
اللبنانيّون بين بكتيريا الـH-Pylori وطائر الفينيق
October 29, 2021
المصدر:
النهار
العلاقة بين ال#لبنانيّين ولبنان علاقةٌ جدليّة. فَهُم من جهةٍ مستعدّون للدفاعِ عنه والموتِ في سبيله، ومن جهةٍ ثانية، هُم لا يتورّعون عن التسبُّب بتدميره وخرابه مرّة تلو المرّة. في الحالة الأولى قدّم لبنانيّون كُثُر حياتَهم فداءً عن لبنان. لعلّ كلَّ واحدٍ منهم قدّمها من زاويته وقناعتِه الخاصة وانطلاقاً من معتقداته الدينيّة، أو عقيدته السياسيّة، أو انطلاقاً من حبّه للبنان كوطنٍ يستحقُّ كلَّ أنواع التضحيات. أُنظر إلى أدبيّات الأحزاب التي قاتلَت في الحرب فهي تُسمّي من سقط في صفوفها "شهداء" وليس قتلى أو ضحايا (ربّما لإبعاد الشبهة عن كونهم في كثير من الحالات قد قُدِّموا ضحيّة) علماً أنّ هؤلاء الشهداء سقطوا في متاريس متقابلة ومن أجل أفكارٍ متناقضة. هؤلاء اللبنانيّون تراهم في الوقتِ نفسِه يُمعِنون في تهديم بلدهم وإفساد ثقافة أجيالهم الصاعدة عبر فسادِهم المعمم وكأنّ الـ "لبنان" الذي استحق حياة أهلهم وإخوتهم فاستشهدوا من أجله هو غير الـ "لبنان" الذي يعيشون فيه ويعيثون في أرضه وسمعته الإقليميّة والدوليّة فساداً وإفساداً.
يأخذُني هذا المشهد السريالي وما يجري في الوطن إلى مشهدٍ مقابل يتعلّق بصحّتنا وما يحصل في المعدة من غرائب. فمن زمن غير بعيد، إكتشف العلماء في معدتنا بكتيريا متميزة سَمّوها الـ H-Pylori. ماذا يميّز هذه البكتيريا عن سواها من الأنواع وما دخلها في الكلام عن الوضع في لبنان؟ هذه البكتيريا تنمو وتزدهر في أسيد المعدة الحارق لشدة حموضته. وذلك على عكس مختلف أنواع الميكروبات التي يصطحبها الطعام الى إمعائنا إذ إنّ من شأن هذا الأسيد قتلها. تعشِّش الـ H-Pylori في جدران المعدة وفي كثير من الأحيان تدمّر بقعاً في غشائها المُخاطي. إذاك يأتي الأسيد الحارق على هذه البقع ويؤدّي الى تآكلها. ينتج عن ذلك في كثير من الأحيان التهابات وتقرّحات معويّة مؤلمة قد تستوجب الجراحة.
ما علاقة هذا الكلام باللبنانيّين؟ يبدو اللبنانيّون عموما وكأنّهم من سلالة هذه البكتيريا. في أيّام السلم، كثيرون منهم لا ينجون من العقاب ولا يحقّقون الثروات إلّا بالتعشُّش في كهوف الدولة والاختباء من القانون في مضارب الزعماء حيث يحتمون بل ويبنون الثروات. إذاك يدمّرون "جدران" مجتمعهم ويعتدون على القوانين والمؤسسات وينتهكون سيادة الدولة وسلامة البيئة في بلدهم.
في زمان غابر قال أفلاطون عن أسلافنا الفينيقيّين إنّهم سنّوا قوانين غلّبت "المهتّة" على استعمالهم لها، أي أنّهم استعملوها لملامة الخصم ومقاضاته لمخالفتها، لا من أجل امتثالهم هم لها وانتظام الجميع فيها. هل هناك من يشكُّ في انطباق هذا التوصيف الأفلاطوني على علاقتنا بقوانينِنا ومؤسساتنا؟
أمّا في الحرب، لاسيّما تلك الناتجة عن التدمير الذاتي في الممارسة السياسيّة، فغالباً ما يخرج اللبنانيون من تحتِ الردم أحياء ليبدأوا عمليّة البناء من جديد. عندذاك يقدّمون أنفسهم للعالم كطائر الفينيق!
في أيّة مرحلةٍ "بكتيريّة" نقبعُ الآن؟ لا أدري. هل نحنُ في مرحلة تدمير "الجدار" أم في مرحلة استيلاد طير الفينيق؟ مهما يكن من أمر، فقد لا نكون في هذه المرحلة إلّا طيوراً مذعورة تتطاير يَمنة ويَسرة في أجواء السفارات طلباً للنجاة من الخراب المعمّم الذي خلّفته لنا أيادي سياسيّيىنا الأجلّاء.
أحزنُ كلّ الحزن حين أكتب هذه الكلمات، ويحضرني ما كتبه الشاعر نزار قبّاني بُعيد حرب السنتين في قصيدته الخالدة "يا ستَّ الدنيا يا بيروت". قال نزار في ما يشبه جدليّة بكتيريا الـ H-Pylori و طائر الفينيق: "نعترف الآن بأنّا لم نُنصِفك، ولم نعذرْكِ، ولم نفهمْكِ، وأهديناكِ مكان الوردة سكّينا".
المصدر: "النهار"
سمير قسطنطين
Posted byTony Ghantous✍️

.jpg&w=3840&q=75)

