترط التسجيل لمتابعة أي حساب شخصي، بشكل مغاير لمنصّات شبيهة كالإنستغرام مثلاً.

وتروي تاشكين تجربتها مع القضاء إلى "النهار العربي" قائلة: "قبل أعوام واجهت دعوى قضائية بسبب مشاركتي صوري الشخصية خلال زيارتي المتحف الجنسي في أمستردام عاصمة هولندا، حيث تم الحكم علي بالسجن لمدة 5 سنوات، ثم استبدال  غرامة مالية به شرط عدم القيام بأي نشاط مشابه".

وتابعت: "اليوم تتم محاكمتي لنشري صوري الشخصية على موقع أونلي فانز الذي يعتبر موقعاً خاصاً بنشر الصور الجريئة، ويتابعها الأشخاص القاصدون متابعة مثل هذه الحسابات، بالإضافة إلى متابعة حسابات رياضيين وفنانين وحتى سياسيين".

وتعرب تاشكين عن استغرابها "اعتبار صور منشورة بصورة مشابهة للرسائل الخاصة على منصات إنستغرام أو تويتر مثلاً، بمثابة التعرّض إلى الآداب العامة"، قائلة: "التهمة الموجّهة إلي تمثيل قدوة سيئة لجيل الشباب الذي يتابعتي، رغم أن متابعيّ في الموقع (الذي يشترط سن النضج للتسجيل فيه) هم من القاصدين لمتابعة صوري الشخصية خاصة، بغضّ النظر عن مدى جرأتها".

وتختم تاشكين حديثها بالقول: "أعمل في مجال عرض الأزياء وصناعة المحتوى المصور منذ سنوات، لكن الضغوط التي أتعرّض لها أخيراً تجعلني أشعر بالقلق من تراجع الحريات في تركيا على عكس تقدّمها في العديد من دول المنطقة مقارنة بالسابق مثل الإمارات العربية المتحدة مثلاً".

يؤكد الصحافي تيكين أن "كتم أصوات النساء لا يمكن قراءته بعيداً من مساعي العدالة والتنمية في السنوات الأخيرة لتحويل المجتمع التركي إلى نموذج إسلامي بسياسات يتم اتّباعها على طريقة خطوة بعد خطوة".

Posted byKarim Haddad✍️

للمشاركة :
Point7 Multimedia
Style auto