
بيان السفارات الخمس يضيّق هامش الالتفافات على ملف السلاح
November 7, 2026
المصدر:
النهار، اسكندر خشاشو ـ
لا تكمن أهمية البيان المشترك لسفارات الولايات المتحدة وبريطانيا وأوستراليا وكندا واليابان في شأن متفجرات ضهر البيدر في تأكيده دعم حصرية السلاح بيد الدولة، فهذا موقف سبق أن عبّرت عنه واشنطن وعواصم أخرى في مناسبات عدة، بل في توقيته ومضمونه وهوية الدول التي اختارت أن تكون جزءاً منه. فالبيان لم يكتفِ بمطالبة السلطات باستكمال الإجراءات القضائية، بل ربط القضية بمسألة القرار السيادي، داعياً جميع النواب والأحزاب إلى إعلان موقف واضح من حصرية قرار الحرب والسلم.
واللافت أن الدول الموقّعة لا تقتصر على الأطراف الأكثر حضوراً في تفاصيل الملف اللبناني. فإلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا، حضرت أوستراليا وكندا واليابان، وهي دول لا تُدرج عادة في عداد العواصم التي تتولى إدارة الاتصالات السياسية اليومية في لبنان، ولا في التشكيلة الديبلوماسية التي اعتاد اللبنانيون رؤيتها في الملفات الكبرى، والتي تضم فرنسا والولايات المتحدة والسعودية ومصر وقطر. ولا يعني ذلك نشوء إطار دولي جديد، لكنه يشير إلى اتساع دائرة الدول التي تضع مسألة حصرية السلاح ومرجعية القرار السيادي في صلب موقفها من لبنان.
رسالة تتجاوز الملف القضائي
اختيار التوقيت ليس تفصيلاً. فقد صدر البيان فيما لا تزال قضية ضهر البيدر أمام القضاء، وبعد ساعات من صدور مذكرتَي توقيف في حق اثنين في الملف، ليضع المسار القضائي تحت متابعة ديبلوماسية مباشرة. واستخدام تعابير مثل "مسار قضائي سريع ومستقل" و"بعيداً من أي تدخل سياسي" و"المساءلة الكاملة" يحمل رسالة واضحة مفادها أن الدول الخمس لا تريد أن تنتهي القضية بتفاهم سياسي يسبق اكتمال التحقيق أو يفرغ نتائجه من مضمونها.
هذا يحرج القضاء، الذي يجد نفسه أمام ملف يحظى باهتمام دولي، لكنه يضع السلطة التنفيذية أيضاً أمام مسؤوليتها. فرئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام أكدا أن قرار الحرب والسلم يعود حصراً إلى الدولة، والحكومة أعلنت التزامها مبدأ حصرية السلاح. إلا أن الاختبار الحقيقي لا يكمن في تكرار هذه المواقف، بل في القدرة على ترجمتها عندما تصطدم بالتوازنات السياسية والأمنية الداخلية.
والأكثر دلالة أن البيان لم يتوجه إلى الحكومة وحدها، بل طالب جميع أعضاء مجلس النواب والأحزاب بإعلان تأييدهم العلني لهذا المبدأ. بذلك ينتقل الضغط إلى القوى السياسية نفسها، ويصبح من الصعب الاكتفاء بتأييد نظري لمرجعية الدولة، مع الاحتفاظ باستثناءات عملية في ملف السلاح وقرار الحرب والسلم.
كلفة التسوية ترتفع
ردّ "حزب الله" عبر النائب علي عمار، بعنف على البيان، واعتبره تدخلاً في الشؤون اللبنانية، مطالباً الدول الخمس بمواقف تدين الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية وتؤيد حق المقاومة. ويكشف الرد حجم الحساسية التي أثارها البيان، بعدما جمع بين القضية القضائية ومطلب سياسي يتصل مباشرة بموقع الحزب في المعادلة اللبنانية.
وتكمن أهمية توقيت البيان أيبضا عد حديث متصاعد عن تسوية القضية على الطريقة اللبنانية ليشير إلى كلفة هذه التفاهمات، بعدما بات الملف تحت مجهر دولي، وأيّ تعطيل للتحقيق أو التفاف على نتائجه قابلاً لأن يُقرأ دولياً بوصفه تراجعاً عن التزامات الدولة، لا مجرد معالجة داخلية لخلاف سياسي.
في التجربة اللبنانية، لطالما شكّلت التسويات مخرجاً من الأزمات، لكنها تحولت أحياناً إلى وسيلة لتأجيل معالجة أسبابها. وهذه المرة، تحاول الدول الخمس إبقاء القضية خارج منطق الاحتواء المعتاد، وربطها بمسألة أكبر تتعلق بمرجعية القرار في البلاد.
فالرسالة لا تقتصر على ضهر البيدر، ولا على مصير ملف قضائي بعينه. إنها تضع الدولة أمام اختبار قدرتها على ممارسة سلطتها، وتوسّع دائرة الدول التي تراقب هذا الاختبار. والتسوية لا تزال ممكنة، ولكن لم يعد مضموناً أن تمرّ، كما في محطات سابقة، من دون أثمان سياسية وديبلوماسية.
Posted byKarim Haddad✍️
.jpg&w=3840&q=75)


