Wednesday, 24 June 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
عودة: الرب يسوع محور إنجيلنا هو جوهر عبادتنا وطريق خلاصنا

عودة: الرب يسوع محور إنجيلنا هو جوهر عبادتنا وطريق خلاصنا

May 18, 2025

المصدر:

وكالة الأنباء المركزية

رأس متروبوليت بيروت وتوابعها المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس.

بعد الإنجيل ألقى عظة بعنوان "المسيح قام من بين الأموات، ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور" قال فيها: "تقيم كنيستنا المقدسة في الأحد الرابع بعد الفصح تذكارا للمرأة السامرية التي التقاها الرب عند بئر قرب القرية التي أعطاها يعقوب لابنه يوسف. ليس الموضوع مجرد سرد حادثة معينة، كأننا أمام مسرحية نقف فيها متفرجين، إنما هو نقل للتعليم المترافق مع بشرى الخلاص، ودعوة للسلوك وفق هذا التعليم. هدف القراءات الكتابية إدخالنا في القصة، لنأخذ موقعا فيها، ونتماهى مع شخصياتها، كي نتخذ في النهاية موقفا بقبول البشارة أو رفضها، لذا يسألنا الرب أحيانا: "أتؤمن بابن الله؟" (يو 9: 35). عند قراءة إنجيل السامرية نقف أمام عدة أشخاص: الرب يسوع المعلم، التلاميذ المهتمون بشؤون الجسد، السامرية التي يتخطى اهتمامها أمور الحياة الأساسية، والسامريون الذين يطلبون الرب بناء على شهادة المرأة، إضافة إلى مكان الحدث الذي هو بئر مسماة على اسم يعقوب ابن إسحق ابن إبراهيم، والزمان الذي هو الظهيرة في توقيتنا الحالي".

وأضاف: "لم يكن اليهود يقيمون اعتبارا للسامريين لأنهم كانوا على خلاف معهم. السامرة إقليم في فلسطين، تقع جنوبي الجليل، غزاها الأشوريون عام 721 ق. م. وقادوا آلافا من سكانها إلى السبي، وأحلوا مكانهم آخرين. لذا، احتقر اليهود السامريين، معتبرينهم عرقا مختلطا. كذلك عمد السامريون، الذين يعيدون أصلهم إلى يعقوب (يو 4: 12)، إلى بناء هيكلهم الخاص على جبل جريزيم الذي أشارت إليه السامرية خلال حديثها مع الرب (4: 20) عوض المجيء إلى أورشليم للعبادة. وقد طبق السامريون كل التقاليد التي نسبها اليهود إلى هيكل أورشليم، ظانين أنهم يكملون مسيرة الإيمان النقي، معتبرين اليهود جماعة منشقة، ولم يعترفوا إلا بالتوراة. أثار حديث الرب مع المرأة وطلبه الماء ليشرب حيرة في نفسها. لم يكن جائزا أن يتكلم معها وهي امرأة سامرية وهو رجل يهودي، والمرأة كانت تعتبر كائنا دون الرجل في المجتمع اليهودي، ما دفع السامرية لأن تماشيه في الحديث لترى من هذا الذي كسر التقاليد والحواجز، ليس فقط ليكلمها، بل ليطلب منها أمرا حيويا قائلا لها: "أعطيني لأشرب". اللافت أن يسوع هو الذي بادر إلى الحديث مع المرأة لكي يشعرها بأنها ليست كائنا هامشيا بل لها مكانتها في عيني الرب. يسوع، الراعي الصالح، يخرج لملاقاة النفوس التي أضاعت السبيل القويم ويخاطبها ليقودها نحو الأسمى".

وتابع: "قد تكون الحاجة المادية ذريعة لبدء الحوار. هذا ما حصل مع السامرية التي جاءت لتستقي فسألها يسوع أن تعطيه ماء ليشرب، وجذبها إلى معرفته بطريقته الساعية لطلب الخروف الضال، رغم كشفه أسرار حياتها، ربما غير المشرفة، إذ كانت متزوجة من خمسة رجال، وتعيش الآن مع رجل ليس زوجها. لم تخجل من حالها، بل اندفعت إلى رؤية ما هو خلف المنظور، إلى ما هو مخفي. إعترفت السامرية بصراحة وتواضع بحالتها وقالت: "يا سيد أرى أنك نبي" وحاورته حول مكان العبادة ثم تركت جرتها وانطلقت لتخبر أبناء جنسها عمن أخبرها خفياتها. ومع إدراكها أنه المسيح المنتظر، إلا أنها لم تؤكد الأمر بل تركت الباب مفتوحا، داعية إياهم أن يستنتجوا بأنفسهم ما أعلنه لها قائلة "تعالوا انظروا إنسانا قال لي كل ما فعلت. ألعل هذا هو المسيح". مع كونها امرأة، إلا أن أهل مدينتها أصغوا إليها وجاؤوا ليروا من أخبرتهم عنه، فقبلوه فيما بينهم واعترفوا به مخلصا للعالم".

وقال: "في المقابل، نرى التلاميذ، وهم من اليهود، يتعجبون من كلام المعلم مع امرأة سامرية، لكنهم لم يسألوه عن الموضوع. يقول الإنجيلي: "تعجبوا أنه يتكلم مع امرأة ولكن لم يقل أحد ماذا تطلب أو لماذا تتكلم معها". نجد في إنجيل يوحنا موقفين آخرين لليهود من تعليم الرب: موقف نيقوديموس، المعلم اليهودي الذي اكتفى بالتعجب من كلام يسوع ولم يفهم قصد الرب (3: 1-21)، ولم يقم بما فعلته السامرية بإخبار الآخرين، وموقف القادة اليهود الذين اتهموه بأنه خاطئ، لا بل به شيطان، وأهانوه وأهانوا من قبله (يو 9). يعلمنا القديس يوحنا الذهبي الفم أنه إذا كانت السامرية الغريبة مهتمة بسماع المسيح دون أن تعرفه، لكي تتعلم منه شيئا مفيدا، فما حجتنا نحن الذين نعرفه، ولسنا بقرب بئر ولا في البرية ولا في وسط النهار نتحمل حر الشمس، بل في الصباح الباكر وتحت سقف الكنيسة، نتمتع بالفيء والراحة؟ لكننا قد لا نتحمل شيئا مما يتلى على مسامعنا، بل نستثقله. المرأة كانت منشغلة بكلام الرب، ودعت آخرين لسماعه فيما البعض في أيامنا منشغلون بأعمالهم ومصالحهم وحقدهم، والبعض الآخر بفراغ حياتهم وثرثرتهم وأنانياتهم. يحث القديس يوحنا سامعيه على الخجل من سامرية لها خمسة رجال، تاقت إلى المعرفة الإلهية، ولم يعقها الوقت والحر ولا الغاية الأساسية من مجيئها إلى البئر، بل سعت إلى المعرفة وإلى الخلاص. أما نحن فلا يكفي أننا لا نتوق إلى المعرفة، بل نقف موقف اللامبالاة. فأي مسيحي يذهب إلى بيته، ويتناول الكتاب المقدس ليتصفح محتواه، أو يقرأ سير القديسين إلا ما ندر. هل أعطينا الكتب المقدسة لنحفظها في مجلدات أم لنحفرها في قلوبنا".

وأضاف: "الرب يسوع، محور إنجيلنا، هو جوهر عبادتنا وطريق خلاصنا. العبادة الحقيقية جهاد دائم لإتحاد إرادتنا بإرادة الله، وختن الشر والخطيئة من قلوبنا، وأن ندع الروح القدس يقودنا فلا نعود نفكر إلا بفكر المسيح ولا ننطق إلا بما هو حق. كلمات يسوع يرفضها كل من يريد سلطة أرضية ومجدا عالميا، أما من يبتغي خلاص نفسه فيطلب الماء الحي الذي إن شربه لا يعطش إلى الأبد".

وختم: "تدعونا الكنيسة اليوم إلى التمثل بالسامرية التي لم تهتم بموقعها الإجتماعي، ولا بالوقت، ولا انتظرت المكان المناسب لتتقبل الرب، بل تخطت حاجاتها الأرضية ساعية وراء مصدر الحياة الحقيقي، ينبوع الماء الحي، يسوع المسيح الذي هو الطريق والحق والحياة".

 

Posted byKarim Haddad✍️

المطران إلياس عودة: لا يقاس الأب المسيحي بما يوفره لأولاده من حاجات مادية بل بما يزرعه فيهم من إيمان وثقة بالله
June 21, 2026

المطران إلياس عودة: لا يقاس الأب المسيحي بما يوفره لأولاده من حاجات مادية بل بما يزرعه فيهم من إيمان وثقة بالله

رأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس.  بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "كثيرا ما يعيش الإنسان ممزقا بين الإيمان والخوف. فهو يؤمن بالله، ويعترف بعنايته ومحبته، لكنه يحمل في قلبه هموما كثيرة على حياته ومستقبله وأولاده. يصلي ويطلب معونة الله، ثم يعود فيغرق في القلق وكأن كل شيء رهن قوته الخاصة. لذلك على كل إنسان أن يسأل نفسه هل أثق حقا بالله؟  وهل أعيش إيماني كعلاقة حية مع آب سماوي يحبني ويعتني بي، أم أن إيماني محصور في بعض الممارسات الخارجية؟ إنجيل اليوم مع مقطع الرسالة الذي سمعناه من رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية يجيبان عن هذا السؤال. بولس يكشف لنا أساس الثقة المسيحية، والرب يسوع يبين لنا كيف نحيا هذه الثقة في تفاصيل حياتنا اليومية. يقول الرسول: «إذ قد بررنا بالإيمان، فلنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح». لقد انفصل الإنسان عن الله وصار غريبا عنه بسبب الخطيئة، لكن الله لم يترك الإنسان في غربته وهلاكه، بل بادر إليه بمحبته. لذلك يضيف الرسول: «أما الله فيدل على محبته لنا بأنه إذ كنا خطأة بعد مات المسيح من أجلنا». لم ينتظر الله أن نصبح أبرارا لكي يحبنا، ولم يطلب منا أن نستحق محبته قبل أن يفتدينا، بل أحبنا أولا، وبذل ابنه الوحيد من أجل خلاصنا".

أضاف: "هذه الحقيقة هي أساس الحياة المسيحية كلها. فإيماننا لا يقوم على الخوف من الله بل على الثقة بمحبته. نحن لا نقترب من الله كعبيد لسيد قاس، بل كأبناء لأب محب. لذا، السلام الذي يتحدث عنه الرسول هو ثمرة المصالحة مع الله. من عرف أن الله يحبه حتى الصليب، ومن أدرك أن المسيح مات من أجله ليخلصه، لا ينظر إلى حياته بالطريقة التي ينظر بها إنسان لم يعرف الله. في إنجيل اليوم، يتكلم الرب يسوع على العين البسيطة والعين الشريرة، ثم ينتقل إلى الحديث عن المال والهموم والقلق. يقول: « إن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرا، وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلما» ويتابع: « لا يستطيع أحد أن يعبد ربين... لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال».  للوهلة الأولى قد تبدو هذه المواضيع مختلفة، لكنها في الحقيقة مرتبطة بعضها ببعض. فالعين التي تحدث عنها الرب ليست العين الجسدية، بل عين القلب. إنها الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى الله وإلى العالم ونفسه".

وتابع: "إذا كانت العين بسيطة، أي إذا كان القلب ثابتا في الله وواثقا بمحبته، إمتلأ الإنسان نورا وسلاما. أما إذا كانت العين مظلمة، أي إذا صار الإنسان أسير الخوف والطمع والإنشغال المفرط بالأمور الأرضية، تدخل الظلمة أعماقه ويصبح فكره مشوشا ومضطربا. لذلك يقول الرب: «لا يقدر أحد أن يعبد ربين... لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال». المشكلة ليست في المال بذاته، بل في مكانته في القلب الذي إن تعلق بالأمور الزائلة أكثر من تعلقه بالله يفقد سلامه ويعيش في القلق. يتابع الرب قائلا: «لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون وبما تشربون». إنه لا يدعونا إلى الكسل أو إهمال المسؤوليات، بل إلى التحرر من القلق الذي يلتهم القلب. الإنسان المؤمن يعمل ويكد، لكنه يعرف أن حياته في يد الله. يقوم بما عليه، ثم يسلم الباقي لعناية الآب السماوي. يعيش إنسان اليوم في عالم تزداد فيه المخاوف والضغوط. كثيرون يحملون هم العائلة والمستقبل والعمل والأوضاع الإقتصادية والمرض والشيخوخة. في عالمنا المعاصر كثيرا ما يختنق الإنسان بثقل الهموم حتى يفقد فرحه وسلامه. لكن المسيح يعيد توجيه أنظارنا نحو حقيقة أن الله الذي أحبنا حتى بذل ابنه الوحيد من أجلنا، سيهتم أيضا بحياتنا اليومية، والذي صالحنا معه ونحن خطأة، لن يهملنا بعد أن صرنا أبناءه".

وقال: "يصل الرب إلى ذروة تعليمه عندما يقول: «أطلبوا أولا ملكوت الله وبره، وهذا كله يزاد لكم». المشكلة الكبرى في حياة الإنسان ليست نقص الإمكانات، بل اضطراب النظرة إلى الأولويات. كثيرا ما نطلب كل شيء قبل الله، ثم نتعجب لأن قلوبنا مضطربة. المسيح يدعونا إلى وضع الله في المركز الأول. عندما يكون الملكوت الهدف الأول، تأخذ بقية الأمور مكانها الصحيح، وعندما يصبح الله محور الحياة، تتحول الهموم إلى صلاة، والخوف إلى رجاء، والإضطراب إلى سلام".

أضاف: "إذ يحتفل عالمنا اليوم بعيد الأب، تكتسب هذه الرسالة معنى خاصا. فالله شاء أن تكون الأبوة الأرضية صورة لأبوته السماوية. الإبن يتعلم الثقة من خلال خبرته مع أبيه الذي يحبه ويهتم به ويحمله في ضعفه. لذلك، لا يقاس الأب المسيحي بما يوفره لأولاده من حاجات مادية، بل بما يزرعه فيهم من إيمان وثقة بالله. أولادنا اليوم لا يحتاجون من يعلمهم النجاح في العالم، بل من يعلمهم الثقة بالله وسط عالم مضطرب. يحتاجون أبا يصلي ويحب ويغفر، أبا يضع الله في المرتبة الأولى من حياته. الأب الذي يعيش الإنجيل يصبح إنجيلا حيا تقرأه أسرته كل يوم. وحين يرى الأبناء في أبيهم رجلا يتكل على الله أكثر من اتكاله على المال والسلطة والمركز، ويطلب الملكوت قبل المجد الأرضي الزائل، يتعلمون معنى الإيمان الحق. كذلك، نتذكر اليوم الآباء الروحيين الذين يرافقون الجميع في مسيرة الخلاص ويقودونهم إلى معرفة المسيح. هم مدعوون أيضا إلى أن يعكسوا صورة الآب السماوي بالمحبة والتواضع والتسامح والرعاية والتعليم، لكي يشعر المؤمنون من خلال خدمتهم بحضور الله الآب وحنانه".

وختم: "تدعونا كلمة الله اليوم لنرفع أنظارنا فوق مخاوف العالم، ونتذكر أننا تصالحنا مع الله بدم المسيح وصرنا أبناء له، فلا مكان لليأس بعد، ولا سبب للشك في عنايته. فلنجعل عين القلب بسيطة ونقية، ولنطلب أولا ملكوت الله وبره، عالمين أن الآب السماوي يعرف احتياجاتنا قبل أن نسأله، ويقود حياتنا بحكمة ومحبة تفوقان كل فهم، وقد قال لنا: «أنظروا إلى طيور السماء فإنها لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء وأبوكم السماوي يقوتها. أفلستم أفضل منها... تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو. إنها لا تتعب ولا تغزل، وأنا أقول لكم إن سليمان نفسه في كل مجده لم يلبس كواحدة منها. فإذا كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويطرح غدا في التنور يلبسه الله هكذا أفلا يلبسكم بالأحرى أنتم يا قليلي الإيمان؟» (متى 6: 26: 30). فلتكن عيننا بسيطة لتكون سراجا لنا كما قال الرب يسوع، فيكون قلبنا مستنيرا بنور المسيح".

 

ميناسيان: نسأل الرب أن يحفظ هذا الوطن رسالةَ عيشٍ مشتركٍ وحوارٍ وحرية
June 20, 2026

ميناسيان: نسأل الرب أن يحفظ هذا الوطن رسالةَ عيشٍ مشتركٍ وحوارٍ وحرية

ترأّس كاثوليكوس بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان، القداس الاحتفالي لمناسبة عيد القديس غريغوريوس المنوّر، شفيع الكاتدرائية، في كاتدرائية القديسين غريغوريوس المنوّر وإيليا النبي – الدباس.

عاونه في الخدمة الأسقف المعاون لأبرشية بيروت البطريركية المطران كريكور باديشاه، النائب البطريركي لجمعية كهنة بزمار البطريركية ورئيس دير سيدة بزمار المونسنيور ماشدوتس زاهتريان ولفيف من الآباء الكهنة والشمامسة، بحضور فاعليات ومؤمنين.


بعد الإنجيل، ألقى عظةً جاء فيها: "نجتمع اليوم حول مذبح الرب لنحتفل بعيد القديس غريغوريوس المنوّر، شفيع هذه الكاتدرائية المباركة، الرجل الذي لم يكتفِ بأن يحمل نور المسيح في قلبه، بل صار أداةً إلهية أنارت شعبًا بأسره، فدخلت أرمينيا، بفضل شهادته وإيمانه، إلى نور الإنجيل، لتكون أول أمّة في التاريخ تعلن المسيحية دينًا للدولة. إنّ غريغوريوس المنوّر لم يولد قديسًا بعيدًا عن آلام البشر، بل عرف الخوف والظلم والاضطهاد. سُجن في حفرة خور فيراب سنوات طويلة، في ظلمةٍ بدت وكأنها نهاية كل شيء. لكنّه أدرك أنّ من يسكن مع الله لا تسكنه الظلمة. لقد حوّل السجن إلى مدرسة صلاة، والألم إلى طريق للقداسة، والانتظار إلى ثقة كاملة بالعناية الإلهية. وحين خرج من الحفرة، لم يخرج طالبًا انتقامًا ممّن أساؤوا إليه، بل خرج حاملًا شفاءً وغفرانًا ومحبة. وهذه هي أعظم معجزاته: أنّه انتصر على الكراهية بالمحبة، وعلى العنف بالرحمة، وعلى الظلام بالنور. هكذا نور الأمّة الأرمنية بروحانيتنا المتماسكة بالفادي الغالي مخلّصنا يسوع المسيح. وهذا ما يحتاج عالمنا اليوم روح القديس غريغوريوس! ففي زمن الانقسامات والصراعات، يذكّرنا بأن المسيحي مدعوّ ليكون صانع السلام، لا ناشر الخصام؛ باني الجسور، لا رافع الجدران؛ شاهدًا للمحبة، لا أسيرًا للأحقاد".


أضاف: "المحبّة ليست ضعفًا، بل هي أقوى قوةً تغيّر وجه التاريخ. لقد قال الرب يسوع: «بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلَامِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ لبَعْضُكُمْ البَعْضٍ» (يوحنا 13: 35). فالكنيسة لا تُقاس بعظمة أبنيتها ولا بكثرة نشاطاتها، بل بمقدار المحبة التي يعيشها أبناؤها. وحيث توجد المحبة الصادقة، يكون الله حاضرًا، لأنّ "الله محبة". إن اجتمع اثنان أو ثلاث باسمي وعلى درب القديس غريغوريوس سار خادم الرب الكاردينال كريكور بيدروس الخامس عشر أغاجانيان، الراقد فيها بانتظار القيامة المجيدة الذي حمل في حياته همّ الكنيسة الجامعة وقلب الشرق، وظلّ أمينًا لجذوره الأرمنية وإرثه الروحي، فصار مثالًا في الخدمة والتواضع والانفتاح. إنّ حضوره بيننا اليوم هو دعوة لأن نعيش إيماننا بأمانة على مثال القديس غريغوريوس، وأن نخدم الكنيسة بدون انتظار مقابل، وأن نترك للأجيال القادمة إرثًا من المحبة والقداسة والرجاء".

وتابع: "فلنسأل أنفسنا أمام مثال القديس غريغوريوس : هل نضيء حياة الآخرين أم نزيد ظلامهم؟ هل نغفر كما غفر القديسون؟ هل نزرع الرجاء في القلوب المتعبة؟ هل نكون شهودًا للمسيح في بيوتنا ومجتمعنا ووطننا؟ إنّ القداسة ليست حكرًا على الماضي، بل دعوة موجّهة إلى كل واحد منّا اليوم. فالله لا يبحث عن أناس كاملين، بل عن قلوب مستعدّة لأن تحبّ وتخدم وتثق به حتى النهاية. وفي هذه الذبيحة الإلهية، نرفع صلاتنا من أجل وطننا الحبيب لبنان، سائلين الرب، بشفاعة القديس غريغوريوس المنوّر، أن يحفظ هذا الوطن رسالةَ عيشٍ مشتركٍ وحوارٍ وحرية، وأن يبارك شعبه، ويهدي المسؤولين فيه إلى اتخاذ القرارات التي تصون كرامة الإنسان، وتُعزّز العدالة، وتعيد الأمل إلى قلوب الشباب والعائلات. ونصلّي بصورة خاصة من أجل بيروت، هذه المدينة التي عرفت الألم ولم تفقد رجاءها، التي سقطت وقامت، وبكت وما زالت تعلّم أبناءها معنى الصمود. نسأل الله أن يحمي بيروت من كل شر، وأن تبقى مدينة اللقاء والمحبة والثقافة ونافذة الشرق على الحضارة، وعاصمةً للشهادة بأن النور أقوى من الظلمة، وأن الحياة تنتصر دائمًا على الموت".

وختم: "فلتكن شفاعة القديس غريغوريوس المنوّر سندًا لنا، ولنحمل جميعًا نور المسيح إلى العالم، لكي يرى الناس أعمالنا الصالحة، ويمجّدوا الآب الذي في السماوات".