
رثاء دوري شمعون دوري شمعون… لم يرث الكرسي، ورث الجرح وترك لنا الموقف بقلم إيلي مجاعص
September 16, 2026
المصدر:
الاخبار كندا
ثمة رجال حين يموتون ينتهي حضورهم، وثمة رجال حين يرحلون يبدأ غيابهم بطرح الأسئلة.
ودوري كميل شمعون من هؤلاء.
لأن الخبر ليس أن دوري شمعون مات.
الخبر أن لبنان فقد رجلا حمل معه قطعة كاملة من تاريخ الجمهورية؛ من زمن كان فيه للموقف ثمن، وللاسم الكبير مسؤولية قبل أن يكون امتيازا.
بالنسبة إلي، لا أكتب اليوم عن رئيس سابق لحزب الوطنيين الأحرار، ولا عن نائب سابق عن الشوف، ولا عن ابن رئيس جمهورية لبنان كميل نمر شمعون فحسب.
أكتب عن الريس دوري الذي عرفته صديقا.
أكتب عن رجل كان يستطيع أن يعيش طويلا في ظل اسم والده، لكنه اختار، بطريقته وبشخصيته، أن يكون دوري شمعون.
كان من السهل أن يبقى «ابن كميل شمعون».
لكن الأصعب بكثير كان أن يصبح دوري شمعون.
ولد وفي بيته اسم سياسي طبع مرحلة أساسية من تاريخ الجمهورية اللبنانية، وعاش التحولات والانقسامات والحرب، ورأى بلدا كان يعرفه يتغيّر أمام عينيه، ثم تلقى الضربة التي كان يمكن أن تكسر أقوى الرجال: اغتيال شقيقه داني وزوجته إنغريد وطفليهما الصغيرين طارق وجوليان في عام 1990.
هناك تغير كل شيء.
دوري نفسه قال لاحقا إنه لم يكن يتطلع إلى الزعامة السياسية، وإن دخوله عالم السياسة كان بالنسبة إليه أشبه بـ«تجنيد إجباري». وحين سئل أين يرى نجاحه، أجاب بأنه حافظ على ما تركه والده كميل وشقيقه داني و«أبقى البيت الشمعوني مفتوحا».
وهنا تحديدا أفهم دوري.
فهو لم يرث مقعد داني. ورث دمعة داني.
ولم يرث عن كميل شمعون اسما وحسب، بل مسؤولية أن يبقى البيت الذي بناه كميل واقفا.
كان يمكن، في زمن الوجود والنفوذ السوري في لبنان، أن يختار الطريق الأسهل. لكنه بقي في صفوف المعارضين لذلك النفوذ، وشارك في «لقاء قرنة شهوان» وفي الحركة السياسية المعارضة في تلك المرحلة.
ولكنني لا أريد، وأنا أكتب عنه اليوم، أن أحول الوداع إلى بيان سياسي.
فالسياسة ليست كل دوري شمعون.
هناك شيء آخر سأذكره دائما فيه:
صراحته.
كان أحيانا يقول الكلام بطريقة لا تصلح كثيرا لدروس الدبلوماسية، لكنها تصلح جدا لدروس الصدق.
لم يكن بارعا في صناعة الجملة التي ترضي الجميع.
إذا اعتقد أن شيئا خطأ، قال إنه خطأ. وإذا أحب، أحب. وإذا غضب، لم يكن بحاجة إلى مترجم.
وفي زمن أصبحت فيه السياسة اللبنانية حرفة تدوير الزوايا، بقي دوري صاحب زوايا حادة.
قد تختلف معه.
وقد تعترض عليه.
وقد ترى أنه أخطأ هنا أو هناك.
لكن كان من الصعب جدا أن تخرج من لقاء معه وتسأل: ماذا كان يريد دوري أن يقول؟
لأن ما في قلبه كان، في معظم الأحيان، على لسانه.
وهذه صفة باتت نادرة.
دوري شمعون لم يكن نسخة عن كميل شمعون، ولم يحاول أن يكون.
وداني كانت له شخصيته وحضوره وطموحه.
أما دوري فشق لنفسه طريقاً مختلفا: رجل لم تكن الزعامة مشروع حياته الأول، ثم دفعت به المأساة إلى أن يصبح حارسا لإرث عائلته.
ترأس بلدية دير القمر بين 1998 و2008، وانتخب نائبا عن الشوف عام 2009 وبقي في البرلمان حتى 2018. وبعد اغتيال شقيقه داني تولى رئاسة حزب الوطنيين الأحرار، وقاده من عام 1991 حتى عام 2021، حين خلفه نجله كميل.
لكن المناصب ليست ما سيبقى منه.
سيبقى الرجل.
سيبقى الوجه الذي عبر ما يقارب قرنا من تاريخ لبنان.
وسيظل في ذاكرتي ذلك النوع من اللبنانيين الذين كانوا يعتبرون لبنان وطنا لا مكان إقامة مؤقتا، وبيتا ينبغي الحفاظ عليه حتى عندما تختلف العائلة على كل شيء فيه.
ولعل أجمل ما قاله دوري عن نفسه أنه أبقى البيت الشمعوني مفتوحا.
نعم يا ريس دوري.
أبقيت البيت مفتوحا.
وأبقيت معه ذاكرة رجل عاش الكثير، وخسر الكثير، ورأى الكثير، لكنه لم يسمح للمأساة أن تختصر حياته.
في 14 أيلول 2026، أغمض دوري شمعون عينيه للمرة الأخيرة، في عامه الخامس والتسعين. فقد ولد في 8 تشرين الثاني 1931، ولذلك كان عمره 94 عاما.
ومع رحيله تعود إلى الذاكرة أسماء ارتبطت بحياته ووجدانه:
كميل شمعون.
زلفا شمعون.
داني وإنغريد، وطفلاهما طارق وجوليان.
وتعود مع هذه الأسماء ذاكرة عائلة حملت الكثير من أفراح لبنان ومآسيه، وذاكرة مرحلة طويلة من تاريخ وطننا، بانتصاراتها وخيباتها، بأحلامها والحروب التي التهمت كثيرا منها.
لكنني اليوم لا أريد أن أحاكم التاريخ.
للتاريخ وقته ومحكمته.
اليوم أريد أن أودع صديقا.
إلى نجله الصديق كميل دوري شمعون وإلى جميع أفراد العائلة، أتقدّم من القلب بأحرّ التعازي وأصدقها.
وأتقدم كذلك بالتعزية إلى قيادة حزب الوطنيين الأحرار وأعضائه ومناصريه ومحبي دوري شمعون، في لبنان والاغتراب، لفقدان رجل ترأس هذا الحزب على مدى نحو ثلاثة عقود وحمل مسؤوليته في مراحل شديدة الصعوبة.
أما إليك أنت يا ريس دوري، فلا أحب كلمة الوداع.
لذلك سأقول:
إلى اللقاء يا صديقي.
سلم على الرئيس كميل وعلى الست زلفا.
وعانق داني وإنغريد وطارق وجوليان.
وقل لهم إن لبنان الذي أحببتموه كثيرا ما زال هنا.
متعبا نعم.
مجروحا نعم.
مختلفا عما عرفتموه كثيرا.
لكنه ما زال هنا.
وما زال فيه من يتذكركم.
نم بسلام يا ريس دوري.
لقد تعبت بما يكفي.
Posted byKarim Haddad✍️

