Wednesday, 1 April 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
عودة: كم من اللبنانيين يحملون صلبان الفقر والقلق على المستقبل والحروب والدمار والتهجير

عودة: كم من اللبنانيين يحملون صلبان الفقر والقلق على المستقبل والحروب والدمار والتهجير

March 15, 2026

المصدر:

وكالة الأنباء المركزية

رأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "تضع الكنيسة أمامنا، في منتصف مسيرة الصوم الكبير، الصليب الكريم المحيي، ليس من أجل أن نتذكره تاريخيا، بل كقوة حياة وسر خلاص.  ففي هذا الأحد الثالث من الصوم، أحد السجود للصليب المقدس، تدعونا الكنيسة إلى التأمل في معنى الصليب في حياتنا، مستندة إلى كلام الرب الذي سمعناه اليوم من  إنجيل مرقس: «من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني، لأن من أراد أن يخلص نفسه يهلكها ومن أهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلصها». بهذه الكلمات يكشف الرب يسوع أن طريق التلمذة ليست طريق مجد أرضي أو راحة وحياة سهلة، بل هي طريق الصليب، أي طريق المحبة الباذلة نفسها من أجل الإخوة، طريق الطاعة لله حتى النهاية".

أضاف: "الصليب، في التعليم المسيحي، ليس مجرد أداة ألم أو معاناة، بل هو علامة المحبة الإلهية. فالرب لم يطلب منا حمل الصليب لأنه يريد عذاب الإنسان وقد حمل هو نفسه الصليب ودخل إلى عمق الألم البشري لكي يحول الألم إلى طريق قيامة. يقول الآباء القديسون إن المسيح حول الخشبة التي كانت أداة موت إلى شجرة حياة فصار الصليب، الذي كان علامة عار في العالم القديم، علامة مجد وانتصار في الكنيسة. «من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني». إن الصليب الذي نحمله قد يكون ألما جسديا، أو تجربة روحية، أو ظلما، أو ضيقا في الحياة. وقد يكون صليب الأمانة للحق والشهادة للإيمان في عالم تحكمه الشرور والخطايا، عالم يقدس القوة ويرفض الحق ويقدم المصلحة ولو على حساب الآخرين. المسيحي مدعو لعيش الإنجيل حتى عندما يكون ذلك مكلفا. مدعو لحمل وصايا يسوع أمام الملأ دون خوف. أن تنكر ذاتك وتتغرب عن كل ما يظنه الآخرون صوابا أو ضرورة في هذا العالم الأرضي، قد يجلب عليك سخرية البشر وشتائمهم. لذلك يقول الرب: «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟» (مر 8: 36). قد يربح الإنسان مالا وسلطة ونجاحا، لكنه إن فقد ابتغاء الفضائل والشركة مع الله يكون قد خسر حياته الحقيقية".

وتابع: "تعليم رسالة اليوم يكشف لنا سر الرجاء في وسط حمل الصليب. يقول الرسول بولس: «إذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السماوات، يسوع ابن الله، فلنتمسك بالإعتراف لأن لنا رئيس كهنة مجرب في كل شيء مثلنا ما خلا الخطيئة ... فلنقبل إذا بثقة إلى عرش النعمة لننال رحمة، ونجد ثقة للإغاثة في أوانها». المسيح ليس بعيدا عن آلامنا وضيقاتنا. هو رئيس كهنة يعرف ضعفنا، لأنه اختبر الألم والتجربة عندما صار شبيها بنا في كل شيء ما خلا الخطيئة، وفتح لنا طريق الرحمة. المسيح تجسد،«أخلى نفسه آخذا صورة عبد، صائرا في شبه الناس» ( في2: 7)، ولم يمجد ذاته وهو ابن الله الوحيد، بل تواضع و«لم يأت ليخدم بل ليخدم وليبذل نفسه عن كثيرين» (متى20: 28)، فدعاه الآب قائلا: «أنت ابني وأنا اليوم ولدتك». هكذا، يظهر المسيح كاهنا حقيقيا يقدم نفسه ذبيحة من أجل خلاص العالم. إنه الكاهن والذبيحة معا. لذلك، صليب المسيح ليس هزيمة، بل هو الذبيحة التي بها تصالح الإنسان مع الله ونال التبني".

وقال: "عندما نتأمل في هذه الكلمات في زمن الصوم، ندرك أن الصوم ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو مسيرة روحية نحو الصليب والقيامة. الكنيسة تضع الصليب في وسط الصوم لكي تشجعنا وتظهر لنا أن الطريق الذي نسلكه ليس طريقا عقيما، بل طريق حياة. فكما يستريح المسافر في الصحراء في ظل شجرة، كذلك يستريح المؤمن في ظل الصليب في منتصف الصوم. كلام الإنجيل قريب جدا من حياتنا في لبنان. فقد حمل اللبنانيون الصليب طويلا، وكم من الناس يحملون اليوم صلبانا ثقيلة: الفقر، والقلق على المستقبل، والحروب والدمار والتهجير وفقدان الأحبة، والخوف على الوطن. إن الأوجاع ليست غريبة عن خبرة الإنسان، لكنها قد تصبح طريق يأس إذا عاشها الإنسان وحده. أما عندما تحمل مع المسيح، فإنها تتحول إلى طريق رجاء. ربنا يسوع المسيح عاش الآلام والصلب والهزء والموت لكنه غلب الموت والجحيم وقام من القبر واهبا جنس البشر الحياة والخلاص. هذه الحقيقة تعزي المتألمين وتخفف كل ألم وحزن ويأس نمر به لأن لكل شيئ نهاية، ونحن واثقون أن الرب يسوع لا يهمل خليقته ولا يخذل المتكلين عليه وهو القائل « ثقوا، أنا قد غلبت العالم» (يو16: 33 )".

أضاف: "إن الصليب الذي يحمله المسيحي ليس استسلاما للألم، بل شهادة إيمان. فالذي يحمل الصليب مع المسيح يعرف أن القيامة آتية. لذلك يقول الآباء إن الصليب هو رجاء الكنيسة ومجد المؤمنين. حين يسجد المؤمن للصليب لا يسجد للألم، بل للمحبة التي ظهرت على الصليب، لمحبة الله الذي بذل نفسه من أجل خلاص العالم. لذلك تدعونا الكنيسة، فيما هي تكرم الصليب في الأحد الثالث من الصوم،  إلى أن يكون صومنا انخراطا في المحبة التي تجلت على الصليب، وتكثيفا لهذه المحبة التي تنتصر على الشر والظلم والحقد والكبرياء، وعلى كل الآفات التي تحكم هذا العالم.

وتابع: "السجود للصليب اليوم ليس مجرد طقس ليتورجي، بل إعلان إيمان. عندما ننحني أمام الصليب نعلن أن قوة الله تظهر في الضعف، وأن الحياة تولد من الموت. لذلك، رأت الكنيسة في الصليب عرش الملك السماوي. فالذي صلب عليه هو نفسه الذي قال في نهاية إنجيل اليوم: «إن قوما من القائمين ههنا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد أتى بقوة». ملكوت الله يبدأ منذ الآن، في قلب الإنسان الذي يحمل صليبه ويتبع المسيح تاركا كل مغريات العالم وآفاته وراءه. لذلك، تدعونا الكنيسة اليوم إلى تجديد التزامنا الروحي: أن نحمل صليبنا بالصبر والإيمان في عالم مادي متقلب،  وأن نحافظ على الرجاء في وسط الظلمة. إن العالم قد يرى في الصليب علامة ضعف، لكن الإيمان يرى فيه علامة خلاص، ومن يسير خلف المسيح في طريق الصليب يصل معه إلى فرح القيامة".

وختم: "فلنسجد اليوم للصليب الكريم طالبين قوة من الرب لكي نحمل صلبان حياتنا بإيمان وثبات ورجاء. ولنتذكر أن المسيح الذي دعانا إلى حمل الصليب هو نفسه يسير معنا في الطريق. هو رئيس الكهنة الرحوم الذي يعضد ضعفنا ويهبنا نعمته. ومعه يصبح الألم طريق خلاص، والصليب باب القيامة والحياة الأبدية".

 

Posted byKarim Haddad✍️

البطريرك الراعي في عظة احد الشعانين: كفى حربًا وقتلًا وتدميرًا وقوة الإنسان في تمسكه بالحق والسلام
March 29, 2026

البطريرك الراعي في عظة احد الشعانين: كفى حربًا وقتلًا وتدميرًا وقوة الإنسان في تمسكه بالحق والسلام

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس أحد الشعانين على مذبح كنيسة الباحة الخارجية للصرح البطريركي في بكركي "كابيلا القيامة"عاونه فيه المطارنة حنا علوان، الياس نصار، انطوان عوكر، أمين سر البطريرك الأب كميليو مخايل، أمين سر البطريركية العام الأب فادي تابت، رئيس كاريتاس لبنان الأب سمير غاوي، ومشاركة عدد من المطارنة والكهنة والراهبات، في حضور حشد من المؤمنين. 

وقال في عظة: "يسوع يدخل أورشليم لآخر مرّة ليشارك في عيد الفصح اليهودي، وكان مدركًا اقتراب ساعة آلامه وموته. وخلافًا لكل المرّات، لم يمنع الشعب من إعلانه ملكًا، وارتضى دخول المدينة بهتافهم: "هوشعنا لابن داود مبارك الآتي باسم الرب، ملك إسرائيل". دخل أورشليم ليموت فيها ملكًا فاديًا البشر أجمعين، وليقوم من بين الأموات ملكًا مخلِّصًا إلى الأبد من أجل بعث الحياة فيهم. هذا يعني أنّه أسلم نفسه للموت بإرادته الحرّة.  يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا في هذا الاحتفال المبارك، مع ترحيب خاص بأطفالنا الأعزاء، صغارنا الذين يملؤون هذا العيد فرحًا ونورًا. اليوم هو عيدكم، عيد الأطفال الأحباء، عيد الشعانين، عيد الأطفال بالثياب الجديدة والشموع المضيئة والقلوب البريئة. أنتم فرحة هذا العيد، وأنتم صورة البراءة التي استقبلت يسوع في أورشليم بهتافات: هوشعنا! لكن قلوبنا تعتصر ألمًا وحزنًا على الأطفال الذين قصفت أعمارهم صواريخ الحرب البغيضة على أرضنا؛ وعلى الأطفال المشرّدين مع أهلهم تحت هذه الأمطار والصقيع بدون ثياب عندهم. فإنّا نشكر كل المؤسسات والأفراد الذين يحملون إليهم المواد الغذائية والأدوية والثياب، ونخصّ بالذكر دولة مصر التي وصلت مساعداتها بالأمس. ونتضامن مع أهلنا المسالمين الصامدين في بيوتهم، في الجنوب وسواه، ملتمسين السلام ونهاية هذه الحرب المشؤومة. ولكن ما يؤلمنا بالأكثر استشهاد والد وابنه على طريق دبل وهما جورج وابنه إيلي سعيد، كما يؤلمنا قتل صحافيين، وطواقم طبية، وعناصر من الجيش اللبناني، وضحايا مدنيين في عدّة مناطق. كلّهم قضوا باستهدافات الجيش الإسرائيلي. فإنّا نصلّي لراحة نفوسهم، وعزاء أهلهم".

وتابع: " في مثل هذا اليوم خرجت الجموع لاستقبال يسوع، حاملين أغصان النخل والزيتون، هاتفين: "هوشعنا! مبارك الآتي باسم الرب، ملك إسرائيل". لقد استقبلوه كملك، لكن يسوع لم يدخل كملوك هذا العالم. لم يدخل بعظمة خارجية، بل دخل راكبًا على جحش، في صورة تعكس عمق تواضعه. إنه ملك التواضع، ملك السلام، ملك يختار البساطة طريقًا، والمحبة رسالة. أغصان النخل التي حملها الشعب كانت علامة استقبال الملوك، وأغصان الزيتون علامة السلام، فاجتمع في هذا المشهد معنى الملك ومعنى السلام. وكان هذا الدخول هو الأخير قبل آلامه وصلبه، قبل أن يسلّم ذاته حبًا وفداءً. وكانت الجموع كثيرة، لأنهم أتوا إلى أورشليم للاحتفال بعيد الفصح بحسب العادة، وكانوا قد سمعوا عن يسوع، خاصة بعد إقامته لعازر من الموت، فاندفعوا للقائه. لكن في المقابل، كان الفريسيون يتشاورون كيف يهلكون يسوع. وهكذا يتجلى التناقض بين من يهتف بالفرح، ومن يفكر بالرفض، بين من يرى النور، ومن يختار الظلمة. ويسوع، في وسط هذا كله، يدخل أورشليم بثبات، عارفًا طريقه، متممًا رسالته حتى النهاية".

واضاف: " إنّ إنجيل أحد الشعانين يحمل رسالة عميقة لواقعنا اللبناني اليوم. فالشعب الذي خرج لاستقبال يسوع لم يحمل سلاحًا، بل حمل أغصان النخل والزيتون، علامة الفرح والسلام. واليوم، ونحن نحمل هذه الأغصان، لا يمكن إلا أن نتأمل في واقع وطننا الذي يعيش اضطرابات وتوترات على أرضه وحدوده. في وسط هذا الواقع، يأتي هذا العيد ليذكّرنا بأن خيارنا هو السلام. أغصان الزيتون التي نحملها ليست مجرد رمز، بل هي موقف، هي إعلان بأننا نريد السلام، ونتمسك به، ونعيشه رغم كل التحديات. "هوشعنا" التي هتف بها اليوم هي صرخة رجاء، صرخة إيمان، صرخة تقول إننا نريد الخلاص، نريد أن يبقى وطننا في نور الحق. وفي زمن تميل فيه الأصوات إلى التوتر والانقسام، تبقى دعوتنا أن نهتف: سلامًا، سلامًا، سلامًا! وكفى حربًا وقتلًا وتدميرًا! فالمسيح الذي دخل أورشليم هو ملك السلام، ونحن مدعوون لنحمل هذا السلام في قلوبنا، وفي بيوتنا، وفي مجتمعنا. إن قوة الإنسان ليست في العنف، بل في قدرته على التمسك بالسلام، وعلى حفظ الكرامة، وعلى الثبات في الحق. وهكذا يصبح أحد الشعانين دعوة حقيقية لنا لنكون شهودًا للسلام، ولنحمل في حياتنا هذا الغصن الأخضر، علامة الرجاء الذي لا يخيّب، والإيمان الذي لا ينكسر.

وختم الراعي: "فلنرفع صلاتنا اليوم إلى الله، كي يبارك أطفالنا ويملأ قلوبنا فرحًا ونورًا، ويحمينا من ويلات الحرب، وكي يحفظ عائلاتنا في المحبة والسلام. نصلي من أجل وطننا لبنان، لكي يحفظه الله من كل شر، ويمنحه الاستقرار والسلام الدائم والعادل والشامل. ونصلي لكي يبقى هذا الوطن أرض رسالة، أرض لقاء، أرض سلام، ولكي يمنح الله أبناءه القوة والثبات في هذه الظروف. فنرفع المجد والشكر للثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين".

بعدها بارك الراعي أغصان الزيتون ثم أقيم زياح الشعانين، حيث حمل الأطفال الشموع واغصان الزيتون والنخيل مرددين هوشعنا في الاعالي مبارك الآتي باسم الرب.

 

الراعي في عظة عيد البشارة: لا ننافس أحدًا في السلطة لكننا ملتزمون الدفاع عن الإنسان وكرامته
March 25, 2026

الراعي في عظة عيد البشارة: لا ننافس أحدًا في السلطة لكننا ملتزمون الدفاع عن الإنسان وكرامته

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس عيد البشارة في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي، عاونه فيه المطرانان حنا علوان والياس نصار، أمين سر البطريرك الأب كميليو مخايل، أمين سر البطريركية العام الأب فادي تابت، ومشاركة السفير البابوي المونسينيور باولو بورجيا، ومطارنة الطائفة والرؤساء العامين والرئيسات العامات، أمين عام الرابطة المارونية المحامي بول يوسف كنعان، وحشد من المؤمنين. 

بعد الإنجيل المقدس القى البطريرك الراعي عظة بعنوان: "لقد نلتِ نعمة عند الله" (لو 1: 30)، قال فيها: "يسعدني أن أحتفل معكم بالسنة الخامسة عشرة لخدمتي البطريركية، بمؤازرتكم ومؤازرة سينودس أساقفتنا المقدّس، مقدّمين هذه الليتورجيا الإلهية، صلاة شكر لله أولًا على نعمة الأسقفية المشتركة، ثم على نعمة الخدمة البطريركية. فقد نلناها عند رسامتنا الأسقفية، وعند اختياري من الروح القدس وأعضاء سينودس أساقفتنا أبًا ورأسًا لكنيستنا. أجل إننا، في تدبير الله الخلاصي نلنا على مثال أمّنا مريم العذراء "نعمة عند الله" (لو 1: 30). فإني أحيّي معكم إخواننا السادة المطارنة أعضاء السينودس المقدّس المتواجدين في النطاق البطريركي، وفي بلدان الانتشار. وأوجّه تحية خاصّة إلى إخواننا المطارنة الذين يعانون من أوضاع صحية صعبة. فإنّا معهم جميعًا في رباط الشركة الكنسية والأخوّة. في عيد بشارة العذراء مريم، وهو عيد وطني في لبنان، يطيب لي أن أوجّه تحية محبة خاصة إلى جميع اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، في هذا اليوم المبارك. فلبنان يتميز بين دول العالم بأن عيد البشارة هو عيد كنسي ووطني في آن. إنه عيد يجمع اللبنانيين حول مريم العذراء، المرأة التي قالت نعم لله، فصار الخلاص ممكنًا للبشرية كلها. نرجو أن يبقى عيد البشارة علامة رجاء ووحدة في وطننا، وأن يبقى لبنان أرض اللقاء والحوار والعيش المشترك، وأرض السلام والاستقرار. لكننا نحتفل بالعيد، وقلوبنا تعتصر ألمًا لضحايا الحرب البغيضة والمرفوضة من الشعب والدولة بين حزب الله وإسرائيل. فنذكر بصلاتنا الضحايا والجرحى والشعب المهجَّر التارك وراءه بيوته المهدَّمة، ونصلّي من أجل سلامة الصامدين في بيوتهم، المطالبين بالعيش بسلام وطمأنينة".

وتابع: "لقد نلتِ نعمة عند الله" (لو 1: 30). النعمة في اللاهوت المسيحي هي عطية ومبادرة إلهية مجانية. الله هو الذي يختار ويمنح ويدعو. ومريم لم تُختَر لأنها عظيمة في نظر العالم، بل لأنها كانت متواضعة القلب، نقية الإيمان، ومنفتحة بالكلّية على إرادة الله. ولهذا يخاطبها الملاك قائلاً: "السلام عليكِ يا ممتلئة نعمة". مريم هي المرأة التي امتلأت بنعمة الله، فصار قلبها قادرًا أن يستقبل كلمة الله.  لكن النعمة لا تلغي حرية الإنسان. فالله يدعو، والإنسان يجيب. وهنا تأتي اللحظة الحاسمة إذ مريم تجيب: "ها أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك" (لو 1: 38). بهذه الكلمة قالت مريم نعم لله. وهذه الـ"نعم" ليست مجرد موافقة عابرة، بل هي تسليم كامل للحياة لمشيئة الله. إنها لحظة إيمان عميق وثقة كاملة بالله. من هنا بدأ سر التجسد. فبقبول مريم هذه النعمة، دخل الله تاريخ البشر. فلا بدَّ لنا، في ضوء مثال مريم، أن نجري فحص ضمير على ضوء كلمة الملاك لمريم: "لقد نلتِ نعمةً عند الله" (لو 1: 30). فمن بين نعم الله، الموزَّعة على أساس اختيار مجاني من الله، نعمة الأسقفية، ونعمة البطريركية. نحن كأساقفة، وأنا كبطريرك، عند رسامتنا، قلنا نحن أيضًا نعم لله. قلنا نعم للخدمة، نعم للمسؤولية، نعم لقيادة شعب الله. لكن هنا يأتي السؤال الصعب الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا كفحص ضمير: هل نحن على قدر هذه النعمة التي نلناها؟ هل ما زلنا نعيش بحسب النعمة التي أعطاها الله لنا؟ مريم نالت النعمة وقالت نعم، وبقيت أمينة لهذه النعمة طوال حياتها. أما نحن، فالله أعطانا نعمة الأسقفية والبطريركية، وقلنا نحن أيضًا نعم. لكن هل ما زلنا أمناء لهذه الـ"نعم"؟".

وقال: "نحن نعيش اليوم زمن السينودس، زمن الإصغاء لما يقوله الروح للكنيسة. وهذا الإصغاء يقودنا إلى التمييز الروحي والأخلاقي بين الخير والشر في حياة المجتمع. في هذا السياق، لا تستطيع الكنيسة أن تبقى صامتة أمام ما يعيشه لبنان من أزمات وصعوبات. فالبلاد تمرّ بظروف دقيقة، وتشهد تحديات كبيرة، واعتداءات وانتهاكات لحقوق الإنسان، وضغوطًا تمسّ كرامة الشعب وحياته اليومية. إن الكنيسة، بحكم رسالتها الإنجيلية، لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي. فهي مدعوة دائمًا إلى أن تكون صوت الضمير، وأن تعطي صوتًا لمن لا صوت له. نحن لا نمارس السياسة، لكننا نعلن مبادئ الحق والعدالة. نحن لا ننافس أحدًا في السلطة، لكننا ملتزمون بالدفاع عن الإنسان وكرامته. الكنيسة لا تستطيع أن تهمل الفقراء، ولا تستطيع أن تتجاهل الألم الذي يعيشه الناس، لأن رسالتها هي رسالة المحبة، والمحبة لا يمكن أن تكون صامتة أمام الظلم. إنّ عيد بشارة العذراء يحمل أيضًا رسالة وطنية عميقة. فكما دخلت نعمة الله إلى العالم من خلال "نعم" مريم، يحتاج وطننا اليوم إلى "نعم" جديدة تُقال لله: نعم للحق، نعم للعدالة، نعم للكرامة الإنسانية، نعم للمحبة التي تبني المجتمع. في هذا العيد المبارك نرفع صلاتنا إلى الله بشفاعة العذراء مريم، لكي يفيض نعمته على كنيستنا ويقود رعاتها بروح الحكمة والخدمة، ولكي يحفظ وطننا لبنان في السلام والاستقرار. فنرفع المجد والشكر، للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين".

بعدها تلقى الراعي التهاني  بالعيد وبمناسبة الذكرى السنوية الخامسة عشرة على توليه السدة البطريركية من الحاضرين.