Wednesday, 24 June 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
المطران إلياس عودة: كم نحتاج في لبنان إلى بشر يعيشون حياة القداسة

المطران إلياس عودة: كم نحتاج في لبنان إلى بشر يعيشون حياة القداسة

June 14, 2026

المصدر:

الوكالة الانباء المركزية

رأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس.  بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "في هذا اليوْم المبارك تحْتفل كنيستنا بتذْكار جامع للقديسين الأنْطاكيين، وقدْ سمعْنا مقْطعا من عظة الرب يسوع على الجبل، التي تدْعونا إلى التأمل في القداسة التي تجلتْ في حياة أولئك الشهود الذين أناروا أرْض أنْطاكية عبْر الأجْيال.  في عظته، لا يكْتفي الرب يسوع بإعْطاء تلاميذه وصايا أخْلاقية أوْ مبادئ روحية، بلْ يكْشف لهمْ هويتهم الجديدة فيه. إنه لا يقول لهمْ: «إصْنعوا نورا»، بلْ «أنْتمْ نور العالم». والنور الذي يتحدث عنْه المسيح ليْس من الإنْسان، بلْ هو نور الله الذي يشْرق في القلْب عنْدما يتحد الإنْسان بربه. فكما أن القمر لا يمْلك نورا خاصا به، بلْ يعْكس نور الشمْس، كذلك القديسون لمْ يكونوا مصْدر النور، بلْ صاروا مرايا حية تعْكس نور المسيح للعالم".

أضاف: "يشبه الرب هذا النور بمدينة موْضوعة على جبل فلا يمْكن أنْ تخْفى. تبْدو هذه الصورة وكأنها تجد تحْقيقا خاصا في أنْطاكية التي نتذكر قديسيها اليوْم. فأنْطاكية لمْ تكنْ مجرد بقْعة أرْض من العالم القديم، بلْ صارتْ، بنعْمة الله، منارة روحية أضاءت المسْكونة كلها. هذا ما نلْمسه في المقْطع الذي سمعْناه اليوْم من سفْر أعْمال الرسل. فبعْد اسْتشْهاد القديس اسْتفانوس وتشتت المؤْمنين بسبب الإضْطهاد، ظن أعْداء الإنْجيل أنهمْ يسْتطيعون إخْماد نور المسيح. لكن العكْس تماما حدث. فالذين تفرقوا حملوا معهم البشارة إلى أماكن عديدة، ووصل بعْضهمْ إلى أنْطاكية. هناك بدأ فصْل جديد في تاريخ الكنيسة. المشْهد الذي يصفه سفْر الأعْمال يحْمل معْنى عميقا. فالكنيسة لمْ تنْم بقوة البطْش والسلاح، ولا بسلْطان السياسة والمال، بلْ بقوة الإيمان والشهادة. أناس بسطاء، مجْهولون في نظر العالم، حملوا كلمة الحياة إلى منْطقة عظيمة تموج بالثقافات والفلْسفات. «كانتْ يد الرب معهمْ فآمن عدد كبير ورجعوا إلى الرب». هكذا، تحولتْ أنْطاكية إلى أرْض خصْبة لإنْبات القداسة، وصارت الجماعة المسيحية فيها مثالا حيا للكنيسة المنْفتحة على جميع الشعوب. وقد «دعي التلاميذ مسيحيين في أنطاكية أولا». لمْ يكنْ هذا الإسْم لقبا جديدا، بلْ كان إعْلانا عنْ واقع جديد.  هؤلاء الناس صاروا معْروفين بانْتمائهم الكامل إلى المسيح، حتى إن المجْتمع منْ حوْلهمْ لمْ يجدْ وصْفا لهمْ سوى أنهمْ جماعة المسيح".

وتابع: "منْذ تلْك الحقبة أخذ نور أنْطاكية ينْتشر في كل اتجاه بفضْل بشارة مؤسسيْ كنيستها، هامتي الرسل بطرس وبولس وتلاميذهما. فمنْها انْطلقتْ رحْلات التبْشير الكبْرى، ومنْها خرج الرسل إلى الأمم، وفيها نشأتْ إحْدى أعْظم المدارس اللاهوتية في تاريخ الكنيسة. على مدى القرون، لمْ تتوقفْ أرْض أنْطاكية عنْ إنْجاب القديسين، ولنْ يكون آخرهم الشهداء في الكهنة يوسف ونقولا وحبيب الدمشقيون، والقديس روفائيل هواويني أول رئيس كهنة أنْطاكي على أبرشية نيويورك وأميركا الشمالية. فقدْ قدمتْ أنطاكية للكنيسة شهداء واجهوا الموْت بفرح لأنهمْ رأوا في المسيح الحياة التي لا تزول، ورعاة حملوا هم الكنيسة وسْط الإضْطهادات والإنْقسامات، ومعلمين فسروا الكتاب المقدس بعمْق وأمانة، ونساكا امْتلأت البراري منْ صلواتهمْ وارتوتْ بدموع توْبتهم. منْ هؤلاء برز القديس إغْناطيوس الأنْطاكي الذي سار إلى الإسْتشْهاد مشْتاقا للإتحاد الكامل بالمسيح، والقديس يوحنا الذهبي الفم الذي أضاء الكنيسة بعلْمه ووعْظه مع القديس يوحنا الدمشْقي، والقديسات الشهيدات بربارة البعلْبكية، وأكيلينا الجبيْلية، وتقلا تلْميذة الرسول بولس، وكْريسْتينا التي منْ صور، والقديسون لوقا الإنْجيلي، ورومانوس المرنم، وسمْعان العمودي، وملاتيوس الأنطاكي، والأطباء قزما ودمْيانوس وإليان الحمْصي العادمو الفضة، وجموع كثيرة من القديسين المعْروفين لدى الناس والمجْهولين، إلا من الله".

وقال: "كنيستنا المقدسة تسْتذْكر هؤلاء القديسين كلهمْ في عيد واحد، دون الوقوف عنْد أمْجاد الماضي. فتذْكار القديسين الأنْطاكيين ليْس احْتفالا بتاريخ مضى، بلْ إعْلان عنْ أن القداسة ما زالتْ ممْكنة في أيامنا. نحْن لا نكرم القديسين لأنهمْ أشْخاص إسْتثْنائيون بعيدون عنْ واقعنا، بلْ لأنهمْ أناس عاشوا الإنْجيل بجدية رغْم الصعوبات، فصاروا مثالا لكل مؤْمن. إنهمْ يذكروننا بأن المسيح الذي عمل فيهمْ ما زال يعْمل في كنيسته، والروح القدس الذي قدسهمْ ما زال يقدس منْ يفْتح له القلب. هذا هو الدرْس الأكْثر إلْحاحا لإنْسان عصْرنا المضْطرب بالنزاعات والحروب والفقْر والبطالة. نحْن نعيش في عالم يفيض بالمعْرفة، لكنه كثيرا ما يفْتقر إلى الحكْمة. عالمنا يزْداد فيه التواصل التقْني، لكن الإنْسان يشْعر فيه بالعزْلة. هذا العالم يعد بالسعادة، لكنه يتْرك كثيرين في قلق وخوْف وفراغ. في وسط هذه التحديات تأْتي سير القديسين لتعلمنا أن الإنْسان لا يجد اكْتماله في النجاح أو السلْطة أو الغنى والمجْد، بلْ في الشركة مع الله. القداسة ليْستْ إمْتيازا لفئة قليلة، بلْ هي الدعْوة الأساسية لكل معمد. الرب لا يطْلب منا أنْ نقوم بأعْمال خارقة، بلْ أنْ نحْيا أمانة الإنْجيل في ظروف حياتنا اليوْمية ولوْ صعْبة، وأنْ نسْمح لنوره بأنْ يشْرق في أفْكارنا وكلماتنا وأعْمالنا وحياتنا".

وأردف: "يعلمنا القديسون الأنْطاكيون أيْضا أن الشهادة للمسيح لا تتم بالكلام، بلْ بالحياة. لقدْ آمن الناس في أنْطاكية لأنهمْ رأوا جماعة مخْتلفة يعيش أعْضاؤها المحبة والتضامن والعطاء. هذا ما يظْهر في ختام مقْطع أعْمال الرسل عنْدما هب المؤْمنون لمساعدة إخْوتهم المحْتاجين في زمن المجاعة. فالنور الذي تحدث عنْه المسيح لمْ يكنْ فكْرة مجردة، بلْ هو محبة متجسدة في خدْمة الآخرين. الكنيسة تصْبح نورا للعالم عنْدما يتحول الإيمان فيها إلى حياة، والعقيدة إلى شهادة، والصلاة إلى محبة معاشة. كم نحْن بحاجة في لبنان إلى بشر يعيشون حياة القداسة المتجلية في الصلاة والمحبة والتواضع والخدْمة وابتغاء الحق والخيْر، واحْترام الإنسان المخْلوق على صورة الله ومثاله، وحفْظ كرامته الممْنوحة له من الله، علهم يكونون شفعاء لهذا الوطن، مع القديسين السابقين، يبْتهلون إلى الله كي ينْتشله مما يرْزح فيه إلى الحرية والسلام والإسْتقْرار".

وختم: "فيما نحْتفل اليوْم بقديسينا الأنْطاكيين، علينا ألا نكْتفي بالنظر إليْهمْ بإعْجاب، بلْ أنْ نسْأل أنْفسنا إنْ كنا نسير في الطريق الذي سلكوه. هلْ يظْهر المسيح في حياتنا؟ هلْ نعْكس شيْئا منْ نور الإنْجيل؟ هلْ نحْفظ الإيمان الذي سلمه إليْنا الآباء ونعيشه بصدْق وشجاعة وأمانة في عالمنا المعاصر؟ إن أعْظم تكْريم نقدمه للقديسين لا يكون في ذكْر أسْمائهمْ وحسْب، بلْ في الإقْتداء بإيمانهمْ وحْمل الشعْلة التي حملوها قبْلنا، فنكون منْ أولئك الذين يعْملون ويعلمون، الذين ذكرهم الرب في نهاية إنْجيل اليوم، الذين يدْعوْن عظماء في ملكوت السموات".

 

Posted byKarim Haddad✍️

المطران إلياس عودة: لا يقاس الأب المسيحي بما يوفره لأولاده من حاجات مادية بل بما يزرعه فيهم من إيمان وثقة بالله
June 21, 2026

المطران إلياس عودة: لا يقاس الأب المسيحي بما يوفره لأولاده من حاجات مادية بل بما يزرعه فيهم من إيمان وثقة بالله

رأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس.  بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "كثيرا ما يعيش الإنسان ممزقا بين الإيمان والخوف. فهو يؤمن بالله، ويعترف بعنايته ومحبته، لكنه يحمل في قلبه هموما كثيرة على حياته ومستقبله وأولاده. يصلي ويطلب معونة الله، ثم يعود فيغرق في القلق وكأن كل شيء رهن قوته الخاصة. لذلك على كل إنسان أن يسأل نفسه هل أثق حقا بالله؟  وهل أعيش إيماني كعلاقة حية مع آب سماوي يحبني ويعتني بي، أم أن إيماني محصور في بعض الممارسات الخارجية؟ إنجيل اليوم مع مقطع الرسالة الذي سمعناه من رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية يجيبان عن هذا السؤال. بولس يكشف لنا أساس الثقة المسيحية، والرب يسوع يبين لنا كيف نحيا هذه الثقة في تفاصيل حياتنا اليومية. يقول الرسول: «إذ قد بررنا بالإيمان، فلنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح». لقد انفصل الإنسان عن الله وصار غريبا عنه بسبب الخطيئة، لكن الله لم يترك الإنسان في غربته وهلاكه، بل بادر إليه بمحبته. لذلك يضيف الرسول: «أما الله فيدل على محبته لنا بأنه إذ كنا خطأة بعد مات المسيح من أجلنا». لم ينتظر الله أن نصبح أبرارا لكي يحبنا، ولم يطلب منا أن نستحق محبته قبل أن يفتدينا، بل أحبنا أولا، وبذل ابنه الوحيد من أجل خلاصنا".

أضاف: "هذه الحقيقة هي أساس الحياة المسيحية كلها. فإيماننا لا يقوم على الخوف من الله بل على الثقة بمحبته. نحن لا نقترب من الله كعبيد لسيد قاس، بل كأبناء لأب محب. لذا، السلام الذي يتحدث عنه الرسول هو ثمرة المصالحة مع الله. من عرف أن الله يحبه حتى الصليب، ومن أدرك أن المسيح مات من أجله ليخلصه، لا ينظر إلى حياته بالطريقة التي ينظر بها إنسان لم يعرف الله. في إنجيل اليوم، يتكلم الرب يسوع على العين البسيطة والعين الشريرة، ثم ينتقل إلى الحديث عن المال والهموم والقلق. يقول: « إن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرا، وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلما» ويتابع: « لا يستطيع أحد أن يعبد ربين... لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال».  للوهلة الأولى قد تبدو هذه المواضيع مختلفة، لكنها في الحقيقة مرتبطة بعضها ببعض. فالعين التي تحدث عنها الرب ليست العين الجسدية، بل عين القلب. إنها الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى الله وإلى العالم ونفسه".

وتابع: "إذا كانت العين بسيطة، أي إذا كان القلب ثابتا في الله وواثقا بمحبته، إمتلأ الإنسان نورا وسلاما. أما إذا كانت العين مظلمة، أي إذا صار الإنسان أسير الخوف والطمع والإنشغال المفرط بالأمور الأرضية، تدخل الظلمة أعماقه ويصبح فكره مشوشا ومضطربا. لذلك يقول الرب: «لا يقدر أحد أن يعبد ربين... لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال». المشكلة ليست في المال بذاته، بل في مكانته في القلب الذي إن تعلق بالأمور الزائلة أكثر من تعلقه بالله يفقد سلامه ويعيش في القلق. يتابع الرب قائلا: «لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون وبما تشربون». إنه لا يدعونا إلى الكسل أو إهمال المسؤوليات، بل إلى التحرر من القلق الذي يلتهم القلب. الإنسان المؤمن يعمل ويكد، لكنه يعرف أن حياته في يد الله. يقوم بما عليه، ثم يسلم الباقي لعناية الآب السماوي. يعيش إنسان اليوم في عالم تزداد فيه المخاوف والضغوط. كثيرون يحملون هم العائلة والمستقبل والعمل والأوضاع الإقتصادية والمرض والشيخوخة. في عالمنا المعاصر كثيرا ما يختنق الإنسان بثقل الهموم حتى يفقد فرحه وسلامه. لكن المسيح يعيد توجيه أنظارنا نحو حقيقة أن الله الذي أحبنا حتى بذل ابنه الوحيد من أجلنا، سيهتم أيضا بحياتنا اليومية، والذي صالحنا معه ونحن خطأة، لن يهملنا بعد أن صرنا أبناءه".

وقال: "يصل الرب إلى ذروة تعليمه عندما يقول: «أطلبوا أولا ملكوت الله وبره، وهذا كله يزاد لكم». المشكلة الكبرى في حياة الإنسان ليست نقص الإمكانات، بل اضطراب النظرة إلى الأولويات. كثيرا ما نطلب كل شيء قبل الله، ثم نتعجب لأن قلوبنا مضطربة. المسيح يدعونا إلى وضع الله في المركز الأول. عندما يكون الملكوت الهدف الأول، تأخذ بقية الأمور مكانها الصحيح، وعندما يصبح الله محور الحياة، تتحول الهموم إلى صلاة، والخوف إلى رجاء، والإضطراب إلى سلام".

أضاف: "إذ يحتفل عالمنا اليوم بعيد الأب، تكتسب هذه الرسالة معنى خاصا. فالله شاء أن تكون الأبوة الأرضية صورة لأبوته السماوية. الإبن يتعلم الثقة من خلال خبرته مع أبيه الذي يحبه ويهتم به ويحمله في ضعفه. لذلك، لا يقاس الأب المسيحي بما يوفره لأولاده من حاجات مادية، بل بما يزرعه فيهم من إيمان وثقة بالله. أولادنا اليوم لا يحتاجون من يعلمهم النجاح في العالم، بل من يعلمهم الثقة بالله وسط عالم مضطرب. يحتاجون أبا يصلي ويحب ويغفر، أبا يضع الله في المرتبة الأولى من حياته. الأب الذي يعيش الإنجيل يصبح إنجيلا حيا تقرأه أسرته كل يوم. وحين يرى الأبناء في أبيهم رجلا يتكل على الله أكثر من اتكاله على المال والسلطة والمركز، ويطلب الملكوت قبل المجد الأرضي الزائل، يتعلمون معنى الإيمان الحق. كذلك، نتذكر اليوم الآباء الروحيين الذين يرافقون الجميع في مسيرة الخلاص ويقودونهم إلى معرفة المسيح. هم مدعوون أيضا إلى أن يعكسوا صورة الآب السماوي بالمحبة والتواضع والتسامح والرعاية والتعليم، لكي يشعر المؤمنون من خلال خدمتهم بحضور الله الآب وحنانه".

وختم: "تدعونا كلمة الله اليوم لنرفع أنظارنا فوق مخاوف العالم، ونتذكر أننا تصالحنا مع الله بدم المسيح وصرنا أبناء له، فلا مكان لليأس بعد، ولا سبب للشك في عنايته. فلنجعل عين القلب بسيطة ونقية، ولنطلب أولا ملكوت الله وبره، عالمين أن الآب السماوي يعرف احتياجاتنا قبل أن نسأله، ويقود حياتنا بحكمة ومحبة تفوقان كل فهم، وقد قال لنا: «أنظروا إلى طيور السماء فإنها لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء وأبوكم السماوي يقوتها. أفلستم أفضل منها... تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو. إنها لا تتعب ولا تغزل، وأنا أقول لكم إن سليمان نفسه في كل مجده لم يلبس كواحدة منها. فإذا كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويطرح غدا في التنور يلبسه الله هكذا أفلا يلبسكم بالأحرى أنتم يا قليلي الإيمان؟» (متى 6: 26: 30). فلتكن عيننا بسيطة لتكون سراجا لنا كما قال الرب يسوع، فيكون قلبنا مستنيرا بنور المسيح".

 

ميناسيان: نسأل الرب أن يحفظ هذا الوطن رسالةَ عيشٍ مشتركٍ وحوارٍ وحرية
June 20, 2026

ميناسيان: نسأل الرب أن يحفظ هذا الوطن رسالةَ عيشٍ مشتركٍ وحوارٍ وحرية

ترأّس كاثوليكوس بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان، القداس الاحتفالي لمناسبة عيد القديس غريغوريوس المنوّر، شفيع الكاتدرائية، في كاتدرائية القديسين غريغوريوس المنوّر وإيليا النبي – الدباس.

عاونه في الخدمة الأسقف المعاون لأبرشية بيروت البطريركية المطران كريكور باديشاه، النائب البطريركي لجمعية كهنة بزمار البطريركية ورئيس دير سيدة بزمار المونسنيور ماشدوتس زاهتريان ولفيف من الآباء الكهنة والشمامسة، بحضور فاعليات ومؤمنين.


بعد الإنجيل، ألقى عظةً جاء فيها: "نجتمع اليوم حول مذبح الرب لنحتفل بعيد القديس غريغوريوس المنوّر، شفيع هذه الكاتدرائية المباركة، الرجل الذي لم يكتفِ بأن يحمل نور المسيح في قلبه، بل صار أداةً إلهية أنارت شعبًا بأسره، فدخلت أرمينيا، بفضل شهادته وإيمانه، إلى نور الإنجيل، لتكون أول أمّة في التاريخ تعلن المسيحية دينًا للدولة. إنّ غريغوريوس المنوّر لم يولد قديسًا بعيدًا عن آلام البشر، بل عرف الخوف والظلم والاضطهاد. سُجن في حفرة خور فيراب سنوات طويلة، في ظلمةٍ بدت وكأنها نهاية كل شيء. لكنّه أدرك أنّ من يسكن مع الله لا تسكنه الظلمة. لقد حوّل السجن إلى مدرسة صلاة، والألم إلى طريق للقداسة، والانتظار إلى ثقة كاملة بالعناية الإلهية. وحين خرج من الحفرة، لم يخرج طالبًا انتقامًا ممّن أساؤوا إليه، بل خرج حاملًا شفاءً وغفرانًا ومحبة. وهذه هي أعظم معجزاته: أنّه انتصر على الكراهية بالمحبة، وعلى العنف بالرحمة، وعلى الظلام بالنور. هكذا نور الأمّة الأرمنية بروحانيتنا المتماسكة بالفادي الغالي مخلّصنا يسوع المسيح. وهذا ما يحتاج عالمنا اليوم روح القديس غريغوريوس! ففي زمن الانقسامات والصراعات، يذكّرنا بأن المسيحي مدعوّ ليكون صانع السلام، لا ناشر الخصام؛ باني الجسور، لا رافع الجدران؛ شاهدًا للمحبة، لا أسيرًا للأحقاد".


أضاف: "المحبّة ليست ضعفًا، بل هي أقوى قوةً تغيّر وجه التاريخ. لقد قال الرب يسوع: «بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلَامِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ لبَعْضُكُمْ البَعْضٍ» (يوحنا 13: 35). فالكنيسة لا تُقاس بعظمة أبنيتها ولا بكثرة نشاطاتها، بل بمقدار المحبة التي يعيشها أبناؤها. وحيث توجد المحبة الصادقة، يكون الله حاضرًا، لأنّ "الله محبة". إن اجتمع اثنان أو ثلاث باسمي وعلى درب القديس غريغوريوس سار خادم الرب الكاردينال كريكور بيدروس الخامس عشر أغاجانيان، الراقد فيها بانتظار القيامة المجيدة الذي حمل في حياته همّ الكنيسة الجامعة وقلب الشرق، وظلّ أمينًا لجذوره الأرمنية وإرثه الروحي، فصار مثالًا في الخدمة والتواضع والانفتاح. إنّ حضوره بيننا اليوم هو دعوة لأن نعيش إيماننا بأمانة على مثال القديس غريغوريوس، وأن نخدم الكنيسة بدون انتظار مقابل، وأن نترك للأجيال القادمة إرثًا من المحبة والقداسة والرجاء".

وتابع: "فلنسأل أنفسنا أمام مثال القديس غريغوريوس : هل نضيء حياة الآخرين أم نزيد ظلامهم؟ هل نغفر كما غفر القديسون؟ هل نزرع الرجاء في القلوب المتعبة؟ هل نكون شهودًا للمسيح في بيوتنا ومجتمعنا ووطننا؟ إنّ القداسة ليست حكرًا على الماضي، بل دعوة موجّهة إلى كل واحد منّا اليوم. فالله لا يبحث عن أناس كاملين، بل عن قلوب مستعدّة لأن تحبّ وتخدم وتثق به حتى النهاية. وفي هذه الذبيحة الإلهية، نرفع صلاتنا من أجل وطننا الحبيب لبنان، سائلين الرب، بشفاعة القديس غريغوريوس المنوّر، أن يحفظ هذا الوطن رسالةَ عيشٍ مشتركٍ وحوارٍ وحرية، وأن يبارك شعبه، ويهدي المسؤولين فيه إلى اتخاذ القرارات التي تصون كرامة الإنسان، وتُعزّز العدالة، وتعيد الأمل إلى قلوب الشباب والعائلات. ونصلّي بصورة خاصة من أجل بيروت، هذه المدينة التي عرفت الألم ولم تفقد رجاءها، التي سقطت وقامت، وبكت وما زالت تعلّم أبناءها معنى الصمود. نسأل الله أن يحمي بيروت من كل شر، وأن تبقى مدينة اللقاء والمحبة والثقافة ونافذة الشرق على الحضارة، وعاصمةً للشهادة بأن النور أقوى من الظلمة، وأن الحياة تنتصر دائمًا على الموت".

وختم: "فلتكن شفاعة القديس غريغوريوس المنوّر سندًا لنا، ولنحمل جميعًا نور المسيح إلى العالم، لكي يرى الناس أعمالنا الصالحة، ويمجّدوا الآب الذي في السماوات".