
الناتو أمام مفترق طرق: انقسام حول هدف الـ5% وتباين في مواقف الحلفاء
June 25, 2025
المصدر:
الأسوشيتد برس "الاخبار كندا "
بين الطموحات المتزايدة لتوسيع قدرات الدفاع الجماعي، والمخاوف الاقتصادية التي تثقل كاهل بعض الدول الأعضاء، يجد حلف شمال الأطلسي (الناتو) نفسه في لحظة مفصلية تُعيد رسم معادلة التوازن بين الأمن المشترك والسيادة الوطنية، وذلك مع اقتراب الإعلان عن الهدف الجديد لإنفاق الدفاع بنسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
في الوقت الذي يسعى فيه الأمين العام للحلف مارك روته ووزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث لتوحيد الصفوف خلف هذا الهدف الطموح، تبرز مواقف متباينة داخل صفوف الحلف، لا سيما وأن الوصول إلى هذا المستوى من الإنفاق يُعد سابقة غير معهودة حتى بين أكثر الدول التزاماً.
ففي عام 2024، كانت الولايات المتحدة وحدها الأقرب إلى هذا السقف، حيث بلغ إنفاقها الدفاعي 3.38% من ناتجها المحلي، بينما لم تتمكن أي دولة أخرى من الاقتراب من هذه النسبة. ورغم أن الاتفاق النهائي بشأن الخطة يتطلب إجماع الدول الـ32 الأعضاء، فإن تحقيق ذلك يبدو محفوفاً بالعقبات.
الرئيس الأميركي السابق والمرشح الرئاسي الحالي دونالد ترامب دخل على خط النقاش برسالة واضحة مفادها: “الـ5% لا يجب أن تشمل الولايات المتحدة”. وقد نشر ترامب عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي مراسلات نصيّة تلقّاها من الأمين العام روته، هنّأه فيها على “النجاح الحاسم” في توجيه ضربات إلى مواقع إيرانية مرتبطة ببرنامج طهران النووي، وعلى “ضمان توقيع الحلفاء” على الهدف الجديد.
وكتب روته في الرسالة: “أوروبا ستدفع الثمن كما يجب، وهذا يُسجَّل لصالحك.” وهي عبارة أثارت ردود فعل حذرة داخل بعض الأوساط الأوروبية، خاصة في الدول التي تُعاني من صعوبات في بلوغ حتى الهدف السابق البالغ 2%.
في هذا السياق، أعلنت دول مثل بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، وهولندا دعمها للهدف الجديد، كما أبدت دول أوروبا الشرقية، القريبة من حدود روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء، تأييداً واسعاً له، في ظل ما تعتبره تهديدات مباشرة على أمنها.
في المقابل، اتخذت دول أخرى مواقف متحفظة، أبرزها إسبانيا، حيث أعلن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز التوصّل إلى تفاهم مع الناتو يستثني بلاده من الالتزام الكامل بالهدف الجديد، معتبراً أنه غير واقعي في ضوء التحديات الاقتصادية وكون بلاده لم تبلغ بعد الهدف السابق.
أما رئيس وزراء سلوفاكيا، روبرت فيكو، فذهب أبعد من ذلك، مشيراً إلى احتمال تبنّي خيار الحياد إذا استمرت الضغوط، واصفاً تخصيص 5% من الميزانية للدفاع بأنه “أمر غير منطقي على الإطلاق”، إذ يشكّل ما يقارب خمس الإنفاق الوطني السنوي.
وفي محاولة لتبديد هذه التحفظات، شدّد الأمين العام روته على أن جميع الدول ستكون ملزمة بالهدف الجديد، مع مراجعة للتقدّم المحرز بعد أربع سنوات. لكنه لم يُخفِ في تصريحاته إدراكه للصعوبات التي قد تواجه بعض الدول في التنفيذ الفوري.
تاريخياً، لم تُسجّل كندا إنفاقاً دفاعياً يتجاوز 5% من ناتجها المحلي منذ خمسينيات القرن الماضي، فيما لم تتجاوز نسبة 2% منذ عام 1990. وقدّرت بيانات الناتو أن كندا أنفقت العام الماضي ما يعادل 1.37% فقط. ورغم أن الحكومة الكندية أعلنت في السابق نيتها بلوغ هدف الـ2% بحلول 2032، عاد رئيس الوزراء مارك كارني ليؤكد أن ذلك سيتم في عام 2025.
ولعل ما يعزّز هذا التوجّه هو الاتفاق الجديد الذي وقّعته أوتاوا مع الاتحاد الأوروبي، والذي يفتح المجال أمام تعاون في الصناعات الدفاعية وصفقات التسليح، في خطوة رأتها وزيرة الخارجية أنيتا أناند بمثابة توسعة للقاعدة الصناعية الدفاعية الكندية، وشراكة استراتيجية تواكب التحولات الأمنية العالمية.
وقالت لورين سبيرانزا، الباحثة في مركز تحليل السياسات الأوروبية، إن القمة تأتي في “لحظة شديدة الحساسية”، مشيرة إلى الغموض الذي يلفّ التزام واشنطن الكامل بأمن أوروبا، واستمرار الحرب الروسية في أوكرانيا، فضلاً عن توترات تجارية متصاعدة بين أوروبا والولايات المتحدة.
وبينما يسعى الناتو إلى تجديد عقده الجماعي، يبقى التحدّي الأبرز في قدرته على الموازنة بين الأمن والاقتصاد، والقيادة والانضباط، ضمن تحالف لم يعُد يشبه ذاك الذي تأسّس قبل 75 عاماً.
Posted byKarim Haddad✍️



