
الدولة حفرتها بالهدر والاستدانة... و"المركزي" سقط فيها: فجوة مصرف لبنان ابتلعت المودعين ومعهم المصارف
June 20, 2022
المصدر:
النهار
عندما وضع #جوزف أوغورليان (نائب حاكم #مصرف لبنان بين عامي 1964 و1985) الأسس القانونية الحديثة لتطوير عمل مصرف لبنان كان في ذهنه تحقيق أمرين أساسيين: الأول صناعة حصن منيع لحماية النقد اللبناني، وإبقائه على مستوى يعادل أو قريب من مستوى النقد الأوروبي أو الأميركي القويين، لما للبنان من صلات سياحية وتجارية وعلاقات مميزة مع هذا الغرب، إضافة الى حضور اغترابي واسع، تمكنه من خرق المواقع الأولى في عالم السياسة والمال والاقتصاد.
ثاني أهداف أوغورليان كان بناء مؤسسة "القوة الصامتة" التي تخطط وتقاتل وتخوض معاركها النقدية السيادية بصمت وحكمة ورويّة، لما تحتويه ساحات "جهادها" من حساسيات سياسية واقتصادية ومالية، وانعكاسات اجتماعية مزهرة متى أصاب المركزي بقراراته، أو قاتلة إذا ارتكب ما لا تُحمد عقباه.
لم يشذّ مصرف لبنان عن روحية قوانين أوغورليان، أو يناقض أهدافها، بل سعى دوماً للالتزام بها وتطويرها بما يتلاءم مع تطورات الأسواق النقدية والمالية، وزاد على ذلك بأن أرسى ثقة محلية وعالمية بالمؤسسات المصرفية والمالية، وتالياً بالليرة كملاذ آمن ومربح للمسثمرين وأصحاب الودائع.ولكن في الأعوام الخمسة المنصرمة، لم يكن في إمكان مصرف لبنان أن يغمض عينيه عن الأزمة، ولم يكن متوافراً لديه الشريك السياسي في السلطة، الذي يملك خطة اقتصادية واضحة المعالم والأهداف، تمكّن "المركزي" من الاتكاء عليه في مسيرة حماية النقد الوطني، لا بل كان الاستغلال سيد العلاقات، والاستهتار بالتنبيهات والتحذيرات، فضلاً عن استفحال الفساد والسرقة والتهريب، والمحاصصة المفرطة في التمويل والتوظيف العشوائي. لم يتوقف "شفط" الدولة لضرع مصرف لبنان، لا بل زاد في السنوات الأخيرة، و"دبّرها بمعرفتك" كان جواب أولياء أمرها، متى سمعوا أن هذا السلوك المالي والاقتصادي لا يمكن أن يستمرّ، وأن الأزمة تستفحل. الى أن "دبّرها" البنك المركزي، وبدأت الهندسات المالية بمثابة إنذار قوي للسلطة، بأن الحلول يجب أن تأتي سريعاً، وأن المشكلات السياسية يجب أن توضع جانباً، كما يجب الذهاب سريعاً الى إصلاحات بنيوية في الاقتصاد والمالية العامة، استجابة لشروط "سيدر" والإفادة من تقديماته ومساعداته وخصوصاً في قطاع الكهرباء لوقف النزف الحاد في العملات الصعبة والعجز المطّرد في الموازنة سنوياً.لم يحصل ما نادى به مصرف لبنان، لا بل حصل العكس تماماً، فأقرّ المجلس النيابي سلسلة الرتب والرواتب الشهيرة كرشوة انتخابية قبل الانتخابات النيابية، ومجموعة من سلفات خزينة، دون اعتبار للوضع النقدي، ودون الشروع في أيّ إصلاحات جدّية، الى أن وقع المحظور، وكشفت الأرقام فجوة مالية في حسابات مصرف لبنان لم تبتلع موجودات المركزي فحسب، بل أموال المودعين أيضاً، وخسر الناس جنى أعمارهم، إما بفقدانها وعدم قدرتهم على تحصيلها، أو بسبب تدنّي سعر الليرة وخسارة قدرتها الشرائية، وما عاد لدى الدولة من حبل لإنقاذ ماء وجهها إلا اللجوء الى الاحتياط الإلزامي للمصارف الموجود لدى مصرف لبنان تلجأ إليه لممارسة عادتها القديمة المسمّاة "الدعم" لهدر ما بقي من أموال الناس وودائعهم.
فجوة مالية بـ70 مليار دولار!والأهم في كل ذلك، وفق المصادر عينها، أن الفجوة المالية لمصرف لبنان التي أطاحت معظم ودائع المصارف بالدولار الأميركي لديه هي مسؤولية الدولة اللبنانية، كما هو متبع ومعروف في كل بلدان العالم خصوصا أن الفجوة المالية كان سببها الإنفاق لدعم الدولة والاقتصاد. ويتلاءم هذا مع المادة 113 من قانون النقد والتسليف التي تقضي بأن خسائر مصرف لبنان تقع على عاتق الدولة، أو حرفياً "تغطىّ الخسارة من الاحتياط العام وعند عدم وجود هذا الاحتياط أو عدم كفايته تغطى الخسارة بدفعة موازية من الخزينة".
وفق حاكم مصرف لبنان #رياض سلامة، فإن مجموع ما سدّده كتحاويل بالدولار الأميركي (Fresh) للخارج لمصلحة الدولة في الفترة الممتدة من عام 2010 لغاية نهاية 2021 هي نحو 49 مليار دولار موزعة كالآتي:
- 25 مليار دولار (Fresh) كهرباء وطاقة وبواخر. والباقي 24 مليار دولار (Fresh) تقريباً موزعة كالآتي:
- دعم السلع والمحروقات والقمح والأدوية (2019-2021)
- مصاريف الدولة الخارجية المتفرقة (مصاريف متنوّعة… وغيرها)
- اكتتاب مصرف لبنان بالسندات الخارجية يوروبوندز في تلك الفترة.بعد عرض الأرقام المدققة أعلاه يتبادر الى الذهن سؤال عمّا إن كانت الدولة مسؤولة؟ تردّ مصادر في مصرف لبنان بالقول إن مصرف لبنان أعطى الدولة 49 مليار دولار مصاريف بالدولار الـFresh بناءً على طلبها وبموجب قوانين وقرارات حكومية وذلك عن الفترة 2010-2021 فقط، وإذا احتسبنا المبالغ ما قبل 2010 تصبح أكبر بكثير من 49 مليار مليار دولار (fresh)، موضحة أن الـ49 مليار دولار هي حصراً مصاريف الدولة "للخارج" ولا تدخل فيها المصاريف المحلية للدولة بالدولار الأميركي مثل تمويل Sukleen وشركات كنس النفايات ونقلها وبعض المشاريع وغيرها…
وإن كان البعض يضع المسؤولية في ما حصل على مصرف لبنان والمصارف، جدّدت مصادر "المركزي" تأكيدها أن السبب الرئيسي للانهيار والفجوة المالية البالغة 70 مليار دولار والتي بدأت منذ التسعينيات، هو أن الدولة أنفقت بطريقة غير مدروسة وتفوق إمكانياتها بكثير وذلك عبر الاستدانة من الداخل والخارج، وهذا ما أوصل الدولة الى حالة عجز وإفلاس وانهيار، ثم أعلنت إفلاسها بطريقة غير علمية، ويصح القول إنها أتت بطريقة كارثية"، من هنا تختم المصادر عينها بأنه "لا بدّ للدولة من أن تسهم بإعادة أموال المودعين".
المصدر: "النهار"
سلوى بعلبكي
Posted byTony Ghantous✍️

.jpg&w=3840&q=75)

