تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل
الحشد الشّعبي أقليّة إيرانيّة تريد الحكم في العراق

الحشد الشّعبي أقليّة إيرانيّة تريد الحكم في العراق

June 24, 2021

المصدر:

النهار العربي - فاروق يوسف

ليس من باب المبالغة القول إن الحشد الشعبي الذي تم تشكيله بناءً على ما سُمي بـ"فتوى الجهاد الكفائي" لمحاربة "داعش" والدفاع عن الأضرحة الدينية المقدسة لدى الشيعة، تحوّل من كونه قوة مسلحة غير نظامية تابعة للحرس الثوري الإيراني، إلى ما يشبه أقلية إيرانية في العراق، يتمتع أفرادها بحقوق المواطنة غير منقوصة، وفي المقابل فإنهم ليسوا مطالبين بالالتزام بالقوانين العراقية، إضافة إلى أن مسألة الولاء السياسي محسومة بالمطلق لإيران وليس للعراق. 

فمن خلال الحوادث التي أدت إلى توتر العلاقة بين الحشد والحكومة العراقية، التي تسعى متأخرة إلى فرض هيبة الدولة، وهو مصطلح لم تستعمله الحكومات السابقة منذ 2003، تبين أن الحشد لا يتصرف بطريقة تسمح بتراجعه أمام قرارات الحكومة، بما يوحي على الأقل صورياً باحترامه للدولة التي تموّله بالمال والسلاح، بل إن قادته صاروا يعبرون علناً عن استخفافهم بالحكومة وبشخص رئيسها الذي صاروا يتوعدونه بالعقاب إذا ما تجرأ وحاول أن يمس الحشد بأي طريقة من الطرق.

وإذا ما عرفنا أن المهمة التي كُلف بها الحشد دينياً كانت قد انتهت مع نهاية التهديدات التي مثلها ظهور "داعش" قوة عسكرية كانت قد استولت على ثلثي الأراضي العراقية، فإن الحشد لم يعد ضرورياً من أجل الدفاع عن المذهب الذي لم يكن مهدداً في أي وقت. وهو ما يعني أن الحماية الإيرانية التي يتمتع بها الحشد، والتي تظهر على الملأ في الأزمات، لا تخص القوة العسكرية التي كانت لها مهمات عقائدية محددة، بل تشمل مجاميع بشرية تدين بالولاء لإيران، وهي موجودة على الأراضي العراقية دفاعاً عن المصالح الإيرانية، لا في العراق وحده بل في عموم المنطقة. 

وفي الأزمة الأخيرة التي تدخّل زعيم فيلق القدس إسماعيل قاآني لفض الاشتباك فيها، ظهر واضحاً أن إيران لا تفرّط بمصائر أبنائها، وما قيل من كلام حول تدخل إيران الذي منع وقوع حرب شيعية شيعية ما هو إلا لغو فارغ لا معنى له. الصحيح أن تدخل قاآني حال دون تدهور العلاقة بين العراق وإيران. كون الأخيرة معنية بالدفاع عن جاليتها في العراق، وكان المتهم قاسم مصلح الذي ألقت الحكومة العراقية القبض عليه واحداً من أفراد تلك الجالية. بالنسبة الى الحكومة العراقية، سيكون عليها في المستقبل أن تتصل بالحكومة الإيرانية إذا ما حدث سوء فهم قد يؤدي إلى إزعاج الجالية الإيرانية المسلحة في العراق.    

تخطت إيران خطوط الأعراف الدولية حين سمحت لنفسها في أن تكون وسيطاً بين الحكومة العراقية وفريق مسلح لا يزال أفراده يحملون الجنسية العراقية. ولكن المسألة لا تتعلق بوساطة. إيران تفاوضت نيابة عن ذلك الفريق الذي يتمتع بحمايتها، باعتباره الراعي لمصالحها في العراق. تلك معادلة ثبتت زيارة قاآني الأخيرة بغداد قواعدها. معادلة تقع خارج أصول اللعبة الدبلوماسية. فهي حقيقة تقع على الأرض وليس أمام الحكومة العراقية سوى الاعتراف بها. لإيران الحق في حماية جاليتها المسلحة في العراقية والدفاع عن مصالحها.   

تلك عقدة ستواجه أي محاولة أميركية على سبيل المثال لمساعدة الحكومة العراقية، إن خلصت نياتها على التخلص من الهيمنة الإيرانية. فمن وجهة نظر إيران، فإن العراق لم يتعرض لغزو إيراني، بل إن هناك جزءاً من الشعب العراقي صار يسعى إلى الانضمام إلى إيران أو الالتحاق بها عقائدياً، من غير أن تتدخل الحكومة العراقية في شؤونه، فهو تابع مباشرة للسفارة الإيرانية التي لها الحق في أن تدفع عنه الضرر.  

بهذا المعنى، فإن إيران ستقف دائماً في مواجهة أي محاولة لاستعادة هيبة الدولة. فالدولة لن تكون موجودة في ما يتعلق بشؤون الجالية الإيرانية التي لن يكون الحشد الشعبي سوى واجهتها المسلحة. لقد تم تجنيس إيرانيين في ديالى والنجف وكربلاء والبصرة، من غير أن يكونوا مؤهلين لاكتساب الجنسية العراقية، وهو ما يعني أن الجالية الإيرانية ذات الأصول العراقية ستقوم بحماية الجالية الإيرانية التي اكتسبت الجنسية العراقية أخيراً. 

اللعبة الإيرانية التي أُقيمت على أساس الاستخفاف بالقانون في غيابه ستصنع قانونها الذي سيجبر الدولة العراقية على الاعتراف بشرعية الوجود الإيراني على الأراضي العراقية. وهي شرعية قد تؤدي في المستقبل إلى الاحتلال المباشر إذا ما شعرت الجالية الإيرانية بالاضطهاد أو الإقصاء أو التمييز، وطلبت من إيران حمايتها.   

لقد بدأ اللعب في التركيبة السكانية العراقية في وقت مبكر بعد الاحتلال الأميركي، غير أنه أخذ سياقاً ثابتاً في ظل الحرب الأهلية بين عامي 2006 و2007، فأفرغت المناطق العراقية المحاذية للحدود الإيرانية من سكانها، وحين ظهر تنظيم "داعش" قامت إيران بالاستثمار فيه في اتجاهين. 

الاتجاه الأول حين أنجز التنظيم الإرهابي مهمته في إخلاء مناطق كثيرة من سكانها المعارضين لسياسته، أما الاتجاه الثاني فقد تمثل بقيام الحشد الشعبي بتطهير تلك المناطق من "داعش" والموالين له من السكان المحليين. بمعنى أن الإفراغ قد تم على مرحلتين، وما جرى في ما بعد أن مدناً حدودية صارت مغلقة في وجوه سكانها الأصليين الذي مُنعوا من العودة بعد ما سُمي بتحرير مدنهم من احتلال "داعش". 

ما يثير الريبة أن الحكومة العراقية ممنوعة من الدخول إلى تلك المدن بأي صيغة. الأمر الذي يؤكد أن ما حدث يتجاوز الطابع العسكري الدفاعي، وأن الحشد الشعبي قد فتح تلك المدن أمام عوائل إيرانية كانت في حاجة إلى أن تقيم في مساكن جاهزة. وهو ما يعني إقامة مستونات إيرانية داخل الأراضي العراقية. 

في المستقبل القريب سيجد العراقيون أنفسهم عاجزين عن التصدي لأي جزء من أجزاء الهيمنة الإيرانية، بعد أن تكون الأقليات الإيرانية قد انتشرت كالوباء داخل الدولة وخارجها، مستندة في ذلك إلى قانون لا تؤمن به. 

Posted byKarim Haddad✍️

للمشاركة :
إعلان
Point7 Multimedia