تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل

اللبنانيون في كندا: قصة نجاح لافتة…

نقاط على الحروف بقلم إيلي مجاعص

عندما وصل اللبنانيون الأوائل إلى كندا، حملوا معهم ما هو أكثر من حقائب السفر. حملوا اللغة العربية، والأغاني اللبنانية، ورائحة القهوة الصباحية، والعائلة الكبيرة، والكنيسة والمسجد، وعادات القرية والمدينة.

 

عملوا بجد، ونجحوا، وبنوا مؤسسات وشركات ومطاعم وصحفا وجمعيات. وأصبح اللبناني في كندا نموذجا للمهاجر الناجح الذي استطاع أن يثبت نفسه ويحظى باحترام المجتمع الذي استقبله.

 

لكن السؤال الذي لا يجرؤ كثيرون على طرحه هو:

 

هل نربح اقتصاديا ونخسر ثقافياً؟

 

في السنوات الأخيرة، أصبح من الطبيعي أن نلتقي بشاب أو شابة من أصل لبناني لا يتحدث العربية إلا بضع كلمات. بعضهم لا يستطيع قراءة اسمه باللغة العربية، وبعضهم لا يعرف شيئا عن تاريخ لبنان أو ثقافته أو حتى جغرافية المناطق التي جاء منها أجداده.

 

لسنا هنا لنلوم أحدا.

 

فالاندماج في المجتمع الكندي ضرورة وليس خيارا، والنجاح الأكاديمي والمهني هدف مشروع لكل عائلة مهاجرة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاندماج إلى ذوبان كامل، وعندما تصبح الجذور مجرد ذكرى بعيدة في صور الأجداد.

 

إن أخطر ما يواجه الجاليات ليس الفقر ولا البطالة ولا التمييز، بل فقدان الهوية.

 

فالشعوب التي تفقد لغتها تفقد جزءا من ذاكرتها، والشعوب التي تفقد ذاكرتها تصبح أكثر عرضة للضياع.

 

اليوم، بعد عقود من الهجرة اللبنانية إلى كندا، يمكننا أن نرى بوضوح نجاحا اقتصاديا كبيرا. أطباء ومهندسون ومحامون وأصحاب أعمال وسياسيون من أصول لبنانية يحققون إنجازات لافتة.

 

لكن في المقابل، نرى تراجعا ملحوظا في استخدام اللغة العربية داخل الكثير من المنازل، وانخفاضا في مشاركة الأجيال الجديدة في النشاطات الثقافية المرتبطة بلبنان.

 

ليس المطلوب أن يعيش أبناؤنا في الماضي، ولا أن يرفضوا المجتمع الذي ولدوا فيه. المطلوب فقط أن يعرفوا من هم.

 

أن يعرفوا أن وراء أسمائهم قصة.

 

أن يعرفوا أن وراء أجدادهم رحلة طويلة من التضحيات.

 

أن يعرفوا أن لبنان ليس مجرد بلد على الخريطة، بل جزء من هويتهم الإنسانية والثقافية.

 

إن مسؤولية الحفاظ على الهوية لا تقع على المدارس وحدها، ولا على الجمعيات وحدها، ولا على المؤسسات الدينية وحدها.

 

إنها تبدأ في البيت.

 

عندما يتحدث الأب والأم العربية مع أولادهم.

 

عندما تروى القصص العائلية.

 

عندما تشرح التقاليد لا أن تفرض.

 

وعندما يشعر الجيل الجديد بأن انتماءه اللبناني مصدر فخر لا عبء.

 

لقد نجح اللبنانيون في بناء مستقبل اقتصادي مشرف في كندا.

 

ويبقى التحدي الأكبر اليوم أن ننجح أيضا في نقل الروح اللبنانية إلى الأجيال القادمة.

 

فالأوطان لا تموت عندما يغادرها أبناؤها.

 

الأوطان تموت عندما ينسى الأبناء من أين أتوا.

 

ومن هنا، فإن الدعوة موجهة إلى كل أسرة لبنانية في المهجر: تمسكوا باللغة العربية في بيوتكم، وعلموها لأبنائكم باعتبارها جسرا يربطهم بتاريخهم وثقافتهم. احرصوا على نقل العادات والقيم والقصص التي شكلت هويتكم، فالحفاظ على اللغة والهوية الثقافية ليس مجرد واجب تجاه الماضي، بل هدية ثمين

للمشاركة :
Point7 Multimedia
Point7 Multimedia