Tuesday, 26 May 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
البطريرك الراعي في إطلاق "مسيرةَ القداسة": المرأةُ المارونيّةُ حارسةُ الهويّةِ وصانعةُ الفضائل

البطريرك الراعي في إطلاق "مسيرةَ القداسة": المرأةُ المارونيّةُ حارسةُ الهويّةِ وصانعةُ الفضائل

May 23, 2026

المصدر:

الوكالة الانباء المركزية

شهدَ الصرحُ البطريركيّ في بكركي لقاءً راعويًّا وثقافيًّا نظّمه مكتبُ راعويّةِ المرأةِ في الدائرةِ البطريركيّةِ المارونيّة – بكركي، دعا من خلاله إلى المشاركةِ في إعلانِ ورقةِ العملِ بعنوان: «الفضائلُ المارونيّة: مسيرةٌ إلى القداسة»، برعايةٍ وحضورِ البطريرك الماروني.

وأُقيمَ اللقاءُ على مسرحِ الصرحِ البطريركيّ، بحضورِ شخصيّاتٍ روحيّةٍ وثقافيّةٍ واجتماعيّة، إلى جانبِ كهنةٍ وراهباتٍ وفاعليّاتٍ راعويّةٍ وتربويّةٍ ومهتمّينَ بالشأنِ الكنسيّ والراعويّ، في إطارِ مسيرةٍ تهدفُ إلى إعادةِ قراءةِ التراثِ الروحيِّ المارونيّ بلغةٍ معاصرةٍ تُخاطبُ إنسانَ اليوم.

واستُهلَّ بكلمةٍ ترحيبيّةٍ للإعلاميّة أوغيت سلامة، رحّبت فيها بالحضور، وقدّمت الراعي، متوقّفةً عندَ أهمّيّةِ هذه المبادرةِ في زمنٍ تحتاجُ فيه الكنيسةُ إلى إعادةِ إحياءِ القيمِ الروحيّةِ والإنسانيّة، كما شدّدت على أنّ تطويبَ البطريرك الياس الحويّك يشكّلُ علامةَ رجاءٍ ونورٍ للكنيسةِ ولبنان.

وتناولَ اللقاءُ كلمةً منسقة المكتب الدكتورة ميرنا مزوق، عرضت فيها مضمونَ ورقةِ العملِ «الفضائلُ المارونيّة: مسيرةٌ إلى القداسة»، مؤكّدةً أنّ الهدفَ من هذه المبادرةِ هو الانتقالُ من الفكرِ النظريّ إلى عيشِ الفضائلِ في الحياةِ اليوميّة، ضمنَ مسيرةٍ كنسيّةٍ وروحيّةٍ متجذّرةٍ في التراثِ المارونيّ ومنفتحةٍ على تحدّياتِ العصر.

وشدّدت مزوق على أنّ الوثيقةَ تنطلقُ من مفهومِ السينودسيّة، أي الإصغاءِ والمشاركةِ والعملِ المشترك، بحيثُ تكونُ المرأةُ شريكةً فعليّةً في الرسالةِ الكنسيّة، لا عنصرًا هامشيًّا أو ثانويًّا، مؤكّدةً أنّ المرأةَ المارونيّة لعبت عبرَ التاريخِ دورًا أساسيًّا في نقلِ الإيمانِ والقيمِ وحمايةِ العائلةِ والهويّة.

وأوضحت أنّ العملَ على الوثيقةِ ارتكزَ على مجموعةِ محاورَ أساسيّة، أبرزُها: التنشئة، والتواصل، ودورُ المرأةِ الشابّة، وربطُ التراثِ المارونيّ بالحياةِ المعاصرة، مشيرةً إلى أنّ الفضائلَ التي عاشها الموارنةُ عبرَ تاريخِهم، كالفقرِ الإنجيليّ، والطاعة، والعفّة، والنُّسك، والتعلّقِ بالأرض، ليست قيمًا ماضيّةً فقط، بل حاجةٌ إنسانيّةٌ وروحيّةٌ للإنسانِ اليوم.

وأضافت أنّ الوثيقةَ لا تهدفُ إلى إنشاءِ لجانٍ شكليّة، بل إلى خلقِ مسارِ عملٍ حيٍّ داخلَ الأبرشيّات والرعايا والعائلات، يُعيدُ للإنسانِ علاقتَه بجوهرِ الإيمانِ ويُترجمُ القيمَ المسيحيّةَ إلى ثقافةِ حياةٍ وشهادةٍ ورسالة.

وتناولَ اللقاءُ الفضائلَ الأساسيّةَ التي تُشكّلُ جوهرَ الحياةِ المسيحيّة، وهي: الفقرُ، والعفّةُ، والطاعةُ، والنُّسكُ، والتعلّقُ بالأرض، انطلاقًا مِن رؤيةٍ تؤكّدُ أنّ هذه الفضائلَ ليست مجرّدَ أفكارٍ نظريّةٍ أو ممارساتٍ شكليّة، بل مسارُ تحرّرٍ داخليٍّ يقودُ الإنسانَ إلى الحرّيّةِ الحقيقيّةِ والشهادةِ للإنجيل.

وأكد المشاركونَ أنّ الفقرَ الإنجيليَّ لا يعني الحرمانَ أو البؤس، بل التحرّرَ مِن عبوديّةِ المالِ والمظاهر، فيما تعبّرُ العفّةُ عن وحدةِ الإنسانِ الداخليّةِ وانفتاحِه الأخلاقيّ، وتُعيدُ الطاعةُ الاعتبارَ إلى الإصغاءِ والشراكةِ وروحِ الجماعة، أمّا النُّسكُ فهو دعوةٌ إلى الاعتدالِ والتوازنِ الداخليّ، لا إلى الانغلاقِ أو رفضِ الفرح.

كما توقّفَ اللقاءُ عندَ معنى التعلّقِ بالأرضِ، باعتبارهِ ارتباطًا بالهويّةِ والذاكرةِ والتاريخِ والجذورِ والإيمانِ المعيَش، لا مجرّدَ ارتباطٍ جغرافيٍّ أو عاطفيّ، بل علاقةً حيّةً بالأرضِ التي حملتِ الإيمانَ والتراثَ والقداسةَ عبرَ الأجيال.

وخلالَ اللقاء، جرى عرضُ شهادةٍ مصوّرةٍ للأختِ دومينيك الحلبي، تحدّثت فيها بعفويّةٍ عن بدايةِ مسيرةِ راعويّةِ المرأة، وكيف التقت بالراعي الذي طلب منها استلامَ هذه الرسالة، إضافةً إلى المراحلِ الأولى للعملِ مع مجموعةٍ من السيّدات اللواتي رافقنَ هذه المبادرةَ منذ انطلاقتها.

وفي كلمتِه، هنّأ الراعي الكنيسةَ المارونيّة ولبنان والرهبانيّاتِ المارونيّة بتطويبِ البطريرك الياس الحويّك، معتبرًا أنّه "مؤسّسُ لبنان الكبير، ومؤسّسُ الرهبنة، والرجلُ الذي يسطعُ كشمسٍ ملهمةٍ للفضائلِ والمسؤوليّة".

كما أثنى على العملِ الذي قام به مكتبُ راعويّةِ المرأة، مشيدًا بالجدّيّةِ التي عالجت بها الوثيقةُ موضوعَ الهويّةِ المارونيّة والفضائلِ الروحيّة، وقال مبتسمًا: "بعد هذا العملِ الرائع، ما هو دورُ الرجل بعد اليوم؟".

وأكد أنّ المرأةَ هي التي تنقلُ الهويّةَ والقيمَ في مختلفِ حالاتِ الحياة، سواءٌ كانت أمًّا أو زوجةً أو جدّةً أو أختًا أو عاملةً أو مكرّسة، مشيرًا إلى أنّ المرأةَ "تُعلّمُ الرجلَ الفضائلَ التي تعيشُها".

وأضاف أنّ الوثيقةَ تشكّلُ "رحلةً للوصولِ إلى الهويّةِ المارونيّة"، لأنّ الإنسانَ لا يستطيعُ أن يعيشَ هويّتَه ما لم يعرفها أولًا، مشيدًا بربطِ فضائلِ مار مارون بالحياةِ اليوميّةِ المعاصرة، ومؤكدًا أنّ الفضائلَ المارونيّة ليست للرهبانِ فقط، بل للشعبِ المارونيّ كلّه.

وفي ختامِ اللقاء، سلّمت الدكتورة ميرنا مزوق صاحبَ الغبطة وثيقةَ العمل، قبل أن تُوجَّه الدعوةُ إلى السيّدات العاملاتِ في راعويّةِ المرأة والسيّدات الشابّات، لاستلامِ الوثيقة والانطلاقِ في العملِ من خلالها داخلَ الأبرشيّات والرعايا.

كما دعا القيّمونَ على هذا العملِ إلى التفاعلِ مع الوثيقةِ عبرَ القراءةِ الشخصيّةِ، والنقاشِ الجماعيّ، والمشاركةِ في مسيرةِ التفكيرِ والحوارِ والتجديد، مؤكدينَ أنّ الهدفَ ليس إصدارَ وثيقةٍ إضافيّة، بل إطلاقُ ديناميّةٍ روحيّةٍ ورعويّةٍ تُعيدُ وصلَ الإنسانِ المعاصرِ بجوهرِ الإيمانِ المارونيّ ورسالتِه.

وشدّدَ المشاركونَ على أهمّيّةِ إعادةِ إحياءِ الفضائلِ والقيمِ المارونيّةِ الأصيلةِ وترسيخِها في الحياةِ الكنسيّةِ والعائليّةِ والاجتماعيّة، باعتبارِها طريقًا للشهادةِ والقداسةِ في عالمٍ يواجهُ أزماتٍ روحيّةً وأخلاقيّةً متزايدة، مؤكدينَ أنّ الكنيسةَ اليومَ مدعوّةٌ إلى تقديمِ شهادةٍ حيّةٍ وسطَ عالمٍ سريعِ التحوّل، مِن خلالِ فضائلَ تُترجَمُ في الحياةِ اليوميّةِ وتُعيدُ للإنسانِ معنى الرجاءِ والثباتِ والانتماءِ.

 

Posted byKarim Haddad✍️

دريان في رسالة الأضحى: لجوء الدولة للتفاوض من أجل وقف النار عمل سياسي يستحق الترحيب
May 25, 2026

دريان في رسالة الأضحى: لجوء الدولة للتفاوض من أجل وقف النار عمل سياسي يستحق الترحيب

وجه مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، رسالة الى اللبنانيين من مكة المكرمة لمناسبة حلول عيد الأضحى، وجاء فيها: "الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمدٍ ذي الأنوارِ الساطعة، وعلى آلِ بيتِه الطاهرين وصحابتِه الطيبين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين .

قال الله سبحانه وتعالى في سورة الحج : {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}

يَرتبِطُ الأضحى بالحجِّ وبالتَّضحية. وفي الوقتِ الذي يَمضِي فيه إخوان كثيرون للحجِّ طَوَافًا وسعيا وَوُقُوفًا بِعَرَفَة، وَسَعيًا بينَ الصَّفا والمَروَة، رَافِعِينَ الصَّوت: لبَّيكَ اللهُمَّ لبَّيك، لبَّيكَ لا شريكَ لكَ لبَّيك، إنَّ الحَمدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلك، لا شريكَ لك، يتلبَّثُ الأكثرون مِنَّا في لبنانَ وفِلسطين تحتَ وَطأةِ المُعاناةِ والغَزو، والقَتلِ والتَّهجير.

جاءَ في القرآنِ الكريم: {اِصبِروا وصَابِروا ورابِطوا واتَّقوا اللهَ}  إنَّما يا ربَّ العالَمين، يا غفورُ يا رحيم، يكادُ الاحتِمالُ يَستَعصِي، والصَّبرُ لا يَستَجيبُ بَعدَ هذه السَّنَواتِ الطِّوالِ مِنَ الأهوالِ على الأرواحِ والعُمرانِ، والطُّفولةِ البريئةِ، وحيواتِ الهُروبِ واللجوء، والعَيشِ في البؤسِ والخَراب".

أضاف: "في مِثلِ ظُروفِنا يَلجأُ النَّاسُ إلى سُلُطاتِهم ودُوَلِهِم وركائزِهمُ الاجتِماعِيَّةِ والأخلاقِيَّة، والجِهاتِ الحَامِية، لكِنَّ السُّلُطاتِ تَعجِزُ والعدُوُّ لا يَرحَم، والوَحَداتُ الاجتِماعِيَّةُ تَتَخَلخَلُ، ويَصيرُ هناكَ تَهديدٌ وُجُودِيٌّ ليسَ لِلدُّوَلِ والأوطانِ فقط، بل ولإنسانِيَّةِ الإنسان.

سواءٌ في حالتِنا – نحن في لبنان – أو في حالةِ غزَّةَ وَفِلسطين، حيثُ لا يُمكِنُ بالطَّبعِ الاعتِمادُ غلى تَقديراتِ العَدُوِّ واعتِباراتِه، لا يَبقَى إلا أنْ نُفَكِّرَ في ما نَستطيعُه وما لا نَستطيعُه نحن لِجِهةِ تَجَنُّبِ الأذى، ولِجِهةِ الاحتِفاظِ بالتَّماسُكِ والتَّفَكُّرِ في عَيشِنا وأطفالِنا ومُستَقبلِنا. ما عادَ أحَدٌ مِنَّا مُقتَنِعًا بالأساليبِ المُنتَهَجَةِ في مُواجَهَةِ العَدُوّ، أو في استِجلابِ العَونِ والتَّضَامُن. إذ في كُلِّ مُواجَهةٍ نَخسرُ المَزيدَ مِنَ الأرضِ، وَمِنَ الأرواحِ، ومِنْ مُتَطَلَّباتِ الاستِقرارِ والسَّكينةِ، وسلامةِ الشَّرفِ والكَرامَة، فضلًا عَنِ الأمنِ والسِّيادة".

وتابع دريان: "لقد تَكَرَّرَ ذلكَ في حُروبٍ عِدَّة، تبدأُ مِن جانبٍ أو أكثرَ مَحسوبٍ علينا. وتنتهي بِوقفٍ للنَّارِ بَعدَ خرابٍ كبير، وقَتْلٍ مريع. هو أُسلوبٌ مَكررٌ أصبَحَ عَبَثِيًّا يَتَسَبَّبُ بِهَلاكِ الإنسانِ والعُمرانِ كما سَبَق، وهذا إلى احتلالِ الأرض. وما دامَ هذا الأسلوبُ غَيرَ مُوَفَّق، وَنَتَائجُهُ دائمًا كارثِيَّةٌ فَيَنْبَغِي تَغييرُه، ولهذا نَجِدُ أنَّ لُجوءَ الدَّولةِ للتَّفاوُضِ مِن أجلِ وَقفِ النَّار وانسِحابُ المُحتَلِّ هو عملٌ سياسِيٌّ ودِينيٌّ يستَحِقُّ التَّرحيبَ، لأنَّه يُخَفِّفُ مِنَ الخَسائرِ وَمِنَ المُعاناةِ، وَيَعِدُ بإعادةِ أهلِ الجنوبِ إلى قُراهم وبلَداتِهِم. وإذا قيلَ إنَّ في ذلِكَ تَنازلًا واعْتِرافًا بِالعَدُوّ، فنحن واهمون لأنَّنَا نحن أصحابَ المَصلحةِ في وَقْفِ القَتْلِ والقِتال، وإذا لم يَحْدُثْ ذلكَ بالحَرب فَلْيَحْصُلْ بالتَّفاوُض، لذا ينبغي اجتراح الحلول والمخارج لمصلحة لبنان واللبنانيين، انطلاقا من ذلك ندعو الى صحوة ضمير لإنقاذ الوطن". 

وأكد ان "دار الفتوى مع العهد والحكومة ورئيسها لتنفيذ ما جاء في خطاب القسم والبيان الوزاري لإخراج لبنان مما هو فيه من أزمات، والسلاح خارج اطار الدولة يؤدي الى اختلال في التوازن ويضعف مؤسسات الدولة، والجيش اللبناني مسؤوليته حماية الوطن والمواطن. نحن أهلَ المُؤسَّساتِ الدِّينِيَّة لَسنا مسؤولين سياسيِّين أو عَسكريِّين لكن ماذا نقولُ لِلنَّاسِ الكثيرين الذين يَقصِدُوننا مُتَظَلِّمين أو باحِثين عن إغاثَةٍ ونَجدة. وهؤلاءِ يسألون دائمًا: إلى متى؟ وإلى ماذا المَصِير؟ ومتى يَحلُّ السِّلمُ أخيرًا؟ وبعدَ تَردُّدٍ كثيرٍ صِرنا نقولُ لِلمُواطِنين المَنكوبين: سَيَظَلُّ خَطَرُ الاضْطِراب والحُروبِ قائمًا حتى يَنحَصِرَ السِّلاحُ بيدِ الدَّولة، وَتَصبِحَ الدَّولةُ هي المَسؤولةَ عن قرارِ الحربِ والسِّلم. وَتَصَوَّرُوا أنَّ هذا الهَلاكَ الحاصِلَ الآنَ هو إحدى نِتَاجِ أنَّ قرارَ الحربِ والسِّلمِ ليسَ بيدِ الدَّولة، وهو كذلِكَ مُنذُ عُقودٍ وَقَعَتْ فيها حُروبٌ عِدَّة تَسبَّبَتْ بما نحن فيه الآن".

وقال: "يا حُجَّاجَ بيتِ اللهِ الحرام، المُناسبَةُ مُناسبَتُكم، وأنتم في سبيلِ أداءِ الفريضةِ تتحمَّلون مشاقًّا كُبرى. ويَصِفُ القرآنُ الكريمُ هذه تلكَ المَشَقَّةَ مِن خلالِ النَّصِّ على المَجيءِ إلى رُبوعِ البيتِ الحرام "مِن كُلِّ فَجٍّ عميق" وإنَّنا إذ نُحيِّي جُهدَكُم الكبيرَ في أداءِ العِبادة، نَرغَبُ إليكم أن تَتَضَرَّعوا إلى الكريمِ المَنَّانِ في رِحابِ البيتِ الحرامِ بأنْ يَمُنَّ على أوطانِنا وإنسانِنا بالسَّلامِ المُفتَقَد، وبِالطُّمَأنينةِ المُنتَقَصَة، وبِسكينةِ الأمنِ والأمان.

بالطَّبعِ بيننا أخيارٌ وأشرارٌ، بَيدَ أنَّ التَّلاعُنَ والتَّبرُّؤَ غيرُ مَطلوبٍ، وغيرُ مُفيد. إنَّما مِنْ جِهةٍ أُخرى فإنَّ الابتِزَازَ بِالتَّهديدِ بِالفِتنةِ كُلَّما عَبَّرَ إنسانٌ عن رأيهِ غيرُ مُفيدٍ أيضًا، فدُعاةُ الابتِزازِ بالفِتنةِ يُريدُونَنَا أنْ نُسلِّمَ بِالاسْتِئثارِ بِقرارِ الحربِ الذي جَلَبَ الويلات. ويَستَمِرُّ الحالُ على هذا المِنوالِ إنْ لم يَرتَفِعِ الصَّوتُ ضِدَّ الحربِ وَمَعَ الدَّولةِ العادِلةِ والقوِيَّة التي تَظَلُّ أقوى رَغَباتِها ومَساعِيها إنهاءُ الحربِ، وتَحريرُ الأرضِ، وحياةُ الإنسان، وصُنعُ السَّلام".

وأردف: "في القرآنِ الكريم، والاعتِقادِ الإسلاميِّ أنَّ إبراهيمَ وابنَه  إسماعيلَ عليهما السَّلامُ هما اللذانِ بنيا البيتَ الحرامَ ليكونَ مثابة لِلنَّاسِ وأمْنًا. والذي نسألُه سُبحانَه وتعالى وتَسْألونه أنتمُ الحُجَّاجُ أنْ يُصبِحَ الأمنُ المَكِّيُّ أمنًا لجميعِ البشرِ في أزمِنةِ الصَّخَبِ والحروب. فقد جاءَ الإسلامُ لِتَحقيقِ سلامِ العالَمِ باسمِ الله، وهو اسمٌ مِن أسمائه الحُسنى عزَّ وجلّ. نعم لا تبقى الأوطانُ إلا بالسَّلام، وبذلكَ تُصبحون أنتُمُ الحُجَّاجُ رُسُلًا ودُعاةً لِلسَّلامِ والعيشِ المُشترك".

وختم المفتي دريان: "نَسألُ اللهَ لكم حجًّا آمٍنًا، ونَسألُه عَزَّ وجلَّ الأمنَ والسَّلامَ لأوطانِنَا وإنسانِنا، وَصِغَارِنا وَكِبَارِنا، فهوَ سُبحانَه وَتَعالى السَّلامُ المُؤمِنُ المُهَيمِنُ العزيزُ الجَبَّارُ ربُّ الرَّحمةِ والنِّعمة. رِسالةُ الأضحى هي رِسالةُ سلامٍ ينبغي أنْ يَحلَّ في النُّفوسِ والرُّبوع: { فأمَّا الزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفاءً ، وأمَّا ما يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمكُثُ في الأرض } صدق اللهُ العظيم، وكُلُّ حَج وكُلُّ أضحى وأنتم أيها المواطنون الأعزَّاءُ بخيرٍ وأمنٍ ورحمة".

 

البطريرك العبسي: نرتفع صلاتنا إلى الله تعالى لكي يرسل إلينا روحه القدّوس
May 25, 2026

البطريرك العبسي: نرتفع صلاتنا إلى الله تعالى لكي يرسل إلينا روحه القدّوس

رأس بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيّين الكاثوليك يوسف العبسي الليترجيّا الإلهيّة بمناسبة أحد العنصرة في كاتدرائية القديسة ريتا - جبيل عاونه متروبوليت بيروت وجبيل وتوابعهما المطران جورج بقعوني وخادم الرعية  الأب شربل ناصيف خادم الرعيّة و الأرشمنديت يوسف شاهين والأب نقولا بسترس بحضور المطران ميشال عون  راعي أبرشيّة جبيل المارونيّة، والنائب زياد الحواط ، قائمقام جبيل  نتالي مرعي الخوري رئيس رابطة الروم الكاثوليك القنصل غابي أبو رجيلي، رؤساء بلديات ومخاتير  وممثلين عن الهيئات السياسيّة والحزبيّة والاداريّة والقضائيّة والبلديّة والاختياريّة والاعلاميّة وحشد من المؤمنين.                                                                                                                                                

وبعد الانجيل المقدس القى العبسي عظة اشار فيها الى إنّ وجود الروم الملكيّين الكاثوليك في بلاد جبيل ليس حديثًا. وأوّل كنيسة لنا هنا تعود مع الأنطش إلى أواسط القرن الثامن عشر ابتاعهما الرهبان الشويريّون. وفي عام 1768، قام البطريرك ثيودوسيوس برسامة الراهب الشويري ديمتريوس قيومجي مطرانًا على جبيل وتوابعها. إلّا أنّ الظروف قضت مع الأيّام بأن تُضمّ هذه الأبرشيّة إلى أبرشيّة بيروت، وتمّ من ثمّ شراء هذا العقار عام 1999، وبوشر العمل في بناء بيت الكاهن وقاعة الرعيّة والكنيسة تحت شفاعة القدّيسة ريتا.               

وقال: ها نحن نحتفل اليوم بعيد القدّيسة ريتا المعروفةِ خصوصًا بأنّها شفيعة الأمور المستحيلة إذ إنّ المسيحيّين يخصّونها بالتكريم ويلجأون إلى شفاعتها في كثير من الأحيان حين تستعصي الأمور عليهم. إلاّ أنّ لقب "شفيعةَ الأمور المستحيلة" الذي اشتهرت به قدّيستنا يطرح تساؤلًا، بالرغم من شيوعه ورسوخه، ويستدعي توضيحًا. هل في الحياة المسيحيّة أمور مستعصية مستحيلة وأمور سهلة ممكنة؟ وهل في القدّيسين والقدّيسات من هم متخصّصون أو قادرون على الشفاعة في بعض الأمور ومَن هم غير متخصّصين ولا قادرين؟
 على هذا السؤال يجيبنا الإنجيل المقدّس أنّ كلّ شيء هو مستطاع وممكن ويسير عند الله. 

لا بل هناك ما هو أبعدُ من ذلك. نحن نعلم أنّ المسيحيّ هو إنسانُ ما بعدَ التجسّد والقيامة، أي الإنسانُ المتألّه، الإنسانُ المتّحد بالله، الإنسان الذي يحيا الله فيه، الإنسانُ الذي يعمل الروحُ القدس فيه، الإنسانُ الذي بلغ إلى ملء قامة المسيح. المسيحيّ هو بالتالي الإنسان الذي لا يَعدّ شيئًا مستحيلاً، ولا يؤمن بالمستحيل. فإذا كان نابليون قال ليس لكلمة مستحيل مكانٌ في المعجم الفرنسيّ، كيف يسع المسيحيّ أن يتكلّم عن المستحيل ويُفرد له مكانًا في قاموسه وفي حياته؟ 

إنّ ما امتازت به القدّيسة ريتا، أي الطريق التي سارت فيها لبلوغ القداسة، هو عفّتها وتجرّدها عن المال وصبرها على المحن ، في ظروف كانت من القساوة والصدّ بحيث إنّ ممارسة قدّيستنا لهذه الفضائل ظهرت أمرًا مستغربًا مستعصيًا مستحيلاً. وإنّ ما امتازت به القدّيسة ريتا كان أيضًا إيمانها بالله وطاعتها له من خلال طاعتها لرؤسائها، بحيث إنّ هذه الطاعة تجلّت هي كذلك أمرًا غريبًا مستحيلاً، لاسيّما عندما أُمرت هذه القدّيسة بسقاية عود يابس ميت ما لبث أن أزهر وأينع. لكن هل من عجب في هذا الإيمان إذا ما تذكّرنا قول يسوع: كلّ شيء ممكن للمؤمن ؟ هذا النهج في السعي إلى القداسة هو الذي استجلب للقدّيسة ريتا لقب "شفيعة الأمور المستحيلة".

ونحتفل اليوم أيضًا بحلول الروح القدس أو العنصرة. كان السيّد المسيح قبيل آلامه وموته قد طمأن الرسل الخائفين والحزانى ووعدهم بأنّه لن يدعهم يتامى (يوحنّا 14: 18)، بل سوف يرسل إليهم الروح القدس قائلاً: "متى انطلقت فإنّي أرسله (المعزّي) إليكم...فمتى جاء هو، روح الحقّ، فإنّه يرشدكم إلى الحقيقة كلّها" (يوحنّا 16: 5-15) "وهو يعلّمكم كلّ شيء ويذكّركم جميع ما قلت لكم" (يوحنّا 14: 26). وكان من قبلُ قال للناس المتحلّقين حوله: "إذا كنتم، وأنتم أشرار، تعرفون أن تُعطوا أولادكم ما هو حسنٌ، فكم بالحريّ أبوكم السماويّ يُعطي الروحَ القدسَ للذين يسألونه؟" (لوقا 11: 13). نستنتج من هذا الكلام أنّ الروح القدس هو عطيّة، موهبة من الله تعالى، وهو أجمل وأعظم عطيّة في وسع الله أن يُهديها إلى البشر، ذلك أنّ الروح القدس هو الله نفسه. فإنّ الله بعطائه لنا الروحَ القدس يعطينا ذاته. وحلول الروح القدس لا يعني أنّ الله أعطانا ذاته وحسب، بل  يعني أيضًا أنّ الله  حاضر معنا منذ الآن بروحه القدّوس، يعني أنّ الروح القدس هو حضور الله الدائمُ والأبديّ بيننا وهو علامة حبّه الدائمِ والأبديّ لنا في الوقت عينه.

في العهد القديم أنزلت الشريعة على موسى في اليوم الخمسين، الشريعةُ اليهوديّة التي كتبت على لوحين من حجر. أمّا اليوم، في عيد الخمسين، فقد نزل الروح القدس علينا جميعًا، نزل واضعُ الشريعة نفسه، ولم يعد حضوره فيما بيننا بواسطة شريعته، أي بواسطة أوامر ونواهٍ، بل أصبح حضوره حضورًا شخصيًّا، حضورَ أب يحبّ أبناءه بقلبه وأحشائه. وهذا ما تنبّأ به النبيّ حزقيال إذ قال: "أُعطيكم قلبًا جديدًا، وأَجعل في أحشائكم روحًا جديدًا، وأنزِع من لحمكم قلبَ الحجر، وأُعطيكم قلبًا من لحم، وأجعل روحي في أحشائكم" (36: 24-28). أجل صار الله ساكنًا فينا بالروح القدس، صار في أحشائنا أي في أعمق أعماقنا، وهو الذي يهبنا النِّعم ويفعل فينا كلّ عمل صالح. 

وإنّ الروح القدس، بحضوره معنا، قد أنشأ الكنيسة. يخبرنا كتاب أعمال الرسل أنّ الرسل، قبل حلول الروح القدس، كانوا مجتمعين "كلّهم معًا في المكان عينه" (أع 1: 2). إلاّ أنّ اجتماعهم في ذلك الحين كان مجرّد تجمّع أو جماعة كأيّ جماعة بشريّة، ولم يكن كنيسة. لكن عندما نزل عليهم الروح القدس وصار فيما بينهم أصبحوا كنيسة. وبين الكنيسة والجماعة فرق. فإنّ الكنيسة ليست، في حقيقتها وجوهرها، تجمّعَ أفراد أرادوا العيش أو العمل معًا؛ وليست الكنيسة مؤسّسة مثلَ سائر المؤسّسات البشريّة؛ وليست الكنيسة من صنع الناس وما تأسّست بقرار منهم؛ وليست الكنيسة مجموعة من الناس لهم الأفكار والعقائد نفسها، وحتّى الإيمانُ الواحد. إنّ الكنيسة هي جسد المسيح السرّيّ، نشأت عندما حلّ الروح القدس على الرسل، عندما أصبح بينهم ومعهم وفي قلبهم و"أحشائهم"، عندما قدّسهم، أي جعل منهم جماعة تخصّه وتحيا من حياته. وهذا ما نعلنه في قانون إيماننا عندما نقول إنّنا نؤمن بكنيسة مقدّسة رسوليّة.

ثمّ إنّ الروح القدس الذي حلّ على الرسل، قد حلّ عليهم "مجتمعين معًا في المكان عينه"، أي قد حلّ عليهم على أنّهم جماعةٌ وليس أفرادًا. هذا يعني أنّ الكنيسة ليست أفرادًا تُجمَع بعضها إلى بعض كما تُجمَع الأعداد والأرقام، بل هي كنيسة واحدة تتألّف من أعضاء متماسكين لا يكون الواحد من دون الآخر. وإذا ما حلّ الروح القدس على واحد من هؤلاء الأعضاء فبصفة هذا العضو عضوًا من الكنيسة. وهذا ما نعلنه أيضًا في قانون إيماننا حين نقول إنّنا نؤمن بكنيسة واحدة جامعة، أي بكنيسة نجتمع كلّنا فيها في الوحدة، على غرار ما يجتمع الله الثالوث في الوحدة.
نحن اليوم نعيّد لحلول الروح القدس على الرسل وعلى الكنيسة. وهذا الروح هو وحده الصانع الأمورَ الغريبة المستحيلة أو بالحريّ المحوّل إلى ممكن ما يراه البشر مستحيلاً. هو الصانع الأمورَ العظيمة إلى مريم العذراء كما أعلنت هي نفسها لأليصابات. وهو الذي حوّل الرسل من جهلاءَ إلى حكماء ومن خائفين إلى شجعان ومن ضعفاءَ إلى أقوياء... هو صانع القداسة في الكنيسة وموزّع النعم، وهو الذي بعث القداسة في القدّيسة ريتا.

لذلك ترتفع اليوم صلاتنا إلى الله تعالى لكي يرسل إلينا روحه القدّوس، فيقدّسَنا كما قدّس ريتا من قبلنا، ويصنعَ بنا العظائم كما صنع بالعذراء، ويقوّيَ إيماننا كما فعل لتوما، ويثبّتنا كما ثبّت الرسل، فنتمكّنَ من الشهادة له شهادة ناصعة، ونتحوّلَ إلى نور للعالم وملح للأرض، لكي يعلم الكلّ أنّ الله القدير ليس عليه أمر مستحيل بل كلّ الأمور له ممكنة، إن كان لنا نحن إيمان ولو بمقدار حبّة الخردل.

إنّ لقاءنا اليوم، وقد وقع في عيدِ العنصرة، هو شبيه بهذه العنصرة. فكنيستنا هذه التي اعتدنا أن نلتقي ونصلّي فيها هي تلك العلّيّة التي اعتاد الرسل أن يجتمعوا ويصلّوا فيها؛ وكما كان هؤلاء الرسل كلّهم معًا يصلّون حين حلّ عليهم الروح القدس كذلك نحن الآن كلّنا معًا بقلب واحد وفم واحد نصلّي لكي يحلّ علينا الروح القدس؛ وكما أنّ الروح القدس قد جعل من جماعة الرسل كنيسة واحدة، كذلك هذا الروح عينه هو الذي يجمعنا اليوم في رعيّة واحدة، في كنيسة مصغّرة.