Wednesday, 1 April 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
البطريرك الراعي: نصلي من أجل وطننا ليحفظه الله ويمنحه السلام والاستقرار

البطريرك الراعي: نصلي من أجل وطننا ليحفظه الله ويمنحه السلام والاستقرار

March 19, 2026

المصدر:

الوكالة الانباء المركزية

رأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداسا احتفاليا في مدرسة القديس يوسف - عينطورة ، لمناسبة عيد القديس يوسف، بدعوة من الآباء اللعازريين، بمشاركة وزير الدفاع ميشال منسى، النواب نعمت افرام وأنطوان حبشي وأديب عبد المسيح، الوزير السابق زياد بارود ، رئيس اتحاد بلديات كسروان – الفتوح رئيس بلدية ذوق مكايل الياس بعينو وفاعليات دينية وتربوية واجتماعية.

وألقى الراعي عظة بعنوان: "يا يوسف، لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك، فالمولود فيها هو من الروح القدس" (متى 1: 20)، وقال:"تحتفل الكنيسة بعيد القديس يوسف، شفيع العائلة والكنيسة، جسد المسيح السرّي. لما حار يوسف في أمره أمام حبل مريم قبل انتقالها إلى بيته، كما هي العادة، ولم يفهم سرّها، ولم يدرك أين دوره في هذا التدبير الإلهي. فلأنه كان رجلاً باراً، فكّر بتخليتها سرّاً، من دون أن يسيء إليها. وما إن نوى ذلك، حتى تراءى له ملاك الرب في الحلم، وقال له: يا يوسف ابن داود، لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك، فالمولود فيها هو من الروح القدس (متى 1: 20). ولما قام من النوم أتى بمريم إلى بيته" (متى 1: 24)، أخذها مع سرّ أمومتها كلّه - وهي في الشهر الثالث - أخذها مع الابن الموشك أن يأتي إلى العالم بفعل الروح القدس. وهكذا أصبح يوسف "حارس أثمن كنوز الله، أي الكلمة المتجسّد وأمّه الفائقة القداسة" (البابا يوحنا بولس الثاني، حارس الفادي، صفحة 6، الحاشية 4). وقام مع مريم بدور مربّي ابن الله المتجسّد".

اضاف: "يسعدني أن أهنّئكم بالعيد وأرحّب بكم جميعًا في هذا الاحتفال الإفخارستي المبارك، هنا في مدرسة القديس يوسف عينطورة، في هذا المكان العريق الذي يحمل اسم القديس يوسف ويجسد رسالته التربوية والإنسانية. أحيّي الرئيس الإقليمي والآباء الأجلاء، والراهبات، والهيئة التعليمية من أساتذة ومربّين، وجميع الطلاب والأهالي والمؤمنين الحاضرين. كما نوجّه تحية خاصة إلى كل من يحمل اسم يوسف، فنعايدهم في عيد شفيعهم. إن اجتماعنا اليوم في هذه المدرسة العريقة هو مناسبة جميلة تجمع بين الإيمان والتربية، بين الإنجيل والمدرسة، بين قداسة القديس يوسف ورسالة التربية التي تحملها هذه المؤسسة التربوية".

واعلن "انّ إنجيل اليوم يكشف لنا وجه يوسف المربّي غير المنفصل عن مريم ويسوع. يوسف ومريم ويسوع يشكلون معًا العائلة المقدسة، هذا البيت الصغير في الناصرة الذي صار مدرسة للإنسانية كلها. يوسف هو الحارس، مريم هي الأم الممتلئة نعمة ويسوع هو الكلمة المتجسد. في هذا البيت نشأ يسوع ونما في الحكمة والقامة والنعمة. يوسف كان الأب الذي يرشد ويحمي، ومريم كانت الأم التي تحتضن وترعى، ويسوع كان الابن الذي ينمو في هذا الجو العائلي الممتلئ إيمانًا ومحبة. إن العائلة المقدسة هي نموذج لكل عائلة في العالم".

وقال: "فالتربية تبدأ أولاً في البيت، المدرسة الطبيعية الأولى التي يتعلم فيها الطفل القيم الأساسية: المحبة، الاحترام، المسؤولية، الإيمان. ثم تأتي المدرسة لتكمل هذه التربية بالعلم والمعرفة. ومن بعدها الكنيسة لتنير القلب بالإيمان. وهكذا تتكامل ثلاث مدارس في حياة الإنسان: مدرسة البيت تصنع القلب، ومدرسة العلم تصنع العقل، ومدرسة الكنيسة تصنع الضمير. يوسف في إنجيل اليوم يمثل هذه التربية المتكاملة. لقد ربّى يسوع في البيت، علّمه العمل، علّمه الطاعة، علّمه الأمانة. كان نجارًا يعمل بيديه، ويعيش حياة بسيطة، لكنه كان يملك قلبًا عظيمًا. وهنا نفهم أن التربية ليست مجرد نقل معلومات بل هي تكوين شخصية الإنسان وبها يُبنى المستقبل".

واشار الى ان "الوطن القوي لا يُبنى فقط بالسياسة أو الاقتصاد، بل يُبنى أولاً بالإنسان المتربّى على القيم. فإذا تربّى على الأمانة، وعلى احترام الآخر، وعلى المسؤولية، حينها يصبح قادرًا على بناء مجتمع صالح ووطن قوي. وهنا تظهر أهمية المؤسسات التربوية، مثل مدرسة مار يوسف عينطورة التي لا تعطي العلم فقط، بل تساهم في تكوين الإنسان. لذلك يمكننا أن نقول إن التربية هي أساس بناء المجتمع. فمن ربّى صان، ومن علّم كوّن، ومن غرس القيم حفظ الوطن".

وتابع: "لبنان اليوم بحاجة إلى هذه التربية المثلّثة، بحاجة إلى أجيال تنمو على القيم وعلى الإيمان، وعلى الضمير الحيّ. فكما حمى يوسف العائلة المقدسة، يحتاج وطننا أيضًا إلى رجال ونساء يتحلون بالحكمة والأمانة والعمل الصامت في خدمة الخير العام، ونشر القيم الأخلاقية، وإحلال السلام العادل والدائم. إنّ جوهر الأزمة في لبنان أزمة أخلاق، وفقدان التربية الصالحة في البيت والمدرسة والكنيسة".

واضاف الراعي:"تتميّز شخصيّة يوسف بثلاثة: أ- انه رجل القرار الحاسم. ما أعجب هذا الرجل، لا يناقش، لا يساوم، لا يطلب تأجيلاً، بل يسمع ويقوم ويفعل: فلما استيقظ يوسف من النوم فعل كما أمره ملاك الرب(متى 1: 24). 

ب- إنه أب من غير امتلاك. يوسف أب حقيقي، لكن أبوته ليست قائمة على التملك البيولوجي، بل على الائتمان الإلهي. إنه الأب الذي أُعطي له أن يسمي الطفل: وتدعو اسمه يسوع» (متى 1: 21). ليس يوسف رجلًا عابرًا في أسرة الناصرة، بل أيقونة لكل أبوة تدرك أن الأبناء هبة وليسوا ملكًا، وأن الرعاية الحقيقية هي أن تسلّم من اؤتمنت عليه إلى مشيئة الله لا إلى ظلك أنت.

ج- إنه أب عاش قي خدمة السّر من دون أن يستخدمه لمصلحته. فكثيرًا ما يفسد الإنسان حين يقترب مما هو عظيم، فيريد أن يستخدمه لمجده، أما يوسف فعاش إلى جانب المسيح ومريم دون أن يجعل من قربهما مادة لتضخيم الذات. لا نراه يبني لنفسه مكانة من السر، بل يذوب في خدمته".

وقال: "لذلك كله يظهر القديس يوسف في النهاية: رجل صمت، رجل طاعة، رجل الثقة من دون نقاش، رجل العبور الذي يقود السر خلال المخاطر، رجل الأبوّة التي تربّي دون امتلاك، رجل الظّل الذي لا يختطف النور، ورجل اليوميّ الذي جعل البيت والعمل والتعب موضعًا لسكنى الله".

وختم داعيا الى الصلاة وقال: "لنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء، إلى الله بشفاعة القديس يوسف، من أجل عائلاتنا لكي يحفظها في المحبة والإيمان. نصلي من أجل هذا الصرح التربوي وجميع العاملين فيه، لكي يبارك الرب رسالتهم التربوية. نصلي من أجل وطننا لبنان، لكي يحفظه الله ويمنحه السلام والاستقرار، ونطلب من القديس يوسف أن يعلّمنا كيف نعيش إيماننا في حياتنا اليومية كما عاش هو: بإيمان صامت، وقلب أمين، وثقة كاملة بالله. فنرفع المجد والتسبيح، للآب والابن الروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين".

 

Posted byKarim Haddad✍️

البطريرك الراعي في عظة احد الشعانين: كفى حربًا وقتلًا وتدميرًا وقوة الإنسان في تمسكه بالحق والسلام
March 29, 2026

البطريرك الراعي في عظة احد الشعانين: كفى حربًا وقتلًا وتدميرًا وقوة الإنسان في تمسكه بالحق والسلام

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس أحد الشعانين على مذبح كنيسة الباحة الخارجية للصرح البطريركي في بكركي "كابيلا القيامة"عاونه فيه المطارنة حنا علوان، الياس نصار، انطوان عوكر، أمين سر البطريرك الأب كميليو مخايل، أمين سر البطريركية العام الأب فادي تابت، رئيس كاريتاس لبنان الأب سمير غاوي، ومشاركة عدد من المطارنة والكهنة والراهبات، في حضور حشد من المؤمنين. 

وقال في عظة: "يسوع يدخل أورشليم لآخر مرّة ليشارك في عيد الفصح اليهودي، وكان مدركًا اقتراب ساعة آلامه وموته. وخلافًا لكل المرّات، لم يمنع الشعب من إعلانه ملكًا، وارتضى دخول المدينة بهتافهم: "هوشعنا لابن داود مبارك الآتي باسم الرب، ملك إسرائيل". دخل أورشليم ليموت فيها ملكًا فاديًا البشر أجمعين، وليقوم من بين الأموات ملكًا مخلِّصًا إلى الأبد من أجل بعث الحياة فيهم. هذا يعني أنّه أسلم نفسه للموت بإرادته الحرّة.  يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا في هذا الاحتفال المبارك، مع ترحيب خاص بأطفالنا الأعزاء، صغارنا الذين يملؤون هذا العيد فرحًا ونورًا. اليوم هو عيدكم، عيد الأطفال الأحباء، عيد الشعانين، عيد الأطفال بالثياب الجديدة والشموع المضيئة والقلوب البريئة. أنتم فرحة هذا العيد، وأنتم صورة البراءة التي استقبلت يسوع في أورشليم بهتافات: هوشعنا! لكن قلوبنا تعتصر ألمًا وحزنًا على الأطفال الذين قصفت أعمارهم صواريخ الحرب البغيضة على أرضنا؛ وعلى الأطفال المشرّدين مع أهلهم تحت هذه الأمطار والصقيع بدون ثياب عندهم. فإنّا نشكر كل المؤسسات والأفراد الذين يحملون إليهم المواد الغذائية والأدوية والثياب، ونخصّ بالذكر دولة مصر التي وصلت مساعداتها بالأمس. ونتضامن مع أهلنا المسالمين الصامدين في بيوتهم، في الجنوب وسواه، ملتمسين السلام ونهاية هذه الحرب المشؤومة. ولكن ما يؤلمنا بالأكثر استشهاد والد وابنه على طريق دبل وهما جورج وابنه إيلي سعيد، كما يؤلمنا قتل صحافيين، وطواقم طبية، وعناصر من الجيش اللبناني، وضحايا مدنيين في عدّة مناطق. كلّهم قضوا باستهدافات الجيش الإسرائيلي. فإنّا نصلّي لراحة نفوسهم، وعزاء أهلهم".

وتابع: " في مثل هذا اليوم خرجت الجموع لاستقبال يسوع، حاملين أغصان النخل والزيتون، هاتفين: "هوشعنا! مبارك الآتي باسم الرب، ملك إسرائيل". لقد استقبلوه كملك، لكن يسوع لم يدخل كملوك هذا العالم. لم يدخل بعظمة خارجية، بل دخل راكبًا على جحش، في صورة تعكس عمق تواضعه. إنه ملك التواضع، ملك السلام، ملك يختار البساطة طريقًا، والمحبة رسالة. أغصان النخل التي حملها الشعب كانت علامة استقبال الملوك، وأغصان الزيتون علامة السلام، فاجتمع في هذا المشهد معنى الملك ومعنى السلام. وكان هذا الدخول هو الأخير قبل آلامه وصلبه، قبل أن يسلّم ذاته حبًا وفداءً. وكانت الجموع كثيرة، لأنهم أتوا إلى أورشليم للاحتفال بعيد الفصح بحسب العادة، وكانوا قد سمعوا عن يسوع، خاصة بعد إقامته لعازر من الموت، فاندفعوا للقائه. لكن في المقابل، كان الفريسيون يتشاورون كيف يهلكون يسوع. وهكذا يتجلى التناقض بين من يهتف بالفرح، ومن يفكر بالرفض، بين من يرى النور، ومن يختار الظلمة. ويسوع، في وسط هذا كله، يدخل أورشليم بثبات، عارفًا طريقه، متممًا رسالته حتى النهاية".

واضاف: " إنّ إنجيل أحد الشعانين يحمل رسالة عميقة لواقعنا اللبناني اليوم. فالشعب الذي خرج لاستقبال يسوع لم يحمل سلاحًا، بل حمل أغصان النخل والزيتون، علامة الفرح والسلام. واليوم، ونحن نحمل هذه الأغصان، لا يمكن إلا أن نتأمل في واقع وطننا الذي يعيش اضطرابات وتوترات على أرضه وحدوده. في وسط هذا الواقع، يأتي هذا العيد ليذكّرنا بأن خيارنا هو السلام. أغصان الزيتون التي نحملها ليست مجرد رمز، بل هي موقف، هي إعلان بأننا نريد السلام، ونتمسك به، ونعيشه رغم كل التحديات. "هوشعنا" التي هتف بها اليوم هي صرخة رجاء، صرخة إيمان، صرخة تقول إننا نريد الخلاص، نريد أن يبقى وطننا في نور الحق. وفي زمن تميل فيه الأصوات إلى التوتر والانقسام، تبقى دعوتنا أن نهتف: سلامًا، سلامًا، سلامًا! وكفى حربًا وقتلًا وتدميرًا! فالمسيح الذي دخل أورشليم هو ملك السلام، ونحن مدعوون لنحمل هذا السلام في قلوبنا، وفي بيوتنا، وفي مجتمعنا. إن قوة الإنسان ليست في العنف، بل في قدرته على التمسك بالسلام، وعلى حفظ الكرامة، وعلى الثبات في الحق. وهكذا يصبح أحد الشعانين دعوة حقيقية لنا لنكون شهودًا للسلام، ولنحمل في حياتنا هذا الغصن الأخضر، علامة الرجاء الذي لا يخيّب، والإيمان الذي لا ينكسر.

وختم الراعي: "فلنرفع صلاتنا اليوم إلى الله، كي يبارك أطفالنا ويملأ قلوبنا فرحًا ونورًا، ويحمينا من ويلات الحرب، وكي يحفظ عائلاتنا في المحبة والسلام. نصلي من أجل وطننا لبنان، لكي يحفظه الله من كل شر، ويمنحه الاستقرار والسلام الدائم والعادل والشامل. ونصلي لكي يبقى هذا الوطن أرض رسالة، أرض لقاء، أرض سلام، ولكي يمنح الله أبناءه القوة والثبات في هذه الظروف. فنرفع المجد والشكر للثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين".

بعدها بارك الراعي أغصان الزيتون ثم أقيم زياح الشعانين، حيث حمل الأطفال الشموع واغصان الزيتون والنخيل مرددين هوشعنا في الاعالي مبارك الآتي باسم الرب.

 

الراعي في عظة عيد البشارة: لا ننافس أحدًا في السلطة لكننا ملتزمون الدفاع عن الإنسان وكرامته
March 25, 2026

الراعي في عظة عيد البشارة: لا ننافس أحدًا في السلطة لكننا ملتزمون الدفاع عن الإنسان وكرامته

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس عيد البشارة في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي، عاونه فيه المطرانان حنا علوان والياس نصار، أمين سر البطريرك الأب كميليو مخايل، أمين سر البطريركية العام الأب فادي تابت، ومشاركة السفير البابوي المونسينيور باولو بورجيا، ومطارنة الطائفة والرؤساء العامين والرئيسات العامات، أمين عام الرابطة المارونية المحامي بول يوسف كنعان، وحشد من المؤمنين. 

بعد الإنجيل المقدس القى البطريرك الراعي عظة بعنوان: "لقد نلتِ نعمة عند الله" (لو 1: 30)، قال فيها: "يسعدني أن أحتفل معكم بالسنة الخامسة عشرة لخدمتي البطريركية، بمؤازرتكم ومؤازرة سينودس أساقفتنا المقدّس، مقدّمين هذه الليتورجيا الإلهية، صلاة شكر لله أولًا على نعمة الأسقفية المشتركة، ثم على نعمة الخدمة البطريركية. فقد نلناها عند رسامتنا الأسقفية، وعند اختياري من الروح القدس وأعضاء سينودس أساقفتنا أبًا ورأسًا لكنيستنا. أجل إننا، في تدبير الله الخلاصي نلنا على مثال أمّنا مريم العذراء "نعمة عند الله" (لو 1: 30). فإني أحيّي معكم إخواننا السادة المطارنة أعضاء السينودس المقدّس المتواجدين في النطاق البطريركي، وفي بلدان الانتشار. وأوجّه تحية خاصّة إلى إخواننا المطارنة الذين يعانون من أوضاع صحية صعبة. فإنّا معهم جميعًا في رباط الشركة الكنسية والأخوّة. في عيد بشارة العذراء مريم، وهو عيد وطني في لبنان، يطيب لي أن أوجّه تحية محبة خاصة إلى جميع اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، في هذا اليوم المبارك. فلبنان يتميز بين دول العالم بأن عيد البشارة هو عيد كنسي ووطني في آن. إنه عيد يجمع اللبنانيين حول مريم العذراء، المرأة التي قالت نعم لله، فصار الخلاص ممكنًا للبشرية كلها. نرجو أن يبقى عيد البشارة علامة رجاء ووحدة في وطننا، وأن يبقى لبنان أرض اللقاء والحوار والعيش المشترك، وأرض السلام والاستقرار. لكننا نحتفل بالعيد، وقلوبنا تعتصر ألمًا لضحايا الحرب البغيضة والمرفوضة من الشعب والدولة بين حزب الله وإسرائيل. فنذكر بصلاتنا الضحايا والجرحى والشعب المهجَّر التارك وراءه بيوته المهدَّمة، ونصلّي من أجل سلامة الصامدين في بيوتهم، المطالبين بالعيش بسلام وطمأنينة".

وتابع: "لقد نلتِ نعمة عند الله" (لو 1: 30). النعمة في اللاهوت المسيحي هي عطية ومبادرة إلهية مجانية. الله هو الذي يختار ويمنح ويدعو. ومريم لم تُختَر لأنها عظيمة في نظر العالم، بل لأنها كانت متواضعة القلب، نقية الإيمان، ومنفتحة بالكلّية على إرادة الله. ولهذا يخاطبها الملاك قائلاً: "السلام عليكِ يا ممتلئة نعمة". مريم هي المرأة التي امتلأت بنعمة الله، فصار قلبها قادرًا أن يستقبل كلمة الله.  لكن النعمة لا تلغي حرية الإنسان. فالله يدعو، والإنسان يجيب. وهنا تأتي اللحظة الحاسمة إذ مريم تجيب: "ها أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك" (لو 1: 38). بهذه الكلمة قالت مريم نعم لله. وهذه الـ"نعم" ليست مجرد موافقة عابرة، بل هي تسليم كامل للحياة لمشيئة الله. إنها لحظة إيمان عميق وثقة كاملة بالله. من هنا بدأ سر التجسد. فبقبول مريم هذه النعمة، دخل الله تاريخ البشر. فلا بدَّ لنا، في ضوء مثال مريم، أن نجري فحص ضمير على ضوء كلمة الملاك لمريم: "لقد نلتِ نعمةً عند الله" (لو 1: 30). فمن بين نعم الله، الموزَّعة على أساس اختيار مجاني من الله، نعمة الأسقفية، ونعمة البطريركية. نحن كأساقفة، وأنا كبطريرك، عند رسامتنا، قلنا نحن أيضًا نعم لله. قلنا نعم للخدمة، نعم للمسؤولية، نعم لقيادة شعب الله. لكن هنا يأتي السؤال الصعب الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا كفحص ضمير: هل نحن على قدر هذه النعمة التي نلناها؟ هل ما زلنا نعيش بحسب النعمة التي أعطاها الله لنا؟ مريم نالت النعمة وقالت نعم، وبقيت أمينة لهذه النعمة طوال حياتها. أما نحن، فالله أعطانا نعمة الأسقفية والبطريركية، وقلنا نحن أيضًا نعم. لكن هل ما زلنا أمناء لهذه الـ"نعم"؟".

وقال: "نحن نعيش اليوم زمن السينودس، زمن الإصغاء لما يقوله الروح للكنيسة. وهذا الإصغاء يقودنا إلى التمييز الروحي والأخلاقي بين الخير والشر في حياة المجتمع. في هذا السياق، لا تستطيع الكنيسة أن تبقى صامتة أمام ما يعيشه لبنان من أزمات وصعوبات. فالبلاد تمرّ بظروف دقيقة، وتشهد تحديات كبيرة، واعتداءات وانتهاكات لحقوق الإنسان، وضغوطًا تمسّ كرامة الشعب وحياته اليومية. إن الكنيسة، بحكم رسالتها الإنجيلية، لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي. فهي مدعوة دائمًا إلى أن تكون صوت الضمير، وأن تعطي صوتًا لمن لا صوت له. نحن لا نمارس السياسة، لكننا نعلن مبادئ الحق والعدالة. نحن لا ننافس أحدًا في السلطة، لكننا ملتزمون بالدفاع عن الإنسان وكرامته. الكنيسة لا تستطيع أن تهمل الفقراء، ولا تستطيع أن تتجاهل الألم الذي يعيشه الناس، لأن رسالتها هي رسالة المحبة، والمحبة لا يمكن أن تكون صامتة أمام الظلم. إنّ عيد بشارة العذراء يحمل أيضًا رسالة وطنية عميقة. فكما دخلت نعمة الله إلى العالم من خلال "نعم" مريم، يحتاج وطننا اليوم إلى "نعم" جديدة تُقال لله: نعم للحق، نعم للعدالة، نعم للكرامة الإنسانية، نعم للمحبة التي تبني المجتمع. في هذا العيد المبارك نرفع صلاتنا إلى الله بشفاعة العذراء مريم، لكي يفيض نعمته على كنيستنا ويقود رعاتها بروح الحكمة والخدمة، ولكي يحفظ وطننا لبنان في السلام والاستقرار. فنرفع المجد والشكر، للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين".

بعدها تلقى الراعي التهاني  بالعيد وبمناسبة الذكرى السنوية الخامسة عشرة على توليه السدة البطريركية من الحاضرين.