Wednesday, 8 April 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
عودة: مُؤْلِمٌ أَنْ يَبْقَى الشَّعْبُ مُثْقَلًا بِالأَوْجاعِ وقَلِقًا على مَصيرِه

عودة: مُؤْلِمٌ أَنْ يَبْقَى الشَّعْبُ مُثْقَلًا بِالأَوْجاعِ وقَلِقًا على مَصيرِه

April 5, 2026

المصدر:

الوكالة الانباء المركزية

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة قداس الشعانين في كاتدرائية القديس جاورجيوس بحضور مؤمنين. تلا القداس زياح في ساحة النجمة طاف خلاله المؤمنون مع أطفالهم حاملين الشموع وأغصان الزيتون.

بعد الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "أَحَدُ الشَّعانين، يَوْمُ الدُّخُولِ الإِلَهِيِّ إلى أُورَشَلِيمَ، لَيْسَ مُجَرَّدَ ذِكْرى تارِيخِيَّةٍ، بَلْ هُوَ كَشْفٌ لِسِرِّ مَلَكُوتٍ مَقاييسُهُ مُخْتَلِفَةٌ عَنْ مَقاييسِ هَذا العالَم. فَفِي إِنْجيلِ اليَوْم، وبعدَ أن أقامَ في بَيْتَ عَنْيا صديقَهُ لعازرَ، مُظْهِرًا سُلْطانَهُ على المَوْت، نَرَى المَسِيحَ آتِيًا إلى المَدِينَةِ المُقَدَّسَةِ، لا على صَهْوَةِ جَوادٍ حَرْبِيٍّ، مُحاطًا بِجيوشٍ جَرّارَةٍ، دَلالَةً على جَبَروتِهِ، بَلْ نُعايِنُهُ جالِسًا على جَحْشٍ ابْنِ أَتانٍ، عَلامَةَ الوَداعَةِ والتَّواضُعِ، فِيما الجُمُوعُ تَسْتَقْبِلُهُ بِسَعَفِ النَّخِيلِ وتَهْتِفُ: «أُوصَنَّا! مُبارَكٌ الآتي بِاسْمِ الرَّبِّ، مَلِكُ إِسْرائيل». يَسْبِقُ هَذا المَشْهَدَ حَدَثٌ عَمِيقُ الدَّلالَةِ، هُوَ سَكْبُ مَرْيَمَ الطِّيْبَ على قَدَمَيِّ الرَبِّ يَسوعَ ومَسْحُهُما بِشَعْرِها، كَأَنَّها تُعْلِنُ مُسْبَقًا أَنَّ هَذا المَلِكَ إِنَّما يَمْضِي إلى مَوْتِهِ، وأَنَّ عَرْشَهُ هُوَ الصَّلِيب".

أضاف: "في دُخُولِهِ إلى أُورَشَلِيمَ لا يَطْلُبُ المَسِيحُ مَجْدًا أَرْضِيًّا، ولا يُثَبِّتُ سُلْطانًا سِياسِيًّا، بَلْ يَكْشِفُ عَنْ ماهِيَّةِ مُلْكِهِ، مُلْكِ المَحَبَّةِ وَالبَذْلِ والتَّضْحِيَة والسَلام. فَهُوَ المَلِكُ الَّذِي «لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ، بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذُلَ نَفْسَهُ فِداءً عَنْ كَثِيرِين» (مر10: 45). هُنا، يَتَجَلَّى التَّناقُضُ الصَّارِخُ بَيْنَ مَنْطِقِ اللهِ ومَنْطِقِ البَشَر. فَالعالَمُ يَقِيسُ العَظَمَةَ بِالسُّلْطَةِ والغِنَى والنُّفوذِ، أَمَّا المَسيحُ فَيَقِيسُها بِالمَحَبَّةِ المُتَواضِعَةِ الَّتي لا تَقْتُلُ بَلْ تَبْذُلُ ذاتَها حَتَّى النِّهايَة. رِسالَةُ اليَوْم تُتَمِّمُ هَذا المَشْهَدَ، إِذْ يَدْعُونا الرَّسولُ بولُسُ إلى الفَرَحِ الدَّائِمِ في الرَّبِّ، وإلى الوَداعَةِ والحِلْمِ الظاهِرَيْنِ لِجَميعِ النَّاسِ، لأَنَّ «الرَّبَّ قَرِيبٌ» وَقُرْبُهُ الإِلَهِيُّ لَيْسَ فِكْرَةً نَظَرِيَّةً، بَلْ هُوَ حُضورٌ حَيٌّ يَدْعُو الإِنْسانَ إلى تَغْييرِ نَمَطِ حَياتِهِ، وإلى العَيْشِ بِحَسَبِ الحَقِّ والعَدْلِ والطَّهارَةِ و«كُلِّ صِفَةٍ مُحَبَّبَةٍ» وَ«صِيتٍ حَسَن». الفَرَحُ المَسِيحِيُّ لَيْسَ هُروبًا مِنَ الواقِعِ، بَلْ هُوَ ثَمَرَةُ الثِّقَةِ بِأَنَّ اللهَ حاضِرٌ وَسْطَ الضِّيقِ، وأَنَّ سَلامَهُ «الَّذي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ» يَحْفَظُ القُلُوبَ والبَصائر".

وتابع: "في أَحَدِ الشَّعانِينِ نحنُ أَمامَ سُؤالٍ جَوْهَرِيٍّ: أَيَّ مَلِكٍ نَنْتَظِرُ؟ وأَيَّةَ صُورَةٍ عَنِ السُّلْطَةِ نَحْمِلُ في أَذْهانِنا؟ إِنَّ الجُمُوعَ الَّتي اسْتَقْبَلَتْ الرَّبَّ يَسوعَ كَمَلِكٍ ظافِرٍ،كانَتْ تَتَوَقَّعُ مَلِكًا أَرْضِيًّا يُحَرِّرُها مِنَ الإحْتِلالِ وَيَبْطُشُ في الأرْضِ، لَكِنَّها سُرْعانَ ما خابَتْ حِينَ اكْتَشَفَتْ أَنَّهُ لا يُلَبِّي طُمُوحاتِها. لِذَلِكَ تَحَوَّلَ هُتافُ «أُوصَنَّا» بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ إلى «اصْلِبْهُ». هَكَذا هُوَ قَلْبُ الإِنْسانِ. حِينَ يَبْقَى أَسِيرَ المَصالِحِ الضَّيِّقَةِ لا يَفْهَمُ سِرَّ اللهِ الَّذي يَعْمَلُ في التَّواضُعِ والبَساطَةِ والخَفاء. لذا نُخاطِبُ اليَوْمَ بِشَكْلٍ خاصٍّ كُلَّ مَنْ أُوْكِلَتْ إِلَيْهِ مَسْؤُولِيَّةٌ في هَذا البَلَدِ، سِواءَ في الحُكْمِ أَوِ القِيادَةِ أوِ الإِدارَةِ أَوِ القَضاءِ أوِ الخِدْمَةِ العامَّة. إِنَّ المَسِيحَ لا يَدْخُلُ اليَوْمَ إلى أُورَشَلِيمَ فَقَطْ، بَلْ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ إلى قَلْبِ كُلِّ مَسْؤُولٍ، لِيُعِيدَ تَعْرِيفَ السُّلْطَةِ في داخِلِه. السُّلْطَةُ، بِحَسَبِ الإِنْجيلِ، لَيْسَتْ إِمْتِيازًا يُسْتَغَلُّ، بَلْ أَمانَةٌ تُحْمَلُ. لَيْسَتْ تَعالِيًا على النَّاسِ، بَلِ انْحِناءٌ نَحْوَهُمْ. لَيْسَتْ تَرَفًا في القُصورِ، بَلْ مُشارَكَةٌ في آلامِ الشَّعْب. السُّلْطَةُ خِدْمَةٌ وتَضْحِيَةٌ وَبَذْلٌ وعَطاءٌ. يَقولُ الرَبُّ يسوع: « مَنْ أرادَ أنْ يَكونَ فيكُم كَبيرًا فَلْيَكُنْ لِلجميعِ خادِمًا، وَمَنْ أرادَ أنْ يَكونَ فيكُم أوّلَ فَلْيَكُنْ لِلجَميعِ عَبْدًا»( مر10: 43-44 ).  كما نَقْرأُ في سِفْرِ الأمثال: «الرَحْمَةُ والحَقُّ يَحْفَظانِ المَلِكَ، يَسْنُدُ عَرْشَهُ بالرَحْمَة» (أم20: 28)  و « ارْتِكابُ الشَرِّ قَبيحَةٌ عِنْدَ المُلوكِ لأنَّه بالبِرِّ يُثَبَّتُ العَرْشُ» (أم 16: 12 )".

وقال: "كَمْ هُوَ مُؤْلِمٌ أَنْ يَبْقَى الشَّعْبُ مُثْقَلًا بِالأَوْجاعِ والهُموم، رازِحًا تَحْتَ الضُّغوطِ الإقْتِصادِيَّةِ والإجْتِماعِيَّةِ والأمْنِيَّةِ، قَلِقًا على مَصيرِهِ، فِيما المَسْؤُولُونَ يَكْتَفُونَ بِخِطاباتٍ وَقَراراتٍ لا تُغَيِّرُ واقِعًا، ولا تَمْسَحُ دَمْعَةً، ولا تُطْعِمُ جائِعًا، أو تَردُّ نازِحًا إلى بَيْتِه. الأعْمالُ هِيَ المِقْياس. المَسيحُ لَمْ يَكْتَفِ بِالكَلامِ  بَلْ نَزَلَ إلى عُمْقِ مُعاناةِ الإِنْسانِ، شَفى المَرْضَى، طَهَّرَ البُرْصَ، أطْعَمَ الجُموعَ، أقامَ المَوْتى، بَكَى مَعَ الباكِين، جالَسَ المُحْتَقَرينَ والمُهَمَّشينَ وَعَزّى قُلوبَهُم. إِنَّهُ الإِلَهُ الَّذي لَمْ يَبْقَ في «قَصْرِهِ السَّماوِيِّ»، بَلْ «أَخْلَى ذاتَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ،صائرًا في شِبْهِ الناس» (في 2: 7)، لِكَيْ يَرْفَعَ الإِنْسانَ مِنْ سُقُوطِهِ. مَنْ أَرادَ أَنْ يَكُونَ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لِلجَمِيعِ خادِمًا، لأَنَّ العَظَمَةَ الحَقِيقِيَّةَ تُقاسُ بِمَدَى القُرْبِ مِنَ المُتَأَلِّمِينَ، وَحَمْلِ أوْجاعِهِم وَبَلْسَمَةِ جِراحِهِم، تُقاسُ بالخِدْمَةِ وَالمَحَبَّةِ الحَقيقِيَّةِ التي لا تَدينُ، ولا تُجَرِِّحُ، ولا تَتَعالى، ولا تَحْسُدُ، ولا تَتَباهى، ولا تَفْرَحُ بالظُلْمِ بل تَفْرَحُ بالحَقِّ، وَتَخْدُمُ، وَتَرأَفْ، وَتَحْتَمِلُ، وَتَصْبُرُ (1كو13: 4-6 ). يُذَكِّرُ آباءُ الكَنِيسَةِ دائمًا بِقَوْلِ الرَّبِّ إِنَّ الرَّاعِي الحَقِيقِيّ هُوَ الَّذي يَعْرِفُ خِرافَهُ، ويَبْذُلُ نَفْسَهُ عَنْها، لا الَّذِي يَخْتَبئُ عِنْدَ مَجِيءِ الذِّئْبِ (يو10: 11) . هَذِهِ الصُّورَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ مِرْآةٌ وَدَيْنونَةٌ لِكُلِّ الزُعَماءِ وَالمَسْؤُولينَ وَالقادَةِ الَّذينَ عَلَيهِمْ أَنْ يُسائِلوا ذَواتِهِم عَنْ مَدى أمانَتِهم لِواجِباتِهِم، وَتَفانيهِم في خِدْمَتِهِم، واسْتِقامَتِهِم،  وَصِدْقِهِم في القَوْلِ والفِعْل". 

أضاف: "مسيحُنا تنازَلَ، تَجَسَّدَ، وَقَبِلَ أن يُدانَ مِنَ الشَعْبِ الذي لَمْ يَعْرِفْهُ.«إلى خاصَّتِهِ أتى وَخاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ» يَقولُ الإنجيليّ يوحَنا (1:1)  . قَبِلَ الهُزْءَ وَالصَلْبَ وَالمَوْتَ ليُتِمَّ على الصَليبِ ذَبيحَةَ الفِداءِ، وَيُحَقِّقَ غَلَبَةَ الحَقِّ والعَدْلِ وَالبِرّ على الظُلْمِ وَالرِياءِ، غَلَبَةَ النورِ على الظُلْمَةِ ومَنْطِقِ الوَداعَةِ على البَطْشِ وَالتَسَلُّط. حُضورُ المَسيحِ الوَديعِ في أورشليم هُوَ إعلانٌ لانْتِصارِ المَحَبَّة. فَهَذا المُحاطُ بالأطْفالِ وَمَساكينِ الأرْضِ حَضَرَ لِيَقْلِبَ عُروشَ المُقْتَدِرينَ الظالِمين، وَيَطَأَ مَنْطِقَ القُوَِّة والإسْتِبْدادِ، وَيُعْلِنَ لِلجَميعِ «إنْ لَمْ تَرجِعوا وَتَصيروا كالأطْفالِ فلن تَدْخُلوا مَلَكوتَ السماوات» (متى 18: 3). إِنَّ دُخُولَ المَسِيحِ إلى أُورَشَلِيمَ على جَحْشٍ هُوَ إِدانَةٌ صامِتَةٌ لِكُلِّ كِبْرِياءٍ بَشَرِيٍّ، ولِكُلِّ سُلْطَةٍ تَتَعالى على النَّاس أو تُبيدُهُم. إِنَّهُ إِعْلانٌ بِأَنَّ الطَّرِيقَ إلى المَجْدِ يَمُرُّ عَبْرَ الإتِّضاع. فَالَّذي يَرْفُضُ أَنْ يَنْحَنِي اليَوْمَ بِمَحَبَّةٍ، سَيَنْكَسِرُ غَدًا تَحْتَ ثِقَلِ الدَّيْنُونَة. أَمَّا الَّذي يَتَعَلَّمُ مِنَ المَسيحِ الوَدِيعِ والمُتَواضِعِ القَلْبِ، فَيَجِدُ راحَةً لِنَفْسِهِ، ويَصِيرُ رَسولَ سَلامٍ في هَذا العالَمِ المُضْطَرِبِ المَحْكومِ بِغَريزَةِ الإسْتِقْواءِ والقَتْلِ. في المُقابِلِ، لا يُعْفَى الشَّعْبُ نَفْسُهُ مِنَ المَسْؤُولِيَّة. فَالإِنْسانُ مَدْعُوٌّ أَيْضًا إِلى أَنْ يُنَقِّي تَوَقُعاتِه، وأَلَّا يَطْلُبَ مِنْ قادَتِهِ ما يَتَعارَضُ مَعَ مَشِيئَةِ الله. فَكَما أَنَّ المَسْؤُولَ مَدْعُوٌّ إلى الخِدْمَةِ، كَذَلِكَ الشَّعْبُ مَدْعُوٌّ إلى أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وأَلَّا يَنْجَرَّ  وَراءَ الشِّعاراتِ الفارِغَة. إِنَّ اللِّقاءَ الحَقِيقِيَّ مَعَ المَسيحِ يُغَيِّرُ القَلْبَ ويَجْعَلُهُ قادِرًا على التَمْييزِ وَرُؤيَةِ الأُمُورِ بِنُورِ الإِنْجيلِ، لا بِمَنْطِقِ المَصْلَحَةِ الآنِيَّة".

وختم: "ذِكْرى الشَّعانِينِ دَعْوَةٌ لَنا جَمِيعًا إلى اسْتِقْبالِ المَسِيحِ في حَياتِنا، لا بِسَعَفِ النَّخِيلِ فَقَطْ، بَلْ بِأَعْمالِ المَحَبَّةِ وَالتَّواضُعِ وَالوَداعَةِ وَالرَحْمَة. فَلْنَسْأَلْ أَنْفُسَنا: هَلْ نَسْمَحُ لَهُ بِأَنْ يَمْلِكَ على حَياتِنا أَمْ نُرِيدُهُ فَقَطْ أَنْ يُلَبِّي رَغَباتِنا؟ إِنَّ المَلَكُوتَ الَّذي يُعْلِنُهُ المَسِيحُ يَبْدَأُ في القَلْبِ، حِينَ نَخْتارُ السَيْرَ في طَرِيقِهِ، طَرِيقِ الصَّلِيبِ الَّذي يَقُودُ إلى القِيامَة. فَلْنَفْرَحْ إِذًا في الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، كَما يَدْعُونا الرَّسولُ بولُس في رِسالَةِ اليَوم، وَلْتَكُنْ وَداعَتُنا مَعْرُوفَةً عِنْدَ جَمِيعِ النَّاس. وَلْنُسَلِّمْ هُمومَنا للهِ بِالصَّلاةِ والشُّكْرِ، لِكَيْ يَمْلَأَ سَلامُهُ قُلوبَنا. عِنْدَئِذٍ، نُصْبِحُ نَحْنُ أَيْضًا شُهُودًا لِهَذا المَلِكِ الوَدِيعِ، نَحْمِلُهُ إلى العالَمِ بِأَفْعالِنا، مُعْلِنينَ أَنَّ مَنْطِقَ القُوَّةِ والحَرْبِ والقَتْلِ مَرفوضٌ، وأنَّ المَحَبَّةَ طَريقُنا، وأنَّ الرَّجاءَ لا يَزالُ مُمْكِنًا، لأَنَّ المَسِيحَ  «إلهَ السَلامِ»  الذي دَخَلَ إلى أُورَشَلِيمَ، مَعَنا، وقَد فَتَحَ لَنا طَرِيقَ الحَياة".

Posted byKarim Haddad✍️

ابراهيم: أن نكون مسيحيين يعني أن نحمل الإيمان كسلاح نورٍ في وجه العتمة
April 5, 2026

ابراهيم: أن نكون مسيحيين يعني أن نحمل الإيمان كسلاح نورٍ في وجه العتمة

احتفل رئيس أساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للروم الملكيين الكاثوليك المطران ابراهيم مخايل إبراهيم بقداس الفصح في كاتدرائية سيدة النجاة، بمشاركة النائب الأسقفي العام الأرشمندريت ايلي معلوف، وحضور مدير عام الأمانة العامة في القصر الجمهوري العميد ايلي مينا وعقيلته، رئيس بلدية زحلة المعلقة وتعنايل سليم غزالة، رئيسة مصلحة الصحة في البقاع جويس حداد عبود، رئيس المنطقة التربوية في البقاع يوسف بريدي، رئيس تجمع نقباء المهن الصحية في لبنان البروفسور يوسف بخاش وحشد كبير من المؤمنين. 

وكان للمطران إبراهيم عظة هنأ فيها الجميع بقيامة السيد المسيح، وقال: "المسيح قام. حقا قام، في فجر القيامة، لا نقف أمام حدثٍ ماضٍ نتأمله ببرودة التاريخ، بل أمام زلزالٍ إلهيّ يهزّ منطق هذا العالم من أساسه. القيامة ليست تعزية روحية لشعبٍ متعب، ولا خطابًا دينيًا لتلطيف الألم، بل هي إعلان حربٍ إلهية على الموت، على الظلم، على كل نظامٍ يقوم على سحق الإنسان وإلغاء كرامته. القيامة تقول لنا بوضوحٍ مرعب ومحرِّر في آن: لا شيء نهائيا سوى الله، ولا موت يستطيع أن يدّعي الكلمة الأخيرة.

في لبنان، حيث الحرب ليست خبرًا بل هواءً نتنشقه، حيث الخوف صار نظامًا يوميًا، وحيث الإنسان مهدَّد في وجوده، في خبزه، في مستقبله، وفي كرامته، تأتي القيامة لا لتطلب منا الصبر فقط، بل لتفجّر فينا ثورةً لاهوتية: أن نرفض أن يكون الموت قدرنا، وأن نرفض أن تكون الظلمة هويتنا، وأن نعلن، من قلب الرُكام، أن الحياة أقوى".

وأضاف: "المسيح لم يقم ليقول لنا إن الألم غير موجود، بل ليعلن أن الألم ليس إلهًا. لم يقُم ليزيل الصليب، بل ليكشف أن الصليب ليس نهاية الطريق. في قيامته، سقطت كل فلسفات اليأس، وانكشفت كل الأوهام التي تقنع الإنسان بأن الشرّ أقوى، وأن العنف قدرٌ لا يُهزم. القيامة هي فضيحة لكل من يراهن على انهيار الإنسان، وهي إدانة لكل من يبني سلطته على الخوف والدم.

نحن اليوم لسنا مدعوّين لنحتفل بعيدٍ ليتورجي جميل، بل لننخرط في منطق القيامة ذاته. أن نكون مسيحيين اليوم في لبنان لا يعني أن نحتمي بالإيمان، بل أن نحمل الإيمان كسلاح نورٍ في وجه العتمة. القيامة تفرض علينا أن نكون شهودًا، لا متفرجين؛ بناة حياة، لا مستهلكي نجاة، أن نصرخ في وجه الموت: لن يكون لك الكلمة الأخيرة في بيوتنا، في عائلاتنا، في وطننا."

وقال: "القيامة تُلزمنا أن نعيد تعريف القوة. القوة ليست في السلاح، بل في القدرة على البقاء إنسانًا وسط الوحشية. القوة ليست في السيطرة، بل في الصمود. ليست في الانتقام، بل في كسر دوّامة الكراهية. هذا هو الانتصار الحقيقي الذي أعلنه المسيح: أن يحبّ حتى النهاية، وأن يغفر حتى في قلب الظلم، وأن يقوم رغم كل شيء."

وأشار الى ان "لبنان اليوم على مفترق لاهوتي قبل أن يكون سياسيًا أو اقتصاديًا. إما أن نؤمن أن الموت هو سيد التاريخ، فننغلق في الخوف والهجرة واليأس، وإما أن نؤمن أن المسيح القائم هو ربّ التاريخ، فننهض، لا بقوة البشر، بل بقوة الرجاء الذي لا يُقهر. القيامة ليست فكرة، إنها قرار وجودي: أن نعيش كأن الحياة أقوى، حتى عندما يبدو كل شيء عكس ذلك.

في هذا العيد، المسيح لا يأتي ليقول لنا "لا تخافوا" فقط، بل ليقول: "انهضوا". انهضوا من استسلامكم، من تعبكم، من شعوركم بالعجز. انهضوا لأن القبر فُتح، ولأن الحجر دُحرج، ولأن الله نفسَه دخل في معركتكم وانتصر فيها."

وختم المطران ابراهيم: "هذا هو سرّ الفصح: ليس أن المسيح قام فقط، بل أن القيامة أصبحت ممكنة فينا، في هذا الشرق المتألم، في هذا الوطن الجريح. ومن يجرؤ أن يؤمن بذلك، لا يعود عبدًا للخوف، بل يصبح شاهدًا لملكوتٍ يبدأ هنا، وسط الدمار، كفجرٍ لا يستطيع أحد أن يوقفه. المسيح قام، وهذه ليست جملة ليتورجية، بل إعلان ثورة.

المسيح قام. حقا قام".

============ر.إ 

وبعد القداس استقبل المطران إبراهيم المعايدين بالفصح في قاعة المطران اندره حداد. 

البطريرك الراعي يبكي تأثراً: لبنان ليس بلدا للموت
April 5, 2026

البطريرك الراعي يبكي تأثراً: لبنان ليس بلدا للموت

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي قداس عيد الفصح في الصرح البطريركي في بكركي، في حضور رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وعقيلته السيدة نعمت عون.

بعد الانجيل المقدس، القى الراعي عظة بعنوان: "أتطلبن يسوع الناصري الذي صُلب؟ إنّه قام وليس هنا"(مر 16: 6)

 قال فيها: "فخامة الرئيس، يسعدني أن أرحّب بكم وبالسيدة اللبنانية الأولى، في عيد قيامة الرب يسوع، محاطًا بهذا الجمهور الكريم من أصحاب المعالي والسعادة، وأصحاب المقامات السياسية والعسكرية والقضائية والمدنية. فحضوركم يضفي على العيد معنًى وطنيًّا وروحيًّا عميقًا. فيطيب لي، مع إخواني السادة المطارنة والآباء، أن أقدّم لكم التهاني بالعيد ممزوجة بالدموع على ضحايا الحرب المفروضة علينا بين حزب الله وإسرائيل، وعلى البيوت والمؤسسات المدنية والدينية المهدَّمة، وعلى مئات الألوف من اللبنانيين المشرَّدين من دون مأوى في أصعب فصول السنة، وعلى آلاف الجرحى. وقلبكم على الصامدين بقلق في بلداتهم طالبين العيش بسلام، وهم يرفضون هذه الحرب المفروضة عليهم. ولكن من حقّهم، بحكم الواجب الدولي فتح ممرّات إنسانية تحميهم من الحصار، وتنقل إليهم المواد الغذائية والأدوية والحاجات الأساسية. بحكم كلٍّ من اتّفاقية جنيف الرابعة للعام 1949 بموادها 23، 55، 56 و59؛ والبروتوكول الإضافي الأوّل للعام 1977 بمادّتيه 54 و70؛ وقرار مجلس الأمن 1701 بمادّته 11 (د)".

وتابع: "نحن نعلم وجعكم، فخامة الرئيس، على رؤية شعبكم المشرذَم، المبدَّد، وهو كخراف لا راعي لها. ونعرف أيضًا مساعيكم ليلًا ونهارًا لإيقاف الحرب وويلاتها ودمارها، ولاستعادة سيادة لبنان على كامل أراضيه، ولإعادة الحياة الطبيعية إلى الدولة ومؤسساتها، ولضخّ الحياة في العناصر الاقتصادية والمالية والاجتماعية، ولمساعيكم لدى الدول الصديقة من أجل المساهمة في تحقيق مطالبكم باسم لبنان وشعبه. لكننا، مع فخامتكم وهذا الجمهور من المؤمنين، نؤمن إيمانًا ثابتًا بأنّ المسيح القائم من الموت سيقيم لبنان من حالة الموت إلى الحياة، وسيقيم كل إنسان من موت قلبه بالخطايا والحقد والبغض وروح الشر إلى حالة قيامة بالنعمة الإلهية، وإلّا لكان إيماننا، بحسب تعبير بولس الرسول، باطلًا، ولكنّا موتى بخطايانا، ولكان تبشيرنا باطلًا. أجل، "فيسوع الذي صُلب قد قام" (مر 16: 6). ولذا لم يعد للموت الكلمة الأخيرة، ولم يعد القبر نهاية الإنسان، بل صار معبرًا إلى الحياة. المسيح بقيامته فتح أمام البشرية أفقًا جديدًا. لم تعد حياتنا محكومة بالخوف، ولا مستقبلنا مرهوناً باليأس. القيامة هي إعلان أن الله أقوى من الشر، وأن المحبة أقوى من الكراهية، وأن النور ينتصر دائماً على الظلمة.القيامة ليست حدثًا مضى وانتهى، بل هي حضور دائم. هي دعوة لكل واحد منا أن يخرج من قبره الخاص: من الخوف، من الحقد، من الانقسام، من الأنانية، ومن كل ما يُميت الإنسان في داخله. هي دعوة لنقوم مع المسيح، ولنحيا حياة جديدة، حياة الرجاء. لقد قام المسيح مرة واحدة، ولكن قيامته مستمرة في كل قلب يؤمن، وفي كل إنسان يختار الحياة بدل الموت، والمصالحة بدل الخصام، والمحبة بدل الكراهية".

واضاف: " في عمق الإيمان المسيحي، القيامة هي حجر الزاوية، وهي أساس رجائنا، وضمان خلاصنا. في الليتورجيا، نعيش هذا السر لا كذكرى، بل كحقيقة حاضرة. فالكنيسة تعلن: "المسيح قام!" وكأن الحدث يحدث الآن. لأن القيامة تدخل في الزمن وتحوّله. هذا العيد هو عيد الحياة الجديدة. هو انتقال من الموت إلى الحياة، من الظلمة إلى النور، من الخوف إلى الحرية. في القداس الإلهي، نختبر هذا العبور، فنصبح نحن أيضاً شهوداً للقيامة، مدعوين أن نحمل نورها إلى العالم. القيامة، لاهوتياً، هي انتصار الله في الإنسان. وليتورجياً، هي مشاركة الكنيسة بهذا الانتصار. ووجودياً، هي دعوة لكل واحد منا أن يعيش هذا الانتصار في حياته اليومية."أتطلبن يسوع الناصري؟ إنّه قام وليس ههنا". بهذا الإعلان انفتح أفق الحياة، وأمام واقعنا الوطني اليوم، نقف أمام تحديات كبيرة تثقل كاهل وطننا".

وقال: "لبنان يعيش مرحلة دقيقة، تتراكم فيها الأزمات، وتتداخل فيها التحديات. دمار وقتل وتهجير، اعتداءات وتعديات مستمرة على الأرض والسيادة، أزمات اقتصادية ومالية واجتماعية أثقلت كاهل المواطنين، تراجع في مؤسسات الدولة، وواقع عام أدخل البلاد في حالة من القلق والجمود. وهذه الاعتداءات، وهذه الحروب، هي أمر مرفوض من الدولة ومن الشعب، لأنها تمسّ كرامة الإنسان وتضرب استقرار الوطن، ولا يمكن أن تُقبل كأمر واقع.

لكن القيامة تقول لنا: ليس هذا هو المصير. الواقع مهما اشتدّ لا يُلغي الرجاء. والأزمات مهما تعاظمت لا تقفل الطريق. لبنان ليس بلداً للموت، بل للحياة. هو بلد قام عبر تاريخه مرات عديدة، وكل مرة نهض من تحت الركام. واليوم، هو مدعو إلى قيامة حقيقية، قيامة ثابتة، قائمة على الحق والحياة. مدعو، لكي يعيش بسلام دائم ويؤدّي دوره وسط الأسرة العربية والدولية، وأن ينعم بنظام الحياد الإيجابي، المعترف به من الأسرة الدولية، كما طلبتم، فخامة الرئيس، في خطاب القسم".

وختم الراعي: "المسيح قام مرة واحدة، وفتح باب الحياة، ولبنان مدعو أن يقوم قيامته الصادقة الثابتة الحقيقية، قيامته التي تعيد إليه رسالته، وتثبّت حضوره، وتؤكّد دوره. إن القيامة الوطنية تبدأ من الداخل: من إنسان يرفض الاستسلام، من ضمير حيّ يتمسّك بالحقيقة، من إرادة صادقة تعمل للخير العام. تبدأ من مواطن يكون ولاؤه لوطنه قبل أي انتماء آخر، ومن مسؤول يحمل الأمانة بصدق، ويجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. فلا يحمي لبنان إلا الدولة. الدولة القوية، العادلة، القادرة. وجيشها وقواها الأمنية هم الضمانة الحقيقية للاستقرار. نحن أبناء رجاء، ونؤمن أن لبنان قادر أن يقوم، لأن فيه إرادات حيّة، ولأن فيه إيماناً عميقاً بأن الحياة أقوى من كل موت.فالمسيح قام! حقًّا قام.