كيف للرثاء أن يتسع لرجل بحجم قلبك يا استاذ جورج؟
نقاط على الحروف بقلم إيلي مجاعص
وكيف للكلمات، مهما بلغت بلاغتها، أن تحسن ملامسة غيابك؟
رحلت… فاهتز في داخلي شيء لا أستطيع وصفه، كأن الأرض فقدت ركنا من اتزانها، وكأن الضوء خسر مصدرا من مصادر دفئه.
كنت رجلا من طراز نادر…
رجلا تشعر به قبل أن تراه، وتطمئن إليه قبل أن يبوح، وتثق به قبل أن يكتمل الحديث.
كنت ذلك الحضور الذي يسبق الخطى، وتلك الهيبة الهادئة التي لا تحتاج إلى صوت مرتفع،
كنت المعرفة حين تضيع الدروب،
والصدر الرحب حين تضيق الأيام،
والكلمة الصادقة التي لا تخون، مهما اشتد الظلام.
يا استاذ جورج…
يا رجل الحق، يا محامي العدل، يا من عرفت القانون كما يعرف الشعر، وتحدثت بالحكمة كما يتنفس الصدق،
كيف غادرت بهذه السرعة؟
كيف تركت خلفك كل هذا الفراغ الذي لا يشبه أي فراغ…
فراغ تشعر أنه ليس في المكان، بل في النفس ذاتها.
كنت أخا لا يولد من دم، بل يولد من موقف.
صديقا لا يمنح بالصدفة، بل تختبر قيمته في لحظات الانكسار.
وكنت هناك… دائما هناك،
في النصيحة، في المساندة، في السند الخفي الذي لا يعلن حضوره، لكنه يشعرني أن الدنيا ما زالت بخير.
يا أستاذ جورج…
لو أن الزمن يستعار، لطلبت من الله زمنا إضافيا معك.
لو أن الوفاء يترجم إلى شكل، لاتخذ هيئة خطواتك الواثقة.
ولو أن الرجولة تعرف بكلمة، لكانت أنت… أنت وحدك.
غادرت…
لكن رحيلك ليس انطفاء، بل امتداد لوهج تركته في كل من عرفك.
تركت ذكرا أبيض، وسيرة لا تقال إلا بابتسامة فخر ودمعة حنين.
تركت مكانا لا يمكن لغيرك أن يشغله، وصدى من حضورك سيظل يتمدد في الذاكرة كلما مر طيفك.
سلام عليك يا أخي الكبير…
يا صديقي الوفي…
يا رجل الخير والعطاء…
يا من جسد معنى النبل في زمن عز فيه النبل.
سلام على روحك التي أحسنت العبور…
وعلى قلبك الذي عاش بكبر حتى اللحظة الأخيرة.
نم قرير العين يا أستاذ جورج…
فأمثالك لا يرحلون،
بل ينتقلون من عالم الشهود… إلى عالم الخلود.
