Saturday, 24 October 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
العبسي من لندن: وجودكم هنا ليس مجرد اغتراب انه رسالة

العبسي من لندن: وجودكم هنا ليس مجرد اغتراب انه رسالة

June 9, 2025

المصدر:

وكالة الأنباء المركزية

اختتم بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك زيارته الى العاصمة البريطانية لندن بترؤوسه الليتورجيا الالهية في كنيسة القديس  يوحنا الذهبي الفم بمشاركة  الرعية وحشد من ابناء الجالية اللبنانية في بريطانيا. عاونه في القداس خادم الرعية  الارشمندريت شفيق ابو زيد.ورئيس الديوان البطريركي الاب رامي واكيم ولفيف من كهنة الرعايا.

وبعد الانجيل المقدس القى العبسي كلمة قال فيها: "فرحي كبير بأن أكون اليوم في ما بينكم. استقبالكم الحارّ البنويّ ومشاركتكم النابعة من القلب في هذه الليترجيّا الإلهيّة هما مصدر تعزية وقوّة لي أنا شخصيًّا ولكنيستنا عامّة. بالرغم من أنّنا بعيدون عن أرض آبائنا جغرافيًّا إلّا أنّنا متّحدون بالروح القدس الواحد، في الإيمان الواحد وحول المذبح الواحد. أشكركم على التزامكم وعلى إيمانكم وعلى شهادتكم الإنجيليّة هنا في لندن. أنتم حضور كنيستنا الحيّ في هذه المدينة وإيمانكم يعطي حياةً وتشجيعًا لجسد المسيح بأكمله. 

في هذا اليوم، نحتفل بواحد من أهمّ أعيادنا الكنسيّة، نحتفل بعيد العنصرة، عيد حلول الروح القدس على الرسل وعيد تجلّي الكنيسة في العالم. في هذا اليوم، نصل إلى تمام وعد السيّد المسيح لنا الذي قال: "سوف تنالون قوّة بحلول الروح القدس عليكم وسوف تكونون لي شهودًا". هذا الوعد لم يكن للرسل وحدهم، هذا الوعد يمتدّ إلى جميع الأجيال، إلى جميع المؤمنين، ويمتدّ بالطبع إلى كلّ واحد منّا نحن المجتمعين اليوم. 

إنّ الروح القدس، حبّ الله المسكوب في قلوبنا، ليس قوّة غير شخصيّة، إنّه الله نفسه، الربّ المانح الحياة، كما نعلن في قانون إيماننا. إنّه الروح الذي خيّم ورفرف فوق المياه عند الخليقة، إنّه الروح الذي نطق بالأنبياء، إنّه الروح القدس الذي ظلّل العذراء مريم، إنّه الروح القدس الذي أقام السيّد المسيح من بين الأموات. إنّ هذا الروح عينه هو الذي ينفخ الحياة في الكنيسة اليوم مرشدًا إيّاها إلى الحقيقة ومقدّسًا أعضاءها. 

إنّ آباء الكنيسة يصفون حلول الروح القدس أو العنصرة وكأنّها الوجه الثاني لبابل. في بابل قاد التكبّر البشريّ الناس إلى الانقسام والفوضى، لكن في العنصرة فإنّ تواضع الرسل المجتمعين في الصلاة مع والدة الإله أنزل عليهم نار الوحدة. لم تلغَ لغات الأمم لكنّها تحوّلت. بقي التنوع لكنّه لم يعد من بعد مصدر خلاف أو خصومة بل صار غنًى. هذا هو سرّ الكنيسة: جسد واحد وأعضاء كثر. إيمان واحد معبّر عنه بعدّة لغات وحضارات. وروح واحد يحيي ويحرّك الكلّ. 

يدعونا هذا العيد، عيد العنصرة، إلى أن نكتشف حقيقة طبيعة الكنيسة. ليست الكنيسة مبنيّة بجهد بشريّ فقط. ليست مجرّد مؤسّسة أو تراث ثقافي. إنّها جسد يسوع المسيح يحييه الروح القدس. من دون الروح القدس تصير الكنيسة بنيانًا من دون حياة. مع الروح القدس، تصير الكنيسة حضور السيّد المسيح في العالم. الأسرار، الكتاب المقدّس، المجامع، القدّيسون، كلّهم ثمرة عمل الروح القدس في التاريخ. 

في حياة كلّ مسيحيّ يعمل الروح القدس عملَ الله الحاضر فيها: يعلّم يعزّي يؤدّب ويقدّس. إنّه الروح الذي يؤهّلنا للصلاة والذي يعطينا الكلمات عندما لا نعرف كيف نتكلّم. إنّه ختم المعموديّة، نار الميرون، إنّه النور الداخلي الذي يجعلنا نصرخ من أعماق قلوبنا أبّا أيّها الآب. 
لا يُعطى لنا الروح القدس كهديّة شخصيّة إنّما يعطى لنا ليضمّنا كلّنا معًا إلى شركة الكنيسة. هديّته الأولى هي الوحدة. حيث الروح القدس لا مكان لليأس أو للانقسام أو للامبالاة. حضور الروح فيما بيننا يدعونا إلى المصالحة والتواضع والخدمة المتبادلة. هو يفتح قلوبنا لنحبّ بعضنا بعضًا ليس فقط بالكلمات إنّما بالعمل والحقّ.

إنّ هذه الرسالة مهمّة بالنسبة إلينا نحن الروم الملكيّين الكاثوليك العائشين في الاغتراب. أنتم بعيدون عن الشرق الأوسط إلّا أنّكم تبقون أبناء أنطاكية تحملون معكم كنوز ليترجيّتنا ولاهوتنا وتقليدنا الروحيّ. وجودكم هنا ليس مجرّد اغتراب بل رسالة. لقد قادكم الروح القدس إلى هذه الأرض ليس فقط لتستمرّوا في الحياة إنّما أيضًا لتكونوا شهودًا، لتكونوا خميرة، ملحًا ونورًا. لا تدعوا إرثكم الكنسيّ يتحوّل إلى ذكرى. إجعلوه قوّة حيّة في عائلاتكم وفي رعيّتكم وفي حياتكم اليوميّة. 

في هذا العامّ 2025، ينقضي 1700 سنة على المجمع الذي انعقد عام 325 في مدينة نيقيا، في تركيا الحاليّة. إنّها ذكرى خاصّة مميّزة للمجمع المسكوني الأوّل الذي فيه أعلنت الكنيسة، بهدي الروح القدس، الإيمان الواحد الذي لا يزال يوحدّنا إلى اليوم، الإيمان بربّ واحد يسوع المسيح، إله حقّ من إله حقّ، كما نعلن في قانون إيماننا اليوم. هذا التذكار الذي ندعوه في القاموس الكنسي يوبيلًا، ليس فقط للتذكّر إنّما للدعوة إلى العمل. إنّه فرصة لتجديد صلواتنا وجهودنا من أجل وحدة الكنيسة. نسأل الله أن يعطينا الشجاعة والتواضع والحكمة لكي نحثّ الخطى في السير نحو الوحدة. ليست الوحدة مشروعًا بشريًّا وحسب بل إنّها دعوة إلهيّة والذي يجعلها ممكنة هو الروح القدس".

أضاف العبسي: "في خضمّ الهموم التي تشغلنا في العالم وفي الكنيسة لا ينبغي أن نفقد شعلة الرجاء. البابا فرنسيس في سنواته الأخيرة أعلن 2025 سنة يوبيل الرجاء داعيًا الكنيسة جمعاء إلى تجديد ثقتها بمواعيد الله. ونحن كملكيّين شاركنا في هذا الاحتفال من خلال حجّ قمنا به إلى روما حيث احتفلنا بالليترجيّا الإلهيّة في بازيليك القدّيس بطرس، في قلب الشركة الكاثوليكيّة. كان ذلك علامة لوحدتنا ولثقتنا بأنّ الروح القدس، بإزاء الصعوبات والشرذمة، لا يزال يقود الكنيسة. الرجاء ليس ثمرة اليقين، على العكس إنّه القوّة التي تنهض في وسط عدم اليقين. لا نرجوا لأنّ كلّ شيء واضح، بل نرجو لأنّنا نؤمن بالواحد الأحد الذي هو صادق وأمين. يعلّمنا الروح أن ننتظر وأن نثق وأن نبقى صامدين ولو كان الطريق مغلقًا أمامنا. هذا الرجاء ليس وهمًا إنّه مرساة الروح الراسخة والأمينة. 

إلّا أنّنا لا يسعنا أن ننسى مع ذلك الآلام الكثيرة التي تتحمّلها كنيستنا في بلادنا: الحرب، عدم الاستقرار، الهجرة، الفقر، كلّ هذه لا تزال تضرب المؤمنين في سوريا ولبنان والعراق والأرض المقدّسة. إلّا أن الروح القدس يبقى حاضرًا وهو الذي يقوّي البقيّة الباقية ويساعد إكليرسنا وشعبنا المؤمن على المثابرة، وهو يذكّرنا بأنّ الله لا يهمل شعبه. علينا أن نبقى متّحدين في الصلاة والتضامن مع إخوتنا وأخواتنا الذين في الشرق. إنّ شهادتهم ثمينة وإيمانهم بطوليّ وإنّ مثابرتهم علامة على أنّ الروح القدس يعمل حتّى ولو في ظلّ الصليب. 
أيّها المحبوبون،

تقوم الحياة المسيحيّة على الشركة مع الروح القدس. وكما يعلّم القديس باسيليوس الكبير، نحن بالروح نُعاد إلى الفردوس، ونُرفع إلى الملكوت، ونُصبح أبناءً لله. كلّ ما في الكنيسة، صلواتنا، أسرارنا، تقاليدنا، هي كلّها لتقودنا إلى هذه العلاقة الحيّة مع الروح. فهو الذي يُصوّر المسيح فينا، ويُنير عقولنا، ويُطهّر قلوبنا. الروح لا يُعطى فقط للتعزية، بل للتحوّل. به نتحوّل تدريجيًا إلى صورة الابن، ونصير شركاء في الطبيعة الإلهيّة. هذا هو سرّ التألّه، الغاية القصوى من وجودنا يعني لا أن نؤمن بالله فحسب، بل أن نتّحد به حقًّا، في المحبّة والحياة. وهذا ليس فكرة مجرّدة، بل حقيقة ملموسة تبدأ الآن بالنعمة، وتكتمل بالمجد".

وختم: "فلنطلب اليوم، بثقة وتواضع، أن يأتي الروح القدس من جديد إلى قلوبنا وبيوتنا وكنيستنا، ليُجدّد وجه الأرض، وقبل كلّ شيء، ليُجدّدنا نحن. فلنَكُفّ عن إطفاء الروح، ولا نُحزنه بخطايانا. فلنسلك بالروح، لكي نحيا في الروح.

أودّ أن أعبّر عن تقديري ومحبّتي للأب الأرشمندريت شفيق أبو زيد، خادم هذه الرعيّة، الذي يخدمها بتفانٍ وغيرة وإخلاص والذي يجمعها ويوحّدها حول السيّد المسيح وحده جاعلًا منها جماعة متضامنة متحابّة متعاونة شاهدة للإنجيل في محيطها. أشكر كذلك جميع الذين أسهموا في التحضير لزيارتي ولهذه الليترجيا التي نحتفل بها معطين من وقتهم وتعبهم بسخاء ومحبّة. أشكر أيضًا رئيس أساقفة وستمنستر للكنيسة الكاثوليكية اللاتينيّة، الكاردينال فنسنت نيكولز، على عنايته واهتمامه برعيّتنا وجماعتنا الملكيّة. أشكر كلّ بنوع خاصّ كلّ واحد منكم على اهتمامه ومشاركته في هذه الليترجيّا. 

ومعكم جميعًا، نشكر الله تعالى على هذا اللقاء الروحيّ ونشكره بنوع خاصّ على انتخاب قداسة البابا الجديد، لاون الرابع عشر، مصلّين بصوت واحد وقلب واحد من أجل أن تؤتي خدمته ثمارًا روحيّة للكنيسة وللعالم أجمع ومسلّمين حبريّته إلى شفاعة والدة الإله، الرفيقة الصامتة والأمينة ليوم العنصرة. حيث أمّنا العذار حاضرة، يحلّ الروح؛ وحيث ترفع صلاتها، تصير الكنيسة مثمرة. معها، فلننتظر ولنستقبل الروح القدس ممجّدين الله الآب وابنه وروحه القدّوس، الآن وكلّ أوان وإلى دهر الداهرين، آمين.

 

Posted byKarim Haddad✍️

البطريرك الراعي يختتم زيارته اليونان بمحطة في كورينتوس
October 19, 2026

البطريرك الراعي يختتم زيارته اليونان بمحطة في كورينتوس

اختتم البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي زيارته اليونان بمحطة في مدينة كورينتوس، حيث أطلق مع مطرانها بولس مسار "درب مار بولس للحج الديني".

وكان البطريرك الراعي والوفد المرافق قد زاروا دار المطرانية في كورينتوس بعد ظهر الأحد حيث استقبلهم المطران بولس ومعاونه المطران اغاسيوس. وشكّل اللقاء مناسبة للتعارف والبحث في المشتركات بين الكنيستين المارونية والأرثوذكسية، وتعزيز العلاقات الأخوية بينهما، في ضوء النتائج الإيجابية لزيارة البطريرك الراعي إلى جبل آثوس المقدس. عرض الزائر الرسولي على موارنة اليونان المطران يوسف سويف أوجه التعاون القائم مع الكنيسة الأرثوذكسية وما يتيحه من فرص للقاء والتعاون وترسيخ الأخوّة.

من جهته، شرح الزميل جورج عرب مسار التعاون الذي انطلق عام 2019 بين ميتيورا في اليونان ووادي قنوبين في لبنان، والزيارات المتبادلة بين المنطقتين، مشيراً إلى العمل على إطلاق تعاون مماثل بين كورينتوس، التي بشّر فيها مار بولس، ووادي قنوبين، تحت عنوان "درب مار بولس للحج الديني". قدم بعدها عرب للمطران بولس كتاب "الوان قنوبين" الصادر ب٦ لغات ويتناول جوانب مكتوبة ومصورة من معالم الوادي المقدس وتاريخه.

اتُّفق على متابعة هذا المشروع بالتنسيق بين لجان السياحة الدينية التابعة للبطريركية المارونية ومجمع الكنيسة الأرثوذكسية في اليونان. اختُتم اللقاء بتبادل الهدايا التذكارية، فيما وجّه البطريرك الراعي دعوة إلى المطران بولس لزيارة لبنان واستضافته في الصرح البطريركي.

بعد ذلك، جال البطريرك الراعي ومطران كورينتوس المعاون أغابيوس وعدد من الكهنة والوفد اللبناني في المواقع الأثرية في كورينتوس القديمة شملت الجولة كنيسة مار بولس، المبنية على أنقاض مزار قديم، حيث اطّلع الوفد على لوحات الفسيفساء التي تجسّد اضطهاد مار بولس وترائي المسيح له وانطلاقه في التبشير في منطقة كورينتوس.

كما زار الوفد الموقع الأثري الذي جرت فيه محاكمة مار بولس، قبل الانتقال إلى مرفأ لوترا، الذي وصل إليه مار بولس، ومنه عبر إلى كورينتوس للتبشير فيها.

رافق البطريرك الراعي في جولته رئيسة المؤسسة المارونية للانتشار روز شويري ومديرتها هيام بستاني، رئيس المجلس العام الماروني المهندس ميشال متى،  جوهينا منيّر ممثلة الرابطة المارونية،والامينة العامة لمكتب تنمية السياحة الدينية التابع لمجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان سوزي الحاج ، ورئيسة مؤسسة ريّا الشدياق ماري الشدياق وقنصل منظمة فرسان مالطة في قبرص فادي رومانوس.

عشاء تكريمي: أقام رئيس بلدية برحليون السيد ربيع ديب عشاءً تكريمياً للبطريرك الراعي والوفد المرافق، في حضور سفير لبنان في اليونان كانج الحجل، والقنصل العام كوين سلامة اللذين شاركا ايضا في الجولة ولقاء المطران بولس في كورينتوس، ورئيس بلدية كورينتوس يورغوس يوانيس ، والمطران المعاون أغاسيوس.

رحّب ديب بالبطريرك الراعي والحاضرين، معتبراً أن الزيارة البطريركية تشكّل دعمًا إضافيًا للوجود الماروني في اليونان، وبابًا لتعميق العلاقات مع الكنيسة الأرثوذكسية.

بدوره، شكر البطريرك الراعي لديب مبادرته واهتمامه اللذين يعكسان محبته والتزامه.

إشارة إلى أن البطريرك الراعي والوفد المرافق عادوا إلى لبنان اليوم، مختتمين أول زيارة يقوم بها بطريرك ماروني إلى اليونان، وكان في وداعه السفير الحجل والقنصل سلامه ومدير مكتب المبدل إيست في أثينا غسان شيتي الذين واكبوا الراعي حتى مدخل الطائرة.

 

المطران إلياس عودة: المسيحي الحقيقي يرفض العنف والقتل
October 18, 2026

المطران إلياس عودة: المسيحي الحقيقي يرفض العنف والقتل

رأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. وبعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "يحدثنا إنجيل اليوم عن الجهاد في حياة الإنسان المسيحي الذي هو رسول يعيش في العالم، لكنه ليس من العالم، لأنه مدعو إلى العيش بحسب روح الإنجيل لا العالم، وهو يعمل في وسط الناس، ويخاطبهم بلغتهم، ويتحمل مسؤولياته اليومية، لكن قلبه متجه إلى المسيح. لذلك قال الرب يسوع لتلاميذه: «من سمع منكم فقد سمع مني، ومن رذلكم فقد رذلني، ومن رذلني فقد رذل الذي أرسلني». المسيح يحمل تلاميذه مسؤولية كبيرة ويجعلهم شهودا له في العالم. لم يقل لهم: إذهبوا وابحثوا عن مصالحكم ولا قال: إبحثوا عن إعجاب الناس وقبولهم كما يفعل بعض المكرسين المعاصرين، بل أرسلهم ليحملوا حضوره ورسالته. الشهادة للمسيح ليست مجرد كلام نقوله، أو شعائر ظاهرية، بل حياة ينبغي أن تحمل نور المسيح. قد يستطيع الإنسان أن يتكلم كثيرا على الإيمان لكن الأهم أن يرى الناس المسيح في سلوكه وتفاصيل حياته. يقول يعقوب الرسول:« كما أن الجسد بدون روح ميت، هكذا الإيمان أيضا بدون أعمال ميت» (يع 2: 26)".

أضاف: "عندما عاد التلاميذ فرحين وأخبروا الرب بأن الشياطين تخضع لهم باسمه، طلب منهم ألا يفرحوا بهذا «بل بالحري إفرحوا بأن أسماءكم كتبت في السماوات». الرب يصحح فرح الإنسان. فالخطر ليس فقط في أن نفشل، بل أيضا في أن ننجح بطريقة تجعلنا نفتخر بأنفسنا. قد نخدم الكنيسة ونعلم ونعظ ونقوم بأعمال كثيرة، وقد يرى الناس فينا بشرا ناجحين في الخدمة، لكن المسيح يريد أن يكون فرحنا الحقيقي في صدق وجدية علاقتنا به، لا في إنجازاتنا وصورتنا أمام الآخرين. قيمة الإنسان لا تكمن في عدد الذين أعجبوا به، ولا في عدد الذين سمعوا كلامه، ولا في المكانة التي وصل إليها أو الثروة التي جمعها، بل في أن يكون إسمه مكتوبا في السماء. هذا يقودنا إلى كلمات الرسول بولس في رسالة اليوم: «أسلكوا بحكمة من جهة الذين في الخارج، مفتدين الوقت». إن المسيحي المؤمن لا يهرب من العالم، ولا يحتقر الناس الذين يعيشون حوله، بل يعيش بينهم بحكمة. في زمننا هذا، حيث أصبحت الكلمة أو الصورة تنتشر بلحظة عبر الهاتف ووسائل التواصل الإجتماعي، صارت هذه الوصية أكثر إلحاحا. كلمة واحدة قد تجرح كرامة إنسان أو تشوه صورته، وتعليق واحد قد يهدم علاقة أو يدمر بيتا، ومنشور واحد قد يزرع خصومة أو يولد نزاعا. لذلك يقول الرسول: «ليكن كلامكم كل حين ذا لطف، مصلحا بملح».ليس المقصود أن نتكلم دائما بكلمات دينية ولاهوتية وعقائدية، بل أن تكون كلماتنا مسكونة بالنعمة. الإنسان المسيحي لا يعرف فقط بما يقوله أو يفعله داخل الكنيسة، بل بما يقوم به في بيته وعمله وعلى هاتفه وفي لحظة غضبه، وعند كل تجربة. قد تكون أعظم عظاتنا أحيانا أن نصمت عندما يكون الكلام جارحا، وأن نغفر عندما يكون الإنتقام سهلا، وأن نقول الحق من دون قسوة، ونرفض الكذب من دون أن نحتقر الكاذب".

وتابع: "يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن المؤمن ينبغي أن يكون «كتابا يقرأه الناس»، أي أن تصبح حياته نفسها شهادة للمسيح. الإنجيل لا يحتاج إلى أصواتنا فقط، بل إلى قلبنا، إلى أعمالنا. وإذا كان كلامنا على المحبة لا يرافقه غفران، وإذا كان حديثنا عن المسيح لا يرافقه تواضع ومحبة، لن يسمع الناس الإنجيل الذي ننطق به، لأن حياتنا تناقض أقوالنا. في نهاية الرسالة يذكر الرسول أسماء أشخاص كثيرين: مرقس، لوقا، ديماس وغيرهم. قد تبدو هذه الأسماء للوهلة الأولى تفصيلا عابرا، لكنها تكشف أمرا جميلا هو أن ملكوت الله يبنى بأشخاص حقيقيين، لكل منهم قصته وتعبه ودوره وشهادته. لا يوجد في الكنيسة إنسان بلا قيمة، ولا خدمة صغيرة أمام الله إذا كانت تقدم بمحبة".

وقال: "إنسان اليوم يملك آلاف العلاقات الإفتراضية، لكنه قد يفتقد شخصا واحدا يصغي إليه. هو إنسان يملك وسائل إتصال لا حصر لها، لكنه قد يعجز عن التواصل مع أقرب الناس إليه؛ يطلب المال والشهرة والنجاح والظهور، بينما يقول له المسيح: «إفرحوا بأن أسماءكم كتبت في السماوات». إنسان اليوم إعتاد عيش الأزمات والحروب كما اعتاد الحديث عن الأسلحة المدمرة والصواريخ البالستية والتجارب النووية والأساطيل التي تجوب البحار، وعن أعداد الضحايا والمفقودين والمأسورين والمنفيين والمهجرين دون أن يأتي بأية ردة فعل أحيانا، وكأن الحديث عن أرقام لا أشخاص، بشر خلقهم الله على صورته ومثاله، ومنحهم الكرامة التي يفتخر بها كل إنسان، ودون أن يتساءل عن الأموال الطائلة التي تهدر على الأسلحة عوض إنفاقها على ما يرفع مستوى الحياة البشرية، ويطعم الجياع، وينشر العلم، ويحارب الأمراض. المسيحي الحقيقي يرفض العنف والقتل وكل الأعمال الوحشية التي يشهدها بلدنا ومنطقتنا، كما يرفض احتقار الإنسان واستغلاله لغايات غير محمودة. نقرأ في سفر الأمثال: « من يسد أذنيه عن صراخ المسكين فهو أيضا يصرخ ولا يستجاب له» ( أم 21 : 13 )، أما بولس الرسول فيقول: « أذكروا المقيدين كأنكم مقيدون معهم، والمذلين كأنكم أنتم أيضا في الجسد» ( عب 13: 3 ). أما القديس إسحق السرياني فيؤكد: «كلما اقترب الإنسان من الله إتسعت دائرة رحمته فلا يعود يحب الله والإنسان فقط بل يتعلم أن يحب كل ما صنعه الله».

أضاف: "لنجعل من حياتنا شهادة هادئة للمسيح، ولنفتد الوقت لأنه عطية لا تتكرر ولا تعوض. لنحفظ ألسنتنا، لأن الكلمة قد تكون دواء أو جرحا. لنخدم دون أن نطلب المجد لأنفسنا، ولا نفرحن لأن الناس يعرفون أسماءنا، بل لأن المسيح يعرفنا بأسمائنا. وكما يعلم القديس إسحق السرياني، فإن القلب الذي ذاق محبة الله لا يستطيع أن يحتقر أحدا. هذه هي الشهادة التي يحتاج إليها عالمنا، حيث المسيحي لا يفرض المسيح على الآخرين، بل يجعلهم يرون شيئا من محبته وتواضعه وتضحيته في حياته وأفعاله".

وختم: "فلنطلب إلى الرب أن يمنحنا حكمة في الكلام، ونقاوة في القلب، وأمانة في الخدمة، وتواضعا في النجاح، وصبرا في التجارب، حتى تصبح حياتنا إنجيلا مفتوحا، وحتى يكون فرحنا الأخير، لا في تصفيق الأرض، بل في تلك العبارة التي نرجو أن نسمعها من فم الرب: «نعما أيها العبد الصالح والأمين... أدخل إلى فرح ربك» (مت 25: 21)".