Tuesday, 26 May 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
البطريرك الراعي: كل من يصنع خيرا للبنان يكون شريكا في سلامه وبيروت لا يجوز أن تترك من دون خطة ودولة حاضرة

البطريرك الراعي: كل من يصنع خيرا للبنان يكون شريكا في سلامه وبيروت لا يجوز أن تترك من دون خطة ودولة حاضرة

May 24, 2026

المصدر:

الوكالة الانباء المركزية

أكد البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في عظة الأحد أن "لبنان يحتاج إلى نور الحكمة والفهم ومخافة الله وينتظر مسؤولين يستلهمون الروح القدس في قراراتهم ورجال دولة يصونون رسالة لبنان ودوره".

وقال الراعي: "نصلي لكي تنجح المفاوضات، فكل من يصنع خيرا للبنان يكون شريكا في استقراره وبسلامه يطمئن الكثيرون".

أضاف: "ما نراه من فوضى وخوف على بيروت يدعونا إلى وقفة مسؤولة لأنها بنيت على العيش المشترك ولا يجوز أن تترك لوحدها من دون خطة ودولة حاضرة".

في ما يلي نص العظة كاملة:

1- هذه الكلمة ليست مجرد عبارة تعزية قالها الرب قبل آلامه، بل وعد إلهي عظيم تحقّق يوم حلّ الروح القدس على الرسل، ولا يزال يتحقق كل يوم في الكنيسة وفي حياة المؤمنين. وقد تحقّق بملئه في شخص البطريرك الياس بطرس الحويك الذي سنحتفل بتطويبه بقرار من قداسة البابا لاون الرابع عشر في 22 أيار الجاري. فمبروك للكنيسة المارونية ولبنان.
أحد العنصرة، عيد الروح القدس، هو عيد الكنيسة الحية، عيد حضور الله الدائم في العالم. ففي هذا العيد نفهم أن المسيح لم يترك تلاميذه وحدهم بعد الصلب والقيامة والصعود، بل أرسل إليهم البارقليط، روح الحق، ليبقى معهم إلى الأبد، وليحوّل خوفهم إلى قوة، وضعفهم إلى شهادة، وصمتهم إلى بشارة.
العنصرة يرويها سفر أعمال الرسل (الفصل 2). كان الرسل مجتمعين في العلية، خائفين ومنغلقين على ذواتهم، وإذا بصوت كريح عاصفة يملأ المكان، وألسنة من نار تستقر على رؤوسهم، وراحوا يتكلمون بلغات مختلفة، لأن الروح القدس حلّ عليهم وبدّلهم من الداخل، محقّقًا فيهم ثمار الفداء، الذي حققه الابن بتجسده وموته وقيامته.
ولهذا، ليست العنصرة مجرّد ذكرى، بل حضور حيّ دائم. فالروح القدس لا يزال يقود الكنيسة، ويعزّي المؤمنين، ويمنح القوة للضعفاء، والرجاء للمتعبين، والنور لمن يعيشون في الحيرة والقلق. فهو البارقليط أي المحامي والمؤيّد والمدافع. ولهذا قال الرب يسوع: "لن أترككم يتامى، إنّي آتي إليكم"(يو 14: 18).
2. يسعدني أن أرحّب بكم جميعاً، وبخاصة رئيس إتحاد بلديات منطقة جزين ورؤساء البلديات والمخاتير وفعاليات المنطقة. وأوجّه تحية خاصّة إلى أسرة تيلي لوميار - نورسات للاحتفال بعيد العنصرة الذي نسجد فيه للثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس. ونحيي فيه ثلاث مناسبات: تأسيس مؤسسة تيلي لوميار - نورسات، ذكرى أربعين الأخ نور، إطلاق العدد الأول من جريدة "الدستور".
أ. المناسبة الأولى: ذكرى التأسيس السادسة والثلاثون لانطلاقة المحطة-الأم، اي تيلي لوميار، ثم فضائياتها نورسات التي أُطلقت كلها، فيما بعد، بالتزامن مع أحد العنصرة، لإيمان المؤسسين بدور الروح القدس الفاعل في تحقيق رسالتهم الاعلامية، التي كانت اشبه بشعلة النور التي نعم بضوئها الكثيرون، وكانوا لها شهوداً.
ب. المناسبة الثانية: ذكرى أربعين الأخ نور، المؤسس، بل رجل المؤسسات والمبادرات الكثيرة، الاعلامية، والانسانية، والتربوية، والصحية. ورجل التجرد والتأمل والصلاة، الذي غادرنا صباح الجمعة العظيمة، ويوافينا اليوم الى علية صهيون، ليقبل مع الرسل حلول الروح، وهو ينعم بصحبتهم في حضن الاب الذي أحب.
ج. المناسبة الثالثة: إطلاق جريدة "الدستور"، تكريماً لذكرى الاخ نور، وهي سياسية، اسبوعية اشتُري امتيازها منذ سنوات، والهدف تركيز مفهوم السياسة كخدمة للخير العام، ونقل الحقيقة المجردة، ونشر القيم والمبادئ السُميا، لأن الحقيقة اساس دعوتنا، واعمالنا، ومشاريعنا، ويجب أن تكون دستور حياة المسؤولين، المدنيين والروحيين، وكل المؤمنين والمواطنين.
3. بالعودة إلى حدث العنصرة، ظهرت علامات عن حلول الروح القدس وهي:
- الريح الشديدة التي هبّت في العلية كانت علامة قوة الله التي توقظ الإنسان من الداخل.
- ألسنة النار كانت علامة النور والتطهير والغيرة الإلهية التي تلهب القلوب بالمحبة والإيمان.
- التكلم بلغات مختلفة، كان علامة أن الكنيسة مرسلة إلى جميع الشعوب، وأن الروح القدس يوحّد البشر مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم.
لكن "عالم الخطيئة" لا يستطيع أن يعرف الروح القدس، لأن الروح هو روح المحبة، أمّا الإنسان الذي يأسر قلبه في الأنانية والكراهية فلا يستطيع أن يفهم حضور الله وعمله.
4. "لن أترككم يتامى، إنّي آتي إليكم"(يو 14: 18). بهذه الكلمة ننظر اليوم إلى واقع وطننا، لأن لبنان يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى روح الحكمة والفهم والمشورة والقوة والمعرفة والتقوى ومخافة الله. فهذه مواهب الروح القدس السبع ليست فقط للتأمل الروحي، بل حاجة فعلية لكل مسؤول، ولكل صاحب قرار، ولكل من يحمل مسؤولية في الكنيسة أو في الدولة أو في المجتمع أو في العائلة. لبنان ينتظر مسؤولين يستلهمون الروح القدس في قراراتهم ومواقفهم، رجال دولة يبنون مستقبلًا ثابتًا لوطنهم، ويحفظون كرامة الإنسان، ويصونون رسالة لبنان ودوره وتاريخه.
نصلي لكي تنجح المفاوضات والمباحثات الجارية، ولكي يستلهم كل من له دور في الشأن اللبناني، في الداخل والخارج، روح الحكمة والتمييز والمسؤولية. فكل من يصنع خيرًا للبنان، يكون شريكًا في خيراته واستقراره وازدهاره، لأن استقرار لبنان خير لكل من يرتبط به ويؤمن برسالته ودوره. وبأمن لبنان يستقر الآخرون أيضًا، وبسلامه يطمئن الكثيرون. أما من يصنع الشر للبنان، أو يتآمر على وحدته واستقراره، فإنه يبقى أسير عزلته وجحيمه، لأن الشر لا يبني وطنًا، ولا يصنع مستقبلًا، ولا يمنح سلامًا. ولهذا، مهما اشتدت الظروف، يبقى لبنان بحياده رسالة حضارة ولقاء وانفتاح، ويبقى وطنًا يحفظه اعتداله ودوره الحرّ ورسالة العيش المشترك التي يحملها إلى هذا الشرق والعالم. فالروح القدس هو روح الوحدة لا الانقسام، وروح الحقيقة لا التلاعب، وروح السلام لا الفوضى.
5. زارنا بالأمس وفد من "هيئة فعاليات بيروت" عرضوا علينا سلسلة من الهواجس والمشكلات التي تعيشها العاصمة على المستويات الإنمائية والاجتماعية والبيئية والديموغرافية، بالإضافة إلى ملفات النزوح والفوضى والفساد وتضارب الصلاحيات داخل المجلس البلدي. فكانت الصرخة التالية: بيروت العاصمة هي وجه لبنان وذاكرته ورسالته. فحين تتألم بيروت، يتألم الوطن كله، وحين تتعب العاصمة يتعب القلب اللبناني. إن ما نراه اليوم من فوضى وفقر وإهمال وخوف على هوية هذه المدينة، يدعونا جميعًا إلى وقفة ضمير ومسؤولية.
بيروت لم تبن على الكراهية ولا على الإقصاء، بل بنيت على العيش المشترك والثقافة والانفتاح واحترام الإنسان. هي المدينة التي احتضنت الجميع، وفتحت ذراعيها لكل محتاج ومتألم، لكن لا يجوز أن تترك وحدها تحمل أعباء الجميع من دون خطة ولا رؤية ولا دولة حاضرة. إن إنقاذ بيروت لا يكون بالخطابات، بل بتوحيد الجهود ووقف الفوضى وإعادة الاعتبار للقانون والمؤسسات، وبحماية الإنسان وكرامته وحفظ هوية العاصمة ووجهها الحضاري. نريد بيروت مدينة الحياة لا مدينة الخوف، مدينة الثقافة لا مدينة الفوضى، مدينة اللقاء لا مدينة الانقسام. وهذه مسؤولية الجميع: الدولة والمسؤولين والمجتمع المدني وكل مواطن يحب لبنان.
نصلي اليوم من أجل بيروت، لتبقى وردة الشرق، ومساحة الحرية والعيش المشترك، وشاهدة على أن لبنان، رغم جراحه، ما زال قادرًا أن ينهض من جديد، بقوّة الله الواحد والثالوث، الآب والابن والروح القدس، له المجد إلى الأبد، آمين.

 

Posted byKarim Haddad✍️

دريان في رسالة الأضحى: لجوء الدولة للتفاوض من أجل وقف النار عمل سياسي يستحق الترحيب
May 25, 2026

دريان في رسالة الأضحى: لجوء الدولة للتفاوض من أجل وقف النار عمل سياسي يستحق الترحيب

وجه مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، رسالة الى اللبنانيين من مكة المكرمة لمناسبة حلول عيد الأضحى، وجاء فيها: "الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمدٍ ذي الأنوارِ الساطعة، وعلى آلِ بيتِه الطاهرين وصحابتِه الطيبين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين .

قال الله سبحانه وتعالى في سورة الحج : {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}

يَرتبِطُ الأضحى بالحجِّ وبالتَّضحية. وفي الوقتِ الذي يَمضِي فيه إخوان كثيرون للحجِّ طَوَافًا وسعيا وَوُقُوفًا بِعَرَفَة، وَسَعيًا بينَ الصَّفا والمَروَة، رَافِعِينَ الصَّوت: لبَّيكَ اللهُمَّ لبَّيك، لبَّيكَ لا شريكَ لكَ لبَّيك، إنَّ الحَمدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلك، لا شريكَ لك، يتلبَّثُ الأكثرون مِنَّا في لبنانَ وفِلسطين تحتَ وَطأةِ المُعاناةِ والغَزو، والقَتلِ والتَّهجير.

جاءَ في القرآنِ الكريم: {اِصبِروا وصَابِروا ورابِطوا واتَّقوا اللهَ}  إنَّما يا ربَّ العالَمين، يا غفورُ يا رحيم، يكادُ الاحتِمالُ يَستَعصِي، والصَّبرُ لا يَستَجيبُ بَعدَ هذه السَّنَواتِ الطِّوالِ مِنَ الأهوالِ على الأرواحِ والعُمرانِ، والطُّفولةِ البريئةِ، وحيواتِ الهُروبِ واللجوء، والعَيشِ في البؤسِ والخَراب".

أضاف: "في مِثلِ ظُروفِنا يَلجأُ النَّاسُ إلى سُلُطاتِهم ودُوَلِهِم وركائزِهمُ الاجتِماعِيَّةِ والأخلاقِيَّة، والجِهاتِ الحَامِية، لكِنَّ السُّلُطاتِ تَعجِزُ والعدُوُّ لا يَرحَم، والوَحَداتُ الاجتِماعِيَّةُ تَتَخَلخَلُ، ويَصيرُ هناكَ تَهديدٌ وُجُودِيٌّ ليسَ لِلدُّوَلِ والأوطانِ فقط، بل ولإنسانِيَّةِ الإنسان.

سواءٌ في حالتِنا – نحن في لبنان – أو في حالةِ غزَّةَ وَفِلسطين، حيثُ لا يُمكِنُ بالطَّبعِ الاعتِمادُ غلى تَقديراتِ العَدُوِّ واعتِباراتِه، لا يَبقَى إلا أنْ نُفَكِّرَ في ما نَستطيعُه وما لا نَستطيعُه نحن لِجِهةِ تَجَنُّبِ الأذى، ولِجِهةِ الاحتِفاظِ بالتَّماسُكِ والتَّفَكُّرِ في عَيشِنا وأطفالِنا ومُستَقبلِنا. ما عادَ أحَدٌ مِنَّا مُقتَنِعًا بالأساليبِ المُنتَهَجَةِ في مُواجَهَةِ العَدُوّ، أو في استِجلابِ العَونِ والتَّضَامُن. إذ في كُلِّ مُواجَهةٍ نَخسرُ المَزيدَ مِنَ الأرضِ، وَمِنَ الأرواحِ، ومِنْ مُتَطَلَّباتِ الاستِقرارِ والسَّكينةِ، وسلامةِ الشَّرفِ والكَرامَة، فضلًا عَنِ الأمنِ والسِّيادة".

وتابع دريان: "لقد تَكَرَّرَ ذلكَ في حُروبٍ عِدَّة، تبدأُ مِن جانبٍ أو أكثرَ مَحسوبٍ علينا. وتنتهي بِوقفٍ للنَّارِ بَعدَ خرابٍ كبير، وقَتْلٍ مريع. هو أُسلوبٌ مَكررٌ أصبَحَ عَبَثِيًّا يَتَسَبَّبُ بِهَلاكِ الإنسانِ والعُمرانِ كما سَبَق، وهذا إلى احتلالِ الأرض. وما دامَ هذا الأسلوبُ غَيرَ مُوَفَّق، وَنَتَائجُهُ دائمًا كارثِيَّةٌ فَيَنْبَغِي تَغييرُه، ولهذا نَجِدُ أنَّ لُجوءَ الدَّولةِ للتَّفاوُضِ مِن أجلِ وَقفِ النَّار وانسِحابُ المُحتَلِّ هو عملٌ سياسِيٌّ ودِينيٌّ يستَحِقُّ التَّرحيبَ، لأنَّه يُخَفِّفُ مِنَ الخَسائرِ وَمِنَ المُعاناةِ، وَيَعِدُ بإعادةِ أهلِ الجنوبِ إلى قُراهم وبلَداتِهِم. وإذا قيلَ إنَّ في ذلِكَ تَنازلًا واعْتِرافًا بِالعَدُوّ، فنحن واهمون لأنَّنَا نحن أصحابَ المَصلحةِ في وَقْفِ القَتْلِ والقِتال، وإذا لم يَحْدُثْ ذلكَ بالحَرب فَلْيَحْصُلْ بالتَّفاوُض، لذا ينبغي اجتراح الحلول والمخارج لمصلحة لبنان واللبنانيين، انطلاقا من ذلك ندعو الى صحوة ضمير لإنقاذ الوطن". 

وأكد ان "دار الفتوى مع العهد والحكومة ورئيسها لتنفيذ ما جاء في خطاب القسم والبيان الوزاري لإخراج لبنان مما هو فيه من أزمات، والسلاح خارج اطار الدولة يؤدي الى اختلال في التوازن ويضعف مؤسسات الدولة، والجيش اللبناني مسؤوليته حماية الوطن والمواطن. نحن أهلَ المُؤسَّساتِ الدِّينِيَّة لَسنا مسؤولين سياسيِّين أو عَسكريِّين لكن ماذا نقولُ لِلنَّاسِ الكثيرين الذين يَقصِدُوننا مُتَظَلِّمين أو باحِثين عن إغاثَةٍ ونَجدة. وهؤلاءِ يسألون دائمًا: إلى متى؟ وإلى ماذا المَصِير؟ ومتى يَحلُّ السِّلمُ أخيرًا؟ وبعدَ تَردُّدٍ كثيرٍ صِرنا نقولُ لِلمُواطِنين المَنكوبين: سَيَظَلُّ خَطَرُ الاضْطِراب والحُروبِ قائمًا حتى يَنحَصِرَ السِّلاحُ بيدِ الدَّولة، وَتَصبِحَ الدَّولةُ هي المَسؤولةَ عن قرارِ الحربِ والسِّلم. وَتَصَوَّرُوا أنَّ هذا الهَلاكَ الحاصِلَ الآنَ هو إحدى نِتَاجِ أنَّ قرارَ الحربِ والسِّلمِ ليسَ بيدِ الدَّولة، وهو كذلِكَ مُنذُ عُقودٍ وَقَعَتْ فيها حُروبٌ عِدَّة تَسبَّبَتْ بما نحن فيه الآن".

وقال: "يا حُجَّاجَ بيتِ اللهِ الحرام، المُناسبَةُ مُناسبَتُكم، وأنتم في سبيلِ أداءِ الفريضةِ تتحمَّلون مشاقًّا كُبرى. ويَصِفُ القرآنُ الكريمُ هذه تلكَ المَشَقَّةَ مِن خلالِ النَّصِّ على المَجيءِ إلى رُبوعِ البيتِ الحرام "مِن كُلِّ فَجٍّ عميق" وإنَّنا إذ نُحيِّي جُهدَكُم الكبيرَ في أداءِ العِبادة، نَرغَبُ إليكم أن تَتَضَرَّعوا إلى الكريمِ المَنَّانِ في رِحابِ البيتِ الحرامِ بأنْ يَمُنَّ على أوطانِنا وإنسانِنا بالسَّلامِ المُفتَقَد، وبِالطُّمَأنينةِ المُنتَقَصَة، وبِسكينةِ الأمنِ والأمان.

بالطَّبعِ بيننا أخيارٌ وأشرارٌ، بَيدَ أنَّ التَّلاعُنَ والتَّبرُّؤَ غيرُ مَطلوبٍ، وغيرُ مُفيد. إنَّما مِنْ جِهةٍ أُخرى فإنَّ الابتِزَازَ بِالتَّهديدِ بِالفِتنةِ كُلَّما عَبَّرَ إنسانٌ عن رأيهِ غيرُ مُفيدٍ أيضًا، فدُعاةُ الابتِزازِ بالفِتنةِ يُريدُونَنَا أنْ نُسلِّمَ بِالاسْتِئثارِ بِقرارِ الحربِ الذي جَلَبَ الويلات. ويَستَمِرُّ الحالُ على هذا المِنوالِ إنْ لم يَرتَفِعِ الصَّوتُ ضِدَّ الحربِ وَمَعَ الدَّولةِ العادِلةِ والقوِيَّة التي تَظَلُّ أقوى رَغَباتِها ومَساعِيها إنهاءُ الحربِ، وتَحريرُ الأرضِ، وحياةُ الإنسان، وصُنعُ السَّلام".

وأردف: "في القرآنِ الكريم، والاعتِقادِ الإسلاميِّ أنَّ إبراهيمَ وابنَه  إسماعيلَ عليهما السَّلامُ هما اللذانِ بنيا البيتَ الحرامَ ليكونَ مثابة لِلنَّاسِ وأمْنًا. والذي نسألُه سُبحانَه وتعالى وتَسْألونه أنتمُ الحُجَّاجُ أنْ يُصبِحَ الأمنُ المَكِّيُّ أمنًا لجميعِ البشرِ في أزمِنةِ الصَّخَبِ والحروب. فقد جاءَ الإسلامُ لِتَحقيقِ سلامِ العالَمِ باسمِ الله، وهو اسمٌ مِن أسمائه الحُسنى عزَّ وجلّ. نعم لا تبقى الأوطانُ إلا بالسَّلام، وبذلكَ تُصبحون أنتُمُ الحُجَّاجُ رُسُلًا ودُعاةً لِلسَّلامِ والعيشِ المُشترك".

وختم المفتي دريان: "نَسألُ اللهَ لكم حجًّا آمٍنًا، ونَسألُه عَزَّ وجلَّ الأمنَ والسَّلامَ لأوطانِنَا وإنسانِنا، وَصِغَارِنا وَكِبَارِنا، فهوَ سُبحانَه وَتَعالى السَّلامُ المُؤمِنُ المُهَيمِنُ العزيزُ الجَبَّارُ ربُّ الرَّحمةِ والنِّعمة. رِسالةُ الأضحى هي رِسالةُ سلامٍ ينبغي أنْ يَحلَّ في النُّفوسِ والرُّبوع: { فأمَّا الزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفاءً ، وأمَّا ما يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمكُثُ في الأرض } صدق اللهُ العظيم، وكُلُّ حَج وكُلُّ أضحى وأنتم أيها المواطنون الأعزَّاءُ بخيرٍ وأمنٍ ورحمة".

 

البطريرك العبسي: نرتفع صلاتنا إلى الله تعالى لكي يرسل إلينا روحه القدّوس
May 25, 2026

البطريرك العبسي: نرتفع صلاتنا إلى الله تعالى لكي يرسل إلينا روحه القدّوس

رأس بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيّين الكاثوليك يوسف العبسي الليترجيّا الإلهيّة بمناسبة أحد العنصرة في كاتدرائية القديسة ريتا - جبيل عاونه متروبوليت بيروت وجبيل وتوابعهما المطران جورج بقعوني وخادم الرعية  الأب شربل ناصيف خادم الرعيّة و الأرشمنديت يوسف شاهين والأب نقولا بسترس بحضور المطران ميشال عون  راعي أبرشيّة جبيل المارونيّة، والنائب زياد الحواط ، قائمقام جبيل  نتالي مرعي الخوري رئيس رابطة الروم الكاثوليك القنصل غابي أبو رجيلي، رؤساء بلديات ومخاتير  وممثلين عن الهيئات السياسيّة والحزبيّة والاداريّة والقضائيّة والبلديّة والاختياريّة والاعلاميّة وحشد من المؤمنين.                                                                                                                                                

وبعد الانجيل المقدس القى العبسي عظة اشار فيها الى إنّ وجود الروم الملكيّين الكاثوليك في بلاد جبيل ليس حديثًا. وأوّل كنيسة لنا هنا تعود مع الأنطش إلى أواسط القرن الثامن عشر ابتاعهما الرهبان الشويريّون. وفي عام 1768، قام البطريرك ثيودوسيوس برسامة الراهب الشويري ديمتريوس قيومجي مطرانًا على جبيل وتوابعها. إلّا أنّ الظروف قضت مع الأيّام بأن تُضمّ هذه الأبرشيّة إلى أبرشيّة بيروت، وتمّ من ثمّ شراء هذا العقار عام 1999، وبوشر العمل في بناء بيت الكاهن وقاعة الرعيّة والكنيسة تحت شفاعة القدّيسة ريتا.               

وقال: ها نحن نحتفل اليوم بعيد القدّيسة ريتا المعروفةِ خصوصًا بأنّها شفيعة الأمور المستحيلة إذ إنّ المسيحيّين يخصّونها بالتكريم ويلجأون إلى شفاعتها في كثير من الأحيان حين تستعصي الأمور عليهم. إلاّ أنّ لقب "شفيعةَ الأمور المستحيلة" الذي اشتهرت به قدّيستنا يطرح تساؤلًا، بالرغم من شيوعه ورسوخه، ويستدعي توضيحًا. هل في الحياة المسيحيّة أمور مستعصية مستحيلة وأمور سهلة ممكنة؟ وهل في القدّيسين والقدّيسات من هم متخصّصون أو قادرون على الشفاعة في بعض الأمور ومَن هم غير متخصّصين ولا قادرين؟
 على هذا السؤال يجيبنا الإنجيل المقدّس أنّ كلّ شيء هو مستطاع وممكن ويسير عند الله. 

لا بل هناك ما هو أبعدُ من ذلك. نحن نعلم أنّ المسيحيّ هو إنسانُ ما بعدَ التجسّد والقيامة، أي الإنسانُ المتألّه، الإنسانُ المتّحد بالله، الإنسان الذي يحيا الله فيه، الإنسانُ الذي يعمل الروحُ القدس فيه، الإنسانُ الذي بلغ إلى ملء قامة المسيح. المسيحيّ هو بالتالي الإنسان الذي لا يَعدّ شيئًا مستحيلاً، ولا يؤمن بالمستحيل. فإذا كان نابليون قال ليس لكلمة مستحيل مكانٌ في المعجم الفرنسيّ، كيف يسع المسيحيّ أن يتكلّم عن المستحيل ويُفرد له مكانًا في قاموسه وفي حياته؟ 

إنّ ما امتازت به القدّيسة ريتا، أي الطريق التي سارت فيها لبلوغ القداسة، هو عفّتها وتجرّدها عن المال وصبرها على المحن ، في ظروف كانت من القساوة والصدّ بحيث إنّ ممارسة قدّيستنا لهذه الفضائل ظهرت أمرًا مستغربًا مستعصيًا مستحيلاً. وإنّ ما امتازت به القدّيسة ريتا كان أيضًا إيمانها بالله وطاعتها له من خلال طاعتها لرؤسائها، بحيث إنّ هذه الطاعة تجلّت هي كذلك أمرًا غريبًا مستحيلاً، لاسيّما عندما أُمرت هذه القدّيسة بسقاية عود يابس ميت ما لبث أن أزهر وأينع. لكن هل من عجب في هذا الإيمان إذا ما تذكّرنا قول يسوع: كلّ شيء ممكن للمؤمن ؟ هذا النهج في السعي إلى القداسة هو الذي استجلب للقدّيسة ريتا لقب "شفيعة الأمور المستحيلة".

ونحتفل اليوم أيضًا بحلول الروح القدس أو العنصرة. كان السيّد المسيح قبيل آلامه وموته قد طمأن الرسل الخائفين والحزانى ووعدهم بأنّه لن يدعهم يتامى (يوحنّا 14: 18)، بل سوف يرسل إليهم الروح القدس قائلاً: "متى انطلقت فإنّي أرسله (المعزّي) إليكم...فمتى جاء هو، روح الحقّ، فإنّه يرشدكم إلى الحقيقة كلّها" (يوحنّا 16: 5-15) "وهو يعلّمكم كلّ شيء ويذكّركم جميع ما قلت لكم" (يوحنّا 14: 26). وكان من قبلُ قال للناس المتحلّقين حوله: "إذا كنتم، وأنتم أشرار، تعرفون أن تُعطوا أولادكم ما هو حسنٌ، فكم بالحريّ أبوكم السماويّ يُعطي الروحَ القدسَ للذين يسألونه؟" (لوقا 11: 13). نستنتج من هذا الكلام أنّ الروح القدس هو عطيّة، موهبة من الله تعالى، وهو أجمل وأعظم عطيّة في وسع الله أن يُهديها إلى البشر، ذلك أنّ الروح القدس هو الله نفسه. فإنّ الله بعطائه لنا الروحَ القدس يعطينا ذاته. وحلول الروح القدس لا يعني أنّ الله أعطانا ذاته وحسب، بل  يعني أيضًا أنّ الله  حاضر معنا منذ الآن بروحه القدّوس، يعني أنّ الروح القدس هو حضور الله الدائمُ والأبديّ بيننا وهو علامة حبّه الدائمِ والأبديّ لنا في الوقت عينه.

في العهد القديم أنزلت الشريعة على موسى في اليوم الخمسين، الشريعةُ اليهوديّة التي كتبت على لوحين من حجر. أمّا اليوم، في عيد الخمسين، فقد نزل الروح القدس علينا جميعًا، نزل واضعُ الشريعة نفسه، ولم يعد حضوره فيما بيننا بواسطة شريعته، أي بواسطة أوامر ونواهٍ، بل أصبح حضوره حضورًا شخصيًّا، حضورَ أب يحبّ أبناءه بقلبه وأحشائه. وهذا ما تنبّأ به النبيّ حزقيال إذ قال: "أُعطيكم قلبًا جديدًا، وأَجعل في أحشائكم روحًا جديدًا، وأنزِع من لحمكم قلبَ الحجر، وأُعطيكم قلبًا من لحم، وأجعل روحي في أحشائكم" (36: 24-28). أجل صار الله ساكنًا فينا بالروح القدس، صار في أحشائنا أي في أعمق أعماقنا، وهو الذي يهبنا النِّعم ويفعل فينا كلّ عمل صالح. 

وإنّ الروح القدس، بحضوره معنا، قد أنشأ الكنيسة. يخبرنا كتاب أعمال الرسل أنّ الرسل، قبل حلول الروح القدس، كانوا مجتمعين "كلّهم معًا في المكان عينه" (أع 1: 2). إلاّ أنّ اجتماعهم في ذلك الحين كان مجرّد تجمّع أو جماعة كأيّ جماعة بشريّة، ولم يكن كنيسة. لكن عندما نزل عليهم الروح القدس وصار فيما بينهم أصبحوا كنيسة. وبين الكنيسة والجماعة فرق. فإنّ الكنيسة ليست، في حقيقتها وجوهرها، تجمّعَ أفراد أرادوا العيش أو العمل معًا؛ وليست الكنيسة مؤسّسة مثلَ سائر المؤسّسات البشريّة؛ وليست الكنيسة من صنع الناس وما تأسّست بقرار منهم؛ وليست الكنيسة مجموعة من الناس لهم الأفكار والعقائد نفسها، وحتّى الإيمانُ الواحد. إنّ الكنيسة هي جسد المسيح السرّيّ، نشأت عندما حلّ الروح القدس على الرسل، عندما أصبح بينهم ومعهم وفي قلبهم و"أحشائهم"، عندما قدّسهم، أي جعل منهم جماعة تخصّه وتحيا من حياته. وهذا ما نعلنه في قانون إيماننا عندما نقول إنّنا نؤمن بكنيسة مقدّسة رسوليّة.

ثمّ إنّ الروح القدس الذي حلّ على الرسل، قد حلّ عليهم "مجتمعين معًا في المكان عينه"، أي قد حلّ عليهم على أنّهم جماعةٌ وليس أفرادًا. هذا يعني أنّ الكنيسة ليست أفرادًا تُجمَع بعضها إلى بعض كما تُجمَع الأعداد والأرقام، بل هي كنيسة واحدة تتألّف من أعضاء متماسكين لا يكون الواحد من دون الآخر. وإذا ما حلّ الروح القدس على واحد من هؤلاء الأعضاء فبصفة هذا العضو عضوًا من الكنيسة. وهذا ما نعلنه أيضًا في قانون إيماننا حين نقول إنّنا نؤمن بكنيسة واحدة جامعة، أي بكنيسة نجتمع كلّنا فيها في الوحدة، على غرار ما يجتمع الله الثالوث في الوحدة.
نحن اليوم نعيّد لحلول الروح القدس على الرسل وعلى الكنيسة. وهذا الروح هو وحده الصانع الأمورَ الغريبة المستحيلة أو بالحريّ المحوّل إلى ممكن ما يراه البشر مستحيلاً. هو الصانع الأمورَ العظيمة إلى مريم العذراء كما أعلنت هي نفسها لأليصابات. وهو الذي حوّل الرسل من جهلاءَ إلى حكماء ومن خائفين إلى شجعان ومن ضعفاءَ إلى أقوياء... هو صانع القداسة في الكنيسة وموزّع النعم، وهو الذي بعث القداسة في القدّيسة ريتا.

لذلك ترتفع اليوم صلاتنا إلى الله تعالى لكي يرسل إلينا روحه القدّوس، فيقدّسَنا كما قدّس ريتا من قبلنا، ويصنعَ بنا العظائم كما صنع بالعذراء، ويقوّيَ إيماننا كما فعل لتوما، ويثبّتنا كما ثبّت الرسل، فنتمكّنَ من الشهادة له شهادة ناصعة، ونتحوّلَ إلى نور للعالم وملح للأرض، لكي يعلم الكلّ أنّ الله القدير ليس عليه أمر مستحيل بل كلّ الأمور له ممكنة، إن كان لنا نحن إيمان ولو بمقدار حبّة الخردل.

إنّ لقاءنا اليوم، وقد وقع في عيدِ العنصرة، هو شبيه بهذه العنصرة. فكنيستنا هذه التي اعتدنا أن نلتقي ونصلّي فيها هي تلك العلّيّة التي اعتاد الرسل أن يجتمعوا ويصلّوا فيها؛ وكما كان هؤلاء الرسل كلّهم معًا يصلّون حين حلّ عليهم الروح القدس كذلك نحن الآن كلّنا معًا بقلب واحد وفم واحد نصلّي لكي يحلّ علينا الروح القدس؛ وكما أنّ الروح القدس قد جعل من جماعة الرسل كنيسة واحدة، كذلك هذا الروح عينه هو الذي يجمعنا اليوم في رعيّة واحدة، في كنيسة مصغّرة.