تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل
أشرف الناس! - بقلم جوزف طوق

أشرف الناس! - بقلم جوزف طوق

June 8, 2020

المصدر:

موقع الجمهورية

هل يا ترى عندما تقفل السوبرماركت أبوابها في الليل، يدور نقاش سرّي بين مراطبين الكبيس والمعلبات وأكياس الحبوب وأدوات التنظيف، ويتناقشون مثلاً في رحلة العذاب من المنشأ إلى رفوف العرض، ويتأكّدون من تاريخ انتهاء صلاحيتهم، ويقرّرون من يريد مغادرة الرفّ قبل الآخرين؟ هل يا ترى هذه المنتوجات المتشابهة بشكلها ومضمونها، تتحايل علينا وتوهمنا بحرّية الاختيار فيما تقرّر هي أي واحدة منها هي الأفضل لتسافر بالكيس معنا إلى البيت؟

من غير المستبعد أن يكون هذا السيناريو واقعياً، طالما أنّ غالبية اللبنانيين مقتنعون بشكل راسخ، أنّ أحزابهم وطوائفهم هي بلا شكّ الأفضل دائماً ومن دون نقاش... خصوصاً أنّ نحن اللبنانيين أصبحنا تماماً مثل تلك المراطبين، معلّبين وملمّعين ومصنّفين، وفي غالبيتنا مستوردين من الدول المتنازعة في الإقليم والعالم... وأهم شيء أننا جاهزون للمقايضة والبيع على حسب مزاج التاجر أو صاحب المحلّ، وفي الغالب حاضرون للتلف عند انتهاء مدة صلاحيتنا، بعد أن نجلس لمدّة طويلة على الرفوف السفلية أو في المستودع.

الجميع يعشق البضاعة المستوردة، ويبحث عن بلد المنشأ قبل التأكّد من المحتوى أو الفوائد الغذائية... الجميع مضروب بعقله من هذه الناحية، وينسى أنّ في وجه كل هذه الرفوف المستوردة، هناك بضاعة محلّية صافية، لا غشّ فيها ولا مصلحة جشعة.. بضاعة محلّية مخفية قسراً لا تريد درّ المليارات على مستورديها، بل فقط تريد أن يتمّ تصريفها لتخدم دورها وتعيل مصنّعها ليعيش بآمان وعلى قدّ حاله.

وفيما نحن جالسون على الرفوف نتباهى بالعلامة التجارية والطائفية والحزبية الملزوقة على جبيننا وبطننا، يتباهى صاحب المحلّ أنّ محلّه هو الأنظف، وبضاعته (أي نحن) الأفضل، وخدماته لا غبار عليها... ولا يخجل، مثله مثل جميع التجّار في الشارع، الذين يضحكون على بعضهم البعض، وبالطبع علينا، في تكرار الحديث عن نزاهة مشواره منذ أن دخل السوق، وأن كلّ ما قام به كان فعل مقاومة، وكل قرار كان من أجل مصلحة المراطبين، وكل مقايضة كانت لرفع قيمة بضاعته، وكل مرطبان انكسر طوال 45 سنة حلّ مكانه عشرات المراطبين المستعدّة للكسر بلا تردّد، حتى تبقى سمعة محلّه عالية بين التجّار.

لكن منذ زمن بعيد، اختار كثير من اللبنانيين ألّا يكونوا مراطبين، وكان عددهم يزداد عاماً بعد عام. ينزلون عن الرفوف ويبصقون في وجه صاحب المحلّ وينزعون العلامات التجارية عنهم ويعودون إلى بلد المنشأ لبنان. كثيرون اكتشفوا هذه الحقيقة، بعدما ملّوا من نظرية أنّ أشرف الناس لا يمكن العثور عليهم سوى على أحد تلك الرفوف أو بين ركام الزجاج المكسور تحت أقدام المستهلكين.

أصحاب المحلّات لا يفهمون سوى بلغة المعلّبات، ولكن الأحرار يكرهون العلب ويعرفون أنّ الشيعة ليسوا «حزب الله»، والموارنة ليسوا القوات، والدروز ليسوا الاشتراكي، والسنّة ليسوا المستقبل. هناك أحرار يعرفون أنّ أشرف الناس ليسوا المصطفّين أمام المنابر في ساحات الخطابات وتحت الشعارات الرنّانة والوعود الكاذبة. هناك أحرار مؤمنون أنّ أشرف الناس ليسوا من يتباهون بتاريخ مزارعهم الأحمر وحاضرها الأسود، ولا بقوّة بنادقهم ومكر زعرانهم وعناوين انتصاراتهم على بعضهم البعض.

أشرف الناس أصبح عددهم كبيراً جداً، ولكن صوتهم خافت، أشرف الناس أصبح وجعهم مهولاً ولكن غضبهم ساكن، أشرف الناس أصبح قرفهم عامراً ولكن لسانهم دافئ... أشرف الناس ليسوا أولئك الذين اختلقوا حروباً ومعارك ينتصرون فيها ليصنعوا مجداً دامياً، بل أشرف الناس هم أولئك الذين يقاومون من أجل لقمة العيش ويقاتلون من أجل حقوقهم ويرصّون الصفوف من أجل كرامتهم، ولا يستمعون للفتنة ولا يكترثون للزعيم ولا يعاملون الوطن بغرائزهم، ويهتفون بصوت واحد من أجل الإنسان وليس من أجل الأحزاب والطوائف والدول المانحة.

Posted byKarim Haddad✍️

للمشاركة :
Point7 Multimedia
Style auto