Wednesday, 1 April 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
دريان في رسالة الفطر: دعم قرارالدولة في السلم والحرب..رهان الفتنة خاسر

دريان في رسالة الفطر: دعم قرارالدولة في السلم والحرب..رهان الفتنة خاسر

March 18, 2026

المصدر:

وكالة الأنباء المركزية

وجه مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان رسالة بمناسبة عيد الفطر المبارك، جاء فيها:

"الله أكبر كبيرا ، والحمد لله كثيرا ، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلا.

الله أكبر ، ما صام صائم لله وأفطر .

الله أكبر ما قرأ قارئ كتاب ربه فتدبر وتفكر .

الله أكبر ، ما كبره المكبرون ، وحمده الحامدون ، وأثنى عليه الشاكرون .

الله أكبر عز جاهه ، وعم إحسانه ، وعنت الوجوه لعظمته ، وخضعت الخلائق لقدرته .

والحمد لله الذي وفق العاملين لطاعته ، فوجدوا أعمالهم وسعيهم مشكورا ، وحقق آمال الآملين برحمته ، فمنحهم عطاء موفورا ، سبحانه، هو الواحد الذي من قصد غيره ضل ، هو العزيز الذي من اعتز بغيره ذل ، سبحانه  ، ﴿إنه كان حليما غفورا﴾.

أحمده تعالى على نعمه الجسام ، وأشكره أن من علينا بإدراك الصيام والقيام .

وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، المتفرد بالكمال والتمام، هو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، العزيز الذي لا يضام ، والجبار الذي لا يرام ، له العظمة والجلال ، والعز والكبرياء . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، بعثه رحمة للعالمين ، وقدوة للسالكين ، وحجة على الخلائق أجمعين ، صلى الله عليه ، وعلى آله وأصحابه ، وسلم تسليما كثيرا .

أما بعد :

شهر رمضان المبارك هو أقضل شهور العام عندنا نحن المسلمين فلقد قال فيه القرآن الكريم : ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾ وتتابع الآية : ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾،  ونحن صمناه ونصومه بالفعل ، ونتحرى فيه الود والتضامن بين الناس ، وأن نصل بالمعروف إلى القريب والبعيد ، وأن نكفل البائس والفقير ، وصاحب الحاجة والعجزة ، والطفولة المظلومة .

ومع نهاية شهر رمضان المبارك ، وبداية أيام الفطر ، تغمرنا الفرحة والسعادة والاعتزاز بفريضة الصوم التي أدينا ، امتثالا للأمر الإلهي في قوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ ، ونحن نعرف الأجر الكبير والثواب الجزيل ، لمن صام رمضان ، وقام لياليه ، كما أننا نعرف بالتجربة ،  أن شهر رمضان وأخلاقه وما فيه من العبادات ، تصبح ميزانا ومقياسا للإنسان الصالح على مدى العام كله ، في الانضباط والأخلاقيات ، وفي حفظ اليد واللسان ، وفي التفكير والتدبير للجميع ، وفي الإحساس بمسؤوليات الإيمان ، وأعباء التكليف بالعبادة والعمل الصالح ، مهما كانت الصعوبات والمشقات .

لقد جمع الله ورسوله فضائل شهر رمضان ، في عدة آيات وأحاديث ، فقال عز وجل : ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾ . وقال تعالى : ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾  .  وبحسب سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، فإن بدء إنزال القرآن الكريم ، كان في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك ، وفي العشر الأواخر ليلة القدر التي يحرص المسلمون بالتهجد والقيام على شهودها . وإلى نزول القرآن في العشر الأواخر من رمضان ، وهذه الواقعة هي رأس فضائل الشهر الكريم . ولقد جاء الحديث القدسي مؤكدا على أن أجر الصائم في شهر رمضان، لا حدود له ، فهو لله الذي يجزي به، : (كل عمل ابن آدم له ، إلا الصيام ، فإنه لي وأنا أجزي به). وفي ذلك ما فيه من فضيلة تقديم العبادة بالصوم والصلاة في رمضان ، على غيرها من الشهور والأوقات.

فالله سبحانه وتعالى اختص رمضان بقبول الطاعات والصدقات فيه.  وقد كان من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعادات المسلمين وإجماعهم ، أداء فريضة الزكاة في شهر رمضان . وهذا أمر يجعل من الشهر الكريم ، مناطا لأكثر من عبادة أو فريضة ، وعلى رأسها الصوم والزكاة ، فضلا عن الحرص على أداء العبادات الأخرى فيه وزيادتها ، حسبما هو معروف بالنسبة للصلوات ، والقيام بها ، كما القيام بسائر الطاعات ، ومنها الصدقات التي يكافح بها المسلمون الفقر والحاجة. وها نحن نقرأ جميعا قوله عز وجل : ﴿والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم﴾.

أيها المسلمون، أيها اللبنانيون :

كل الشرائع الدينية تتضمن شهرا أو أكثر للصوم . فالصيام عبادة مقررة ، ذكرها القرآن في قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. بيد أن للصوم معنى إضافيا ومشهودا في الإسلام ، وهو ما يرد في قوله تعالى أيضا: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾. هنا إذا ثلاثة أمور :

الأول: الصيام في الإسلام عبادة لله، وشكر له سبحانه وتعالى، لتفضله بالإنعام على المؤمنين بإنزال القرآن ، ودعوة النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الشهر الكريم.

والأمر الثاني: ارتباط شهر رمضان بالقرآن الكريم ، الذي هو هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان . ولذلك، يقبل المسلمون بأجمعهم على قراءة القرآن وتدارسه ، والتعبد بتلاوته في هذا الشهر المبارك ، وغيره من الشهور.

والأمر الثالث: أن شهر رمضان ، هو شهر شهود وشهادة ، شهود للقرآن وللإسلام ، وشهود للاحتفاء بإنزال القرآن ، وشهادة لله عز وجل بالإيمان بدينه ، وإنفاذ أركانه ، وأولها في رمضان بالذات، الصلاة والصيام.

إن الرسالة الأخرى التي يرسلها إلينا سبحانه وتعالى ، بمناسبة رمضان ومن خلاله، هي رسالة الصبر. والصبر كما يقول العلماء صبران: الصبر عن اللذائذ والحياة السهلة، والصبر على الشدائد . وكثير من الناس يعطون هذين النوعين من الصبر معاني مادية ويومية. وهذا الفهم ليس خطأ ، ولكنه قاصر وغير كاف. فالمهم والبارز في رمضان، هو التركيز على التبصر والبصيرة في الأمور الفردية والشخصية ، والأخرى العامة . وبذلك يرتبط الصبر بالتبصر، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾. فالبصيرة هنا تعني اجتناب السهولة والاستخفاف، وتجنب الهوى والأهواء. وهذا بعد آخر للصبر، يتضمن الوعي العميق بالموقف الشخصي والعام.

كل فضائل شهر رمضان المبارك، وأثرها في حياتنا ومجتمعنا التي ذكرناها، إلا أننا في هذا العام لم نستطع القيام إلا بأقل القليل وذلك ليس بسبب سوء الأوضاع المعيشية فقط ، بل وبسبب الحرب الإسرائيلية التي قتلت المئات ، وشردت آلاف العائلات، أكثر من نصفهم من الأطفال والنساء وكبار السن . لقد شاع الخراب في سائر الأنحاء بما في ذلك العاصمة التي ما عادت حامية ولا محمية.

أيها المسلمون، أيها اللبنانيون ، أيها العرب:

إن مما لا شك فيه، أن الموقف الذي نجد أنفسنا فيه، مجتمعات ودولا ، يتطلب قدرا كبيرا من الصبر في الشدائد وعليها، وقدرا كبيرا من التبصر والبصيرة. فالغضب يمنع التفكير والتقدير ، كما جاء في الأثر الشريف. كما أن الكآبة تمنع التفكير والتقدير والتدبير. وفي الموقف العربي والإسلامي الآن ما يستدعي الغضب والكآبة والسخط والاستفزاز والاستنزاف . بيد أننا إن وقعنا في هذا كله ، فلا بد من الصبر في هذه الشدائد التي تنزل بنا ، ولا بد من التبصر ، من أجل الفهم والتقدير والتدبير.

نحن نشعر أننا متروكون لحكم العدو الصهيوني وتحكمه وجرائمه، وهو يقول لنا: إن شأننا في ذلك سيكون مثل شأن خان يونس، الحي الضخم المخرب والمهجور بقطاع غزة المنكوب. وأول ما يخطر بالبال ماذا يستطيع العالم والمنظمات الدولية والإنسانية أن تفعل لنا. لقد كان عندنا الأمين العام للأمم المتحدة لكن تبين أنه لا يملك غير الأمل والترجي. أما الجهات الإنسانية اللبنانية والخارجية فقد ووجهت خلال عشرة أيام بما لا تستطيع أن تجد سبيلا لتلبيته، في مواجهة جرائم القتل والإصابة فقط ، بل وفي الهول الهائل من المهجرين الذين يفترشون الأرض ، ويلتحفون السماء ، بعد أن لم يعد ممكنا إيجاد مراكز ومواطن إيواء لهم. والأسوأ من ذلك كله ذلك الشك الهائل الذي أثير بين اللبنانيين، في حروبنا السابقة -  وهي عديدة لسوء الحظ -  كان التضامن بين اللبنانيين مشهودا، أما في هذه الحرب فما عاد أحد يجرؤ على إيواء أحد، لأنه لم يكن يعرف متى يزعم الإسرائيليون أن معظم اللبنانيين أعداء لهم وعملاء، وسيلاحقونهم حيثما يكونون، وهذا المنطق يعني أن من يريد السلامة لنفسه وعياله فعليه أن لا يساعد أحدا رغم ما اعتاد عليه اللبنانيون من الضيافة والتعاطف وحسن الجوار.

لقد تعب إذا من مصائبنا وكوارثنا ووجوه ضعفنا الأصدقاء قبل الأعداء، ولذلك يكون علينا أن نفكر ماذا نستطيع نحن أن نفعل لحل مشكلاتنا أو التخفيف منها على الأقل . لقد رأينا ما حصل لغزة وما يزال يحصل، وقد غضب بعضهم عندما طلبنا منهم التفكير بالمآلات. وهذه هي الحكمة حتى في الحكم الشرعي حيث تبحث عن أمرين: دواعي الحكم أو القرار ومآلاته. ولا يمكن السير باتجاه القرار، وهو في هذه الحالة – الحرب - إلا إذا أخذت بالاعتبار النتائج والمآلات.

أيها اللبنانيون:

لقد كنتم أوفياء وذوي مروءة قبل رمضان، وفي رمضان وإن شاء الله بعده. والمطلوب منا اليوم أكبر وأكثر بكثير. نحن مع قرارات الحكومة التي تعمل لمصلحة الوطن والشعب، وعلينا أن نقف معها ونساندها في مساعيها مع المجتمع الدولي في إيجاد تسوية تحفظ لبنان وتوقف العدوان، وأملنا كبير بدبلوماسيتها الحكيمة والرصينة، وينبغي على اللبنانيين أن يلتزموا ما تقرره حكومتهم التي تصوب البوصلة نحو الأفضل، أما جيشنا اللبناني - حامي الوطن - فيعول عليه في حفظ أمن لبنان وحدوده، ولا يراهنن أحد على الفتنة لأن رهانه خاسر بإذن الله، لأننا سنتصدى لها أيا كان مصدرها مع العقلاء والحكماء في بلدنا، فالمطلوب منا اليوم وغدا أن ندعم قرار الدولة في السلم والحرب، وأن نؤيد المسؤولين في السياسات التي يريدون اتخاذها للخروج من هذه الحرب المدمرة. لا ينبغي أن نرتعد لأن أحدا يمكن أن يتهمنا بالتخاذل وإرادة الفتنة. فالمتخاذلون هم الذين لا يحرصون على السلم الأهلي وعلى حفظ الوطن والدولة. الأوضاع شديدة السوء، وستتطور إلى أسوأ إن لم نصبح أكثر حرصا على مصالحنا وسلامنا وسلامة وطننا وإنساننا.

 النازحون من قراهم وبلداتهم هم أهلنا وشعبنا واستضافتهم في المناطق اللبنانية هي واجب ديني وإنساني وأخلاقي، وعلى الدولة ومؤسساتها والجهات المانحة والمجتمع الأهلي المحلي مسؤولية كبيرة تجاههم لمساعدتهم وحفظ  كرامتهم على حد سواء .

أيها المسلمون، أيها اللبنانيون :

لمناسبة عيد الفطر المبارك الذي يصعب الاحتفال به وسط هذه الظروف الصعبة والقاسية ، نسأل الله سبحانه وتعالى في خواتيم شهر الطاعات والرحمات ، ونحن نرغب إليه وندعوه عز وجل أن يجعل بعد عسر يسرا ، وبعد بلاء رحمة ، وأن يرحم شهداءنا ويغفر لموتانا ، وأن يهبنا شجاعة الحكمة ، وشجاعة المسؤولية ، والحرص على وطننا ودولتنا وإنساننا وأطفالنا ومستقبلنا ، إنه سميع مجيب.

بارك الله لكم أيها المسلمون صومكم وفطركم ، وصلاتكم وزكاتكم ، وعملكم من أجل الخير والبر والتقوى .

وكل شهر رمضان ، وكل عيد فطر ، وأنتم أيها المسلمون ، وأيها اللبنانيون بخير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

 

Posted byKarim Haddad✍️

البطريرك الراعي في عظة احد الشعانين: كفى حربًا وقتلًا وتدميرًا وقوة الإنسان في تمسكه بالحق والسلام
March 29, 2026

البطريرك الراعي في عظة احد الشعانين: كفى حربًا وقتلًا وتدميرًا وقوة الإنسان في تمسكه بالحق والسلام

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس أحد الشعانين على مذبح كنيسة الباحة الخارجية للصرح البطريركي في بكركي "كابيلا القيامة"عاونه فيه المطارنة حنا علوان، الياس نصار، انطوان عوكر، أمين سر البطريرك الأب كميليو مخايل، أمين سر البطريركية العام الأب فادي تابت، رئيس كاريتاس لبنان الأب سمير غاوي، ومشاركة عدد من المطارنة والكهنة والراهبات، في حضور حشد من المؤمنين. 

وقال في عظة: "يسوع يدخل أورشليم لآخر مرّة ليشارك في عيد الفصح اليهودي، وكان مدركًا اقتراب ساعة آلامه وموته. وخلافًا لكل المرّات، لم يمنع الشعب من إعلانه ملكًا، وارتضى دخول المدينة بهتافهم: "هوشعنا لابن داود مبارك الآتي باسم الرب، ملك إسرائيل". دخل أورشليم ليموت فيها ملكًا فاديًا البشر أجمعين، وليقوم من بين الأموات ملكًا مخلِّصًا إلى الأبد من أجل بعث الحياة فيهم. هذا يعني أنّه أسلم نفسه للموت بإرادته الحرّة.  يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا في هذا الاحتفال المبارك، مع ترحيب خاص بأطفالنا الأعزاء، صغارنا الذين يملؤون هذا العيد فرحًا ونورًا. اليوم هو عيدكم، عيد الأطفال الأحباء، عيد الشعانين، عيد الأطفال بالثياب الجديدة والشموع المضيئة والقلوب البريئة. أنتم فرحة هذا العيد، وأنتم صورة البراءة التي استقبلت يسوع في أورشليم بهتافات: هوشعنا! لكن قلوبنا تعتصر ألمًا وحزنًا على الأطفال الذين قصفت أعمارهم صواريخ الحرب البغيضة على أرضنا؛ وعلى الأطفال المشرّدين مع أهلهم تحت هذه الأمطار والصقيع بدون ثياب عندهم. فإنّا نشكر كل المؤسسات والأفراد الذين يحملون إليهم المواد الغذائية والأدوية والثياب، ونخصّ بالذكر دولة مصر التي وصلت مساعداتها بالأمس. ونتضامن مع أهلنا المسالمين الصامدين في بيوتهم، في الجنوب وسواه، ملتمسين السلام ونهاية هذه الحرب المشؤومة. ولكن ما يؤلمنا بالأكثر استشهاد والد وابنه على طريق دبل وهما جورج وابنه إيلي سعيد، كما يؤلمنا قتل صحافيين، وطواقم طبية، وعناصر من الجيش اللبناني، وضحايا مدنيين في عدّة مناطق. كلّهم قضوا باستهدافات الجيش الإسرائيلي. فإنّا نصلّي لراحة نفوسهم، وعزاء أهلهم".

وتابع: " في مثل هذا اليوم خرجت الجموع لاستقبال يسوع، حاملين أغصان النخل والزيتون، هاتفين: "هوشعنا! مبارك الآتي باسم الرب، ملك إسرائيل". لقد استقبلوه كملك، لكن يسوع لم يدخل كملوك هذا العالم. لم يدخل بعظمة خارجية، بل دخل راكبًا على جحش، في صورة تعكس عمق تواضعه. إنه ملك التواضع، ملك السلام، ملك يختار البساطة طريقًا، والمحبة رسالة. أغصان النخل التي حملها الشعب كانت علامة استقبال الملوك، وأغصان الزيتون علامة السلام، فاجتمع في هذا المشهد معنى الملك ومعنى السلام. وكان هذا الدخول هو الأخير قبل آلامه وصلبه، قبل أن يسلّم ذاته حبًا وفداءً. وكانت الجموع كثيرة، لأنهم أتوا إلى أورشليم للاحتفال بعيد الفصح بحسب العادة، وكانوا قد سمعوا عن يسوع، خاصة بعد إقامته لعازر من الموت، فاندفعوا للقائه. لكن في المقابل، كان الفريسيون يتشاورون كيف يهلكون يسوع. وهكذا يتجلى التناقض بين من يهتف بالفرح، ومن يفكر بالرفض، بين من يرى النور، ومن يختار الظلمة. ويسوع، في وسط هذا كله، يدخل أورشليم بثبات، عارفًا طريقه، متممًا رسالته حتى النهاية".

واضاف: " إنّ إنجيل أحد الشعانين يحمل رسالة عميقة لواقعنا اللبناني اليوم. فالشعب الذي خرج لاستقبال يسوع لم يحمل سلاحًا، بل حمل أغصان النخل والزيتون، علامة الفرح والسلام. واليوم، ونحن نحمل هذه الأغصان، لا يمكن إلا أن نتأمل في واقع وطننا الذي يعيش اضطرابات وتوترات على أرضه وحدوده. في وسط هذا الواقع، يأتي هذا العيد ليذكّرنا بأن خيارنا هو السلام. أغصان الزيتون التي نحملها ليست مجرد رمز، بل هي موقف، هي إعلان بأننا نريد السلام، ونتمسك به، ونعيشه رغم كل التحديات. "هوشعنا" التي هتف بها اليوم هي صرخة رجاء، صرخة إيمان، صرخة تقول إننا نريد الخلاص، نريد أن يبقى وطننا في نور الحق. وفي زمن تميل فيه الأصوات إلى التوتر والانقسام، تبقى دعوتنا أن نهتف: سلامًا، سلامًا، سلامًا! وكفى حربًا وقتلًا وتدميرًا! فالمسيح الذي دخل أورشليم هو ملك السلام، ونحن مدعوون لنحمل هذا السلام في قلوبنا، وفي بيوتنا، وفي مجتمعنا. إن قوة الإنسان ليست في العنف، بل في قدرته على التمسك بالسلام، وعلى حفظ الكرامة، وعلى الثبات في الحق. وهكذا يصبح أحد الشعانين دعوة حقيقية لنا لنكون شهودًا للسلام، ولنحمل في حياتنا هذا الغصن الأخضر، علامة الرجاء الذي لا يخيّب، والإيمان الذي لا ينكسر.

وختم الراعي: "فلنرفع صلاتنا اليوم إلى الله، كي يبارك أطفالنا ويملأ قلوبنا فرحًا ونورًا، ويحمينا من ويلات الحرب، وكي يحفظ عائلاتنا في المحبة والسلام. نصلي من أجل وطننا لبنان، لكي يحفظه الله من كل شر، ويمنحه الاستقرار والسلام الدائم والعادل والشامل. ونصلي لكي يبقى هذا الوطن أرض رسالة، أرض لقاء، أرض سلام، ولكي يمنح الله أبناءه القوة والثبات في هذه الظروف. فنرفع المجد والشكر للثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين".

بعدها بارك الراعي أغصان الزيتون ثم أقيم زياح الشعانين، حيث حمل الأطفال الشموع واغصان الزيتون والنخيل مرددين هوشعنا في الاعالي مبارك الآتي باسم الرب.

 

الراعي في عظة عيد البشارة: لا ننافس أحدًا في السلطة لكننا ملتزمون الدفاع عن الإنسان وكرامته
March 25, 2026

الراعي في عظة عيد البشارة: لا ننافس أحدًا في السلطة لكننا ملتزمون الدفاع عن الإنسان وكرامته

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس عيد البشارة في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي، عاونه فيه المطرانان حنا علوان والياس نصار، أمين سر البطريرك الأب كميليو مخايل، أمين سر البطريركية العام الأب فادي تابت، ومشاركة السفير البابوي المونسينيور باولو بورجيا، ومطارنة الطائفة والرؤساء العامين والرئيسات العامات، أمين عام الرابطة المارونية المحامي بول يوسف كنعان، وحشد من المؤمنين. 

بعد الإنجيل المقدس القى البطريرك الراعي عظة بعنوان: "لقد نلتِ نعمة عند الله" (لو 1: 30)، قال فيها: "يسعدني أن أحتفل معكم بالسنة الخامسة عشرة لخدمتي البطريركية، بمؤازرتكم ومؤازرة سينودس أساقفتنا المقدّس، مقدّمين هذه الليتورجيا الإلهية، صلاة شكر لله أولًا على نعمة الأسقفية المشتركة، ثم على نعمة الخدمة البطريركية. فقد نلناها عند رسامتنا الأسقفية، وعند اختياري من الروح القدس وأعضاء سينودس أساقفتنا أبًا ورأسًا لكنيستنا. أجل إننا، في تدبير الله الخلاصي نلنا على مثال أمّنا مريم العذراء "نعمة عند الله" (لو 1: 30). فإني أحيّي معكم إخواننا السادة المطارنة أعضاء السينودس المقدّس المتواجدين في النطاق البطريركي، وفي بلدان الانتشار. وأوجّه تحية خاصّة إلى إخواننا المطارنة الذين يعانون من أوضاع صحية صعبة. فإنّا معهم جميعًا في رباط الشركة الكنسية والأخوّة. في عيد بشارة العذراء مريم، وهو عيد وطني في لبنان، يطيب لي أن أوجّه تحية محبة خاصة إلى جميع اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، في هذا اليوم المبارك. فلبنان يتميز بين دول العالم بأن عيد البشارة هو عيد كنسي ووطني في آن. إنه عيد يجمع اللبنانيين حول مريم العذراء، المرأة التي قالت نعم لله، فصار الخلاص ممكنًا للبشرية كلها. نرجو أن يبقى عيد البشارة علامة رجاء ووحدة في وطننا، وأن يبقى لبنان أرض اللقاء والحوار والعيش المشترك، وأرض السلام والاستقرار. لكننا نحتفل بالعيد، وقلوبنا تعتصر ألمًا لضحايا الحرب البغيضة والمرفوضة من الشعب والدولة بين حزب الله وإسرائيل. فنذكر بصلاتنا الضحايا والجرحى والشعب المهجَّر التارك وراءه بيوته المهدَّمة، ونصلّي من أجل سلامة الصامدين في بيوتهم، المطالبين بالعيش بسلام وطمأنينة".

وتابع: "لقد نلتِ نعمة عند الله" (لو 1: 30). النعمة في اللاهوت المسيحي هي عطية ومبادرة إلهية مجانية. الله هو الذي يختار ويمنح ويدعو. ومريم لم تُختَر لأنها عظيمة في نظر العالم، بل لأنها كانت متواضعة القلب، نقية الإيمان، ومنفتحة بالكلّية على إرادة الله. ولهذا يخاطبها الملاك قائلاً: "السلام عليكِ يا ممتلئة نعمة". مريم هي المرأة التي امتلأت بنعمة الله، فصار قلبها قادرًا أن يستقبل كلمة الله.  لكن النعمة لا تلغي حرية الإنسان. فالله يدعو، والإنسان يجيب. وهنا تأتي اللحظة الحاسمة إذ مريم تجيب: "ها أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك" (لو 1: 38). بهذه الكلمة قالت مريم نعم لله. وهذه الـ"نعم" ليست مجرد موافقة عابرة، بل هي تسليم كامل للحياة لمشيئة الله. إنها لحظة إيمان عميق وثقة كاملة بالله. من هنا بدأ سر التجسد. فبقبول مريم هذه النعمة، دخل الله تاريخ البشر. فلا بدَّ لنا، في ضوء مثال مريم، أن نجري فحص ضمير على ضوء كلمة الملاك لمريم: "لقد نلتِ نعمةً عند الله" (لو 1: 30). فمن بين نعم الله، الموزَّعة على أساس اختيار مجاني من الله، نعمة الأسقفية، ونعمة البطريركية. نحن كأساقفة، وأنا كبطريرك، عند رسامتنا، قلنا نحن أيضًا نعم لله. قلنا نعم للخدمة، نعم للمسؤولية، نعم لقيادة شعب الله. لكن هنا يأتي السؤال الصعب الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا كفحص ضمير: هل نحن على قدر هذه النعمة التي نلناها؟ هل ما زلنا نعيش بحسب النعمة التي أعطاها الله لنا؟ مريم نالت النعمة وقالت نعم، وبقيت أمينة لهذه النعمة طوال حياتها. أما نحن، فالله أعطانا نعمة الأسقفية والبطريركية، وقلنا نحن أيضًا نعم. لكن هل ما زلنا أمناء لهذه الـ"نعم"؟".

وقال: "نحن نعيش اليوم زمن السينودس، زمن الإصغاء لما يقوله الروح للكنيسة. وهذا الإصغاء يقودنا إلى التمييز الروحي والأخلاقي بين الخير والشر في حياة المجتمع. في هذا السياق، لا تستطيع الكنيسة أن تبقى صامتة أمام ما يعيشه لبنان من أزمات وصعوبات. فالبلاد تمرّ بظروف دقيقة، وتشهد تحديات كبيرة، واعتداءات وانتهاكات لحقوق الإنسان، وضغوطًا تمسّ كرامة الشعب وحياته اليومية. إن الكنيسة، بحكم رسالتها الإنجيلية، لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي. فهي مدعوة دائمًا إلى أن تكون صوت الضمير، وأن تعطي صوتًا لمن لا صوت له. نحن لا نمارس السياسة، لكننا نعلن مبادئ الحق والعدالة. نحن لا ننافس أحدًا في السلطة، لكننا ملتزمون بالدفاع عن الإنسان وكرامته. الكنيسة لا تستطيع أن تهمل الفقراء، ولا تستطيع أن تتجاهل الألم الذي يعيشه الناس، لأن رسالتها هي رسالة المحبة، والمحبة لا يمكن أن تكون صامتة أمام الظلم. إنّ عيد بشارة العذراء يحمل أيضًا رسالة وطنية عميقة. فكما دخلت نعمة الله إلى العالم من خلال "نعم" مريم، يحتاج وطننا اليوم إلى "نعم" جديدة تُقال لله: نعم للحق، نعم للعدالة، نعم للكرامة الإنسانية، نعم للمحبة التي تبني المجتمع. في هذا العيد المبارك نرفع صلاتنا إلى الله بشفاعة العذراء مريم، لكي يفيض نعمته على كنيستنا ويقود رعاتها بروح الحكمة والخدمة، ولكي يحفظ وطننا لبنان في السلام والاستقرار. فنرفع المجد والشكر، للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين".

بعدها تلقى الراعي التهاني  بالعيد وبمناسبة الذكرى السنوية الخامسة عشرة على توليه السدة البطريركية من الحاضرين.