الوجع
نقاط على الحروف بقلم إيلي مجاعص
تعود بي الذاكرة إلى الوراء، إلى سنّ الطفولة، إلى نعيم حضن الوالدين، عندما كنت أسمع كلمة "تقبرني يا أمي"، أو عندما كان يستفيق الأهل فجرا ويتأهبون كالجنود لتحضير السندويش والاعتناء بهندامي ومحفظة كتبي قبل ذهابي إلى المدرسة، وتشييعي بدعاء ينبع من صميم القلب "روح ألله يحرسك".
وتعود بي الذاكرة إلى الوراء، عندما كنت أتعرّض لعلة أو مرض، وكان الوالدان يسهران عليّ طوال الليل وهما يتلمسان جبيني ليتأكدا من انخفاض الحرارة، ويغالبان النوم حتى يزول الألم وأستعيد الابتسامة والعافية.
وتعود بي الذاكرة إلى الوراء، إلى اللعب مع الرفاق والأصحاب، والتسلل إلى بستان الجيران سرا، للاستيلاء على بعض من حبات الكرز والليمون.
وتعود بي الذاكرة إلى الوراء، إلى وصايا الأهل والمحبين، وهم يحذروني بشدة قائلين: "إنتبه من الغرباء يا بني. إياك أن تعطي ثقتك لواحد غريب...الغريب يخطف الأولاد الصغار ويعذبهم...إذا رأيت غريبا لا تقترب منه، وإذا دعاك للصعود إلى سيارته فإياك أن تفعل. فالغريب يحمل في قلبه الشر...إياك والغريب"؟!
ومرت السنون، وابتدأ الشعر الأبيض يمتد إلى رأسي، لأكتشف، ولو متأخرا، أن وجعنا الحقيقي ليس من الغريب، بل ما أوجعنا وما أدمانا، وما زرع فينا الخيبة والقهر والندم، سوى القريب. نعم القريب وليس الغريب.
فهل كذب المثل عندما قال: "العقارب عقارب"...والعقارب بالطبع سامة ولاسعة وقاتلة.
ليت كانت الطعنات من الغريب، لأن "ظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند".

