
أطول حرب أميركيّة: 20 عاماً من العثرات في أفغانستان
August 16, 2021
المصدر:
أ ف ب
تقترب أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة من نهايتها، مع خسارة أمام العدو الذي هزمته في أفغانستان منذ ما يقرب من 20 عاما، وصدمة من الانهيار السريع للحكومة والجيش اللذين دعمتهما وعمليات إجلاء فوضوية في اللحظة الأخيرة. ويحل هذا العام موعد إحياء ذكرى مرور عشرين عاما على هجمات 11 أيلول (سبتمبر) في نيويورك وواشنطن، مع عودة "طالبان" إلى السلطة.
وقال مسؤول عسكري أميركي "هذه لم تكن حرباً استمرت 20 عاماً. لقد كانت حروباً تستمر عاماً وتم خوضها عشرين مرة"، وذلك للتعبير عن الإحباط من التفكير القصير المدى والعثرات المتعددة وعدم الاتساق في عهد أربع إدارات.
وسلطت المقابلات التي أجريت مع ما يقرب من عشرة من المسؤولين والخبراء الأميركيين الحاليين والسابقين الضوء على الإخفاقات التي أعاقت جهود الولايات المتحدة لتحقيق الاستقرار في أفغانستان، والتي شهدت إنفاق واشنطن أكثر من تريليون دولار ومقتل أكثر من 2400 من العسكريين الأميركيين وعشرات الآلاف من الأفغان، من بينهم مدنيون كثيرون.
وواجهت إدارتان جمهوريتان وأخريان ديموقراطيتان صعوبة في محاربة الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، حتى مع غض الطرف عن كثير منها، مع سعيها لتعزيز الديموقراطية وسيادة القانون وبناء جيش أفغاني قوي والحفاظ على استمرار مشاركة الأميركيين الذين ضجروا من الحرب.
وشجعت الإدارات الأميركية وجود حكومة مركزية قوية في بلد تحظى فيه القبائل منذ قرون بحكم ذاتي محلي. وأدت برامجها للقضاء على المخدرات إلى زيادة عداوة الناس في معاقل "طالبان" الريفية، والذين يعتمدون في العيش على زراعة الخشخاش الذي يُصنع منه الأفيون.
وكان لأوجه قصور معلومات المخابرات تأثير أيضا، ومنها ما حدث الأسبوع الماضي عندما توقعت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن ألا تدخل "طالبان" كابول قبل بضعة أشهر، لتدخلها "طالبان" في بضعة أيام.
ولكن تحقق نجاح لا يمكن إنكاره.
فقد ساعدت الولايات المتحدة وشركاؤها في تحسين الحياة في واحدة من أفقر دول العالم، وتعزيز حقوق النساء والفتيات، ودعم وسائل الإعلام المستقلة وبناء المدارس والمستشفيات والطرق.
وكل ذلك الآن معرض للخطر.
* تشتت بسبب العراق
أعلن الرئيس جورج دبليو بوش "الحرب على الإرهاب"، وأطاح حكومة "طالبان" في كابول التي استضافت مقاتلي "القاعدة" المسؤولين عن شن هجمات بطائرات مخطوفة عام 2001. ونجحت الاستراتيجية لبعض الوقت. وتعرضت "طالبان" لهزيمة قاسية واضطُرت "القاعدة" للفرار.
لكن مسؤولين وخبراء سابقين قالوا إنه بدلاً من العمل على تأمين أفغانستان من عودة "طالبان"، قامت إدارة بوش بتحويل الموارد والأفراد والوقت لغزو العراق بادعاء خاطئ بأن حكومة صدام حسين تملك برامج أسلحة دمار شامل غير مشروعة.
وقالت ليزا كورتيس، المحللة السابقة في وكالة المخابرات المركزية والخبيرة الإقليمية التي عملت خلال رئاسة كل من بوش ودونالد ترامب، وهي الآن زميلة بارزة في مركز الأمن الأميركي الجديد "الحرب في العراق شتتت الولايات المتحدة لسنوات".
وأضافت "كانت إطاحة "طالبان" الشيء الصحيح الذي يجب القيام به... للأسف، بعد وقت قصير من هزيمتنا "طالبان"، بدأ توجيه قدر أكبر من الاهتمام للحرب في العراق".
ويقول المسؤولون الحاليون والسابقون إن تركيز إدارة بوش الشديد على العراق ترك استراتيجيتها في أفغانستان تسير دون هدى.
وقال جوناثان شرودن، الخبير في معهد (سي.إن.إيه) للسياسة والذي عمل مستشاراً للقيادة المركزية الأميركية "هل كنا نحاول بالفعل المساعدة في بناء هذه الأمة (أفغانستان) وإصلاحها أم أننا نحاول الخروج فقط؟".
وعندما تولى الرئيس باراك أوباما منصبه في 2009 استمرت الرسائل المتضاربة.
وتطلع أوباما إلى خفض القوات الأميركية في أفغانستان، لكنه وافق على زيادتها في محاولة للضغط على "طالبان" لإجراء محادثات سلام.
وأعلن في كلمة ألقاها في وست بوينت في تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 أنه سيرسل 30 ألف جندي إضافي، لكنه أضاف أنه "بعد 18 شهرا، ستبدأ قواتنا في العودة إلى الوطن". وفي سعيه لتهدئة جمهوره المحلي، أبلغ أوباما "طالبان" فعلياً أن بإمكانها انتظار خروج الولايات المتحدة.
*استشراء الفساد
وأطلق أوباما كمرشح رئاسي على أفغانستان اسم "الحرب الجيدة"، مقارناً إياها بالكارثة العسكرية في العراق.
وارتفع عدد القوات الأميركية إلى أكثر من 90 ألفاً بحلول 2010، كما ارتفع أيضا حجم التمويل.
وفي ظل الحاجة الماسة والمستمرة لحكومة مستقرة، تعاونت الولايات المتحدة مع أفغان ذوي نفوذ، لكنهم كانوا متورطين في الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان. وقال بيتر جالبريث، السفير الأميركي السابق الذي شغل منصب نائب ممثل الأمم المتحدة في أفغانستان، إن مبدأ الولايات المتحدة لمكافحة التمرد يشدد على ضرورة وجود "شريك محلي".
وأدى ذلك إلى إضفاء الولايات المتحدة والأمم المتحدة ودول أخرى الشرعية على الحكومات الأفغانية المتعاقبة والقبول الفعلي بالفساد المستشري حتى أثناء تعزيزها لجهود مكافحته. وقال إن هذه السياسة تجسدت في موافقة واشنطن ودول أخرى والأمم المتحدة على الانتخابات الرئاسية التي جرت في 2009 و2014 و2019، على الرغم من علمها بوجود عمليات تزوير واسعة النطاق ومخالفات أخرى.
قال مسؤول حكومي كبير سابق لـ"رويترز"، شريطة عدم الكشف عن هويته، "ليس لدينا أدوات للقضاء على الفساد المستشري في المجتمعات". وأصاب أيضا الفساد الجيش الأفغاني الذي خصصت له الولايات المتحدة 88 مليار دولار على مدى عشرين عاما.
وعلى سبيل المثال، لم تتغلب الولايات المتحدة بالكامل مطلقاً على مشكلة "الجنود الأشباح"، وهم جنود غير موجودين يدرج قادة فاسدون أسماءهم في القوائم لأخذ رواتبهم.
ولذلك، فعلى الرغم من أن عدد قوات الأمن الأفغانية يبلغ 300 ألف جندي على الورق، فإن العدد الفعلي أقل من ذلك بكثير.
ووجد تقرير صدر عام 2016 عن هيئة رقابية تابعة للحكومة الأميركية أنه في إقليم هلمند وحده، لا وجود لما يتراوح بين 40 و50 في المئة تقريباً من قوات الأمن.
*القضية الباكستانية
يقول مسؤولون أميركيون حاليون وسابقون، إن "طالبان" لم تكن لتنتصر لو كانت الإدارات الأميركية المتعاقبة اتخذت إجراءات لإنهاء الملاذ الآمن، وغيره من أشكال الدعم التي قدمتها باكستان ووكالة المخابرات الداخلية التابعة لها للمقاتلين.
وقالت كريستين فير، خبيرة شؤون الجيش الباكستاني بجامعة جورجتاون "بدون باكستان، ستكون "طالبان" مجرد مصدر إزعاج... لن تكون قوة قتالية ذات كفاءة".
ونفت إسلام أباد مراراً دعمها لـ"طالبان" في إطار ما يصفه خبراء بأنها استراتيجية لتأمين حكومة حليفة في أفغانستان للحد من نفوذ الهند.
* الضجر من الحرب
تولى الرئيس دونالد ترامب منصبه عام 2017 متعهداً بإنهاء ما وصفها "بحروب سخيفة لا نهاية لها".
واعتمدت حسابات ترامب في جانب منها على أن الأميركيين ببساطة ليسوا مهتمين بأفغانستان بدرجة تسوّغ إنفاق مليارات الدولارات سنوياً، ومقتل جنود أميركيين.
وأدى ذلك إلى اتفاق مع "طالبان" في شباط (فبراير) 2020 لانسحاب كامل للقوات الأميركية إذا استوفت الحركة شروطاً معينة. واستُبعدت الحكومة الأفغانية من المحادثات. وقال جون بولتون، الذي عمل خلال رئاستي بوش وترامب، إن هذا الاتفاق كان خطأ ترامب الفادح وكان على بايدن إعادة تقييمه.
لكن بايدن شرع في الانسحاب الكامل على عكس مشورة القادة العسكريين الأميركيين، ودون البت في أعداد كبيرة من طلبات التأشيرات الخاصة من الأفغان المعرضين للخطر لعملهم لمصلحة الحكومة الأميركية، ما أدى إلى عملية إجلاء سادتها الفوضى.
وتزايد تشكك بايدن في الجهود العسكرية في أفغانستان بعد رحلة قام بها عام 2009 إلى كابول، أكسبته قناعة بأن الولايات المتحدة محاصرة في حرب لا يمكن الفوز بها. وقال مسؤول أميركي، رفض الكشف عن هويته، إن استطلاعات الرأي الداخلية أظهرت أن معظم الأميركيين يؤيدون الانسحاب، ما يجعل بايدن مرتاحاً لقراره.
وأكد استطلاع أجرته مؤسسة إبسوس في نيسان (أبريل) أن غالبية الأميركيين يؤيدون بايدن.
ولم يتضح بعد كيف سينظر الأميركيون إلى قرار بايدن بعد عرض مشاهد تلفزيونية لمروحيات عسكرية أميركية وهي تخلي السفارة الأميركية والأفغان يحتشدون في المطار أملاً في المغادرة.
وأصر بايدن على أن الانسحاب من كابول لن يكون تكراراً لعملية الإجلاء الأميركية السيئة السمعة من سايغون عام 1975.
وقال في تموز (يوليو) "لن تكون هناك ظروف نرى فيها أشخاصاً يُلتقطون مع على سطح سفارة الولايات المتحدة في أفغانستان".
Posted byKarim Haddad✍️



