
المسيحيّة ولبنان
May 2, 2022
المصدر:
النهار
المسيحيّة
في #لبنان تعود إلى أيّام السيّد المسيح. فلبنان أرضٌ مقدَّسة وطئتها أقدام السيّد المسيح ومريم العذراء. فالإنجيل المقدَّس يذكر أنّ يسوع كان يأتي مرارًا "إلى نواحي صور وصيدون"، وقد شفى يومًا ابنةَ امرأةٍ كنعانيّة (متى 21:15-28). كما يذكر أنّ من بين الذين استمعوا إلى عظة يسوع عن التطويبات، كان هناك أناسٌ قد "أتوا من ساحل صور وصيدون ليسمعوه ويُشفوا من أمراضهم" (لوقا 17:12). وهذا ما ذكّر اللبنانيّين به القديسُ يوحنا بولس الثاني في قداس افتتاح السينودس لأجل لبنان، بعد قراءة هذا النصّ الإنجيليّ، فقال: "أيّها اللبنانيّون تذكّروا أنّ من أجدادكم مَنْ أتوا من صور وصيدون ليستمعوا لكلام الربّ يسوع". ويذكر سفر أعمال الرسل أنّه بعد استشهاد استفانُس، أي بضع سنواتٍ بعد قيامة السيّد المسيح، "وقع ضيقٌ على المسيحيّين في أورشليم، فاجتاز بعضٌ منهم إلى فينيقية وقبرس وأنطاكية" (أعمال 1:19). كما يذكر أنّ بولس الرسول وصل في رحلاته "إلى صور حيث صادف مسيحيّين وأقام عندهم سبعة أيّام". ويقول النصّ: "ولمّا سلخنا هذه الأيام خرجنا وسرنا وهم يُشيِّعوننا بأجمعهم، مع نسائهم وأولادهم، إلى خارج المدينة. فجثونا على الشاطئ وصلّينا. ثمّ ودّع بعضُنا بعضًا وركبنا السفينة، ورجعوا إلى بيوتهم" (أعمال 3:21-7). وسنة 1996 احتفلتُ في بعلبك بالذكرى الألف وتسع مئة سنة على مجيء أوّل مطران على بعلبك، واسمه ثيوذوتُس، وهو الذي عمّد أوّل شهيدةٍ بعلبكيّة، واسمها إفذوكيّا، وقد استُشهدتْ سنة 115. ففي لبنان أبرشيّات تعود إلى القرن الأوّل.
المسيحيّة متجذِرةٌ في لبنان منذ ألفي سنة، وعلى كلّ جبل من جبال لبنان وفي مختلف مدنه وقراه وعلى مدى ساحله وسهله، ارتفعت أديارٌ وكنائسُ ومزارات، وبُنيتْ مؤسَّساتٌ اجتماعيّةٌ من مياتمَ ودور مُسنِّين، ومدارسُ وجامعات، تشهد على إيمان أبنائه الذين، على الرغم من الاضطهادات التي تعرَّضوا لها عبر القرون، بقوا صامدين يشهدون للمسيح القائم من بين وينشرون القيم الإنجيليّة. أمّا عددهم فكان يزيد أو ينقص بحسب الحروب وبسب الأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة التي دفعت الملايين منهم إلى الهجرة إلى مختلف بلدان الاغتراب. فمعهم لم يعد لبنان المسيحيُّ محصورًا في بقعةٍ جغرافيّةٍ ضيّقة، بل اتَّسعتْ مساحتُه إلى كلّ مكانٍ يوجَد فيه مسيحيّون لبنانيّون، حيث بنوا لهم كنائسَ وأبرشيّاتٍ مزدهرةً ينشرون فيها تراثَهم الروحيَّ والثقافيَّ العريق. ومهما يكنْ من أمر أعداد المسيحيّين في لبنان وفي الاغتراب، فالمسيحيّة لا تُقاس بالعدد، بل بما تحمله في طيّاتها من روحانيّةٍ دينيّة وثقافةٍ إنسانيّة وحضارةٍ بشريّة وانفتاحٍ متَّسمٍ بالمحبّة والسلام على سائر الأديان. فعندما أرسل السيّد المسيح القائم من بين الأموات تلاميذَه الاثني عشر قال لهم: "اذهبوا وتلمذوا جميعَ الأمم، وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتُكم به"، ثمَّ أضاف: "وهاءَنذا معكم كلَّ الأيّام إلى انقضاء الدهر" (متى 18:28-20). لا شكّ أنّ مهمّتَهم بدتْ لهم لأوَّل وهلةٍ مستحيلة: اثنا عشر تلميذًا لتلمذة جميع الأمم! لكنّهم انطلقوا للرسالة يملأ قلوبَهم الإيمانُ بأنّ يسوعَ سيكون معهم "كلَّ الأيّام إلى انقضاء الدهر"، وعزمُهم على أن يُتِمّوا الرسالة التي عهِد بها إليهم بتجرُّدٍ عن الأنانيّة وتضحيةٍ حتّى الموت. تلك هي المسؤوليّةُ الخطيرةُ التي يُلقيها الربُّ اليوم أيضًا على عاتق المسيحيّين اللبنانيّين. ولا خوفَ على مستقبلهم، لأنّ المسيح "سيكون معهم كلَّ الأيّام إلى انقضاء الدهر".
نقرأ في الإرشاد الرسوليّ "رجاءٌ جديدٌ للبنان": "ثمّة خوفٌ من أن تكونَ قيم الديمُقراطيّة والحضارة التي يُمثِّلها هذا البلد عرضةً للخطر. وبناءً عليه تترصَّد دومًا اللبنانيّين، وبنوع خاصٍّ الشبيبة، تجربةُ الهجرة. إنّي أعلم أنّ تحقيقَ مستقبلٍ أصفى إشراقًا يفترض تضحياتٍ كثيرةً وتمرُّسًا في ضبط النفس مستمرًّا يحمل كلَّ واحدٍ على أن يتطلَّبَ من نفسه حضورًا فاعلاً وشجاعًا ومثابرًا في شؤون المجتمع، قبل أن يتطلَّبَ ذلك من غيره... إنّ ما اختبره المؤمنون بالمسيح في الماضي وفي الحاضر، في أنفسهم وفي الآخرين، في ما حولهم وفي كلِّ مكان، كافٍ لإقناعهم بما لقوى الشرِّ من قدرةٍ لا تزال قائمةً، في وسعها أن تنشرَ على الدوام الظلمةَ في العقول والقسوةَ في المشاعر، وتُشكِّلَ تهديدًا للمستقبَل." ثمّ يُضيف: "ولكنّ الرجاءَ يبقى حيًّا فيهم، على الرغم من كلِّ شيء. إنّهم لم يفقدوا ثقتَهم في ذاتهم ولا تعلُّقَهم ببلدهم وبتقليده الديمُقراطيّ. إنّ دأبَهم على رغد العيش الذي يُميِّزهم، وهذه الأُخوَّةَ بين الجميع التي تبدو في أجلى مظاهرها في الأوقات العصيبة التي تتوالى عليهم، يحثّانهم باستمرارٍ على المساهمة الناشطة في بناء بلدهم على أساس القيم الإنسانيّة التي هي ثروة تراثهم الوطنيّ" (رقم 17). هذا التراث العريق هو الذي حمل قداسة البابا يوحنّا بولس الثاني على القول إنّ لبنان ليس مجرَّد وطنٍ بل هو، للشرق وللغرب، رسالةُ عيشٍ واحدٍ في السلام والتضامن بين دياناتٍ ومذاهبَ متنوّعة.
المصدر: "النهار"
المطران بولس مطر
Posted byTony Ghantous✍️

.jpg&w=3840&q=75)

