Wednesday, 10 June 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
المطران عودة في عيد العنصرة: لنطلب إلى الرب أن يجدد فينا موهبة الروح القدس

المطران عودة في عيد العنصرة: لنطلب إلى الرب أن يجدد فينا موهبة الروح القدس

May 31, 2026

المصدر:

الوكالة الانباء المركزية

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة قداس عيد العنصرة في كاتدرائية القديس جاورجيوس. وبعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "نعيد اليوم لعيد العنصرة المقدس، لحلول الروح القدس على الكنيسة، لميلاد الجماعة الجديدة التي افتداها المسيح بدمه، وملأها من حياته الإلهية. في هذا اليوم الخمسيني العظيم تم ما وعد به الرب يسوع حين وقف في الهيكل قائلا: «إن عطش أحد فليقبل إلي ويشرب. من آمن بي، فكما قال الكتاب، ستجري من بطنه أنهار ماء حي» (يو ٧: ٣٧-٣٨)، ويشرح الإنجيلي أنه قال هذا عن الروح القدس الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه. فيوم صعوده، بعد آلامه وقيامته، وعد الرب يسوع تلاميذه بموعد الروح القدس (أع 1: 1) الذي سيكمل عمل الإبن: «وأما المعزي، الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم» (يو 14: 26). منذ سقوطه، عطش الإنسان إلى الله. نقرأ في سفر المزامير: «كما يشتاق الأيل إلى ينابيع المياه كذلك تشتاق نفسي إليك يا الله» (مز ٤١: ١). الأنبياء أيضا تنبأوا عن زمن يفيض فيه الروح على البشر. قال النبي يوئيل: «وأفيض روحي على كل بشر» (يؤ ٢: ٢٨). أما حزقيال النبي فقال: «وأعطيكم قلبا جديدا، وأجعل روحا جديدة في داخلكم، وأنزع قلب الحجر من لحمكم، وأعطيكم قلب لحم، وأجعل روحي في داخلكم، وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها» (36: 26 و27). في يوم العنصرة تحققت هذه النبوءات، إذ امتلأ الرسل من الروح القدس، وخرجوا يكرزون بالمسيح القائم، وصارت الكنيسة جسد المسيح الحي في العالم".

 

أضاف: "نقرا في سفر أعمال الرسل أن الروح القدس حل كريح عاصفة، وظهرت ألسنة من نار استقرت على كل واحد من التلاميذ (أع٢: ١-١١). لم يكن هذا مجرد حدث خارجي، بل كان إعلانا أن الله نفسه قد سكن في الإنسان. النار ترمز إلى التنقية والإستنارة، والريح ترمز إلى قوة الله التي تحيي الخليقة. وكما أن الله نفخ في آدم نسمة حياة فصار نفسا حية، هكذا نفخ الروح القدس في الكنيسة حياة جديدة، فجعل المؤمنين خليقة جديدة بالمسيح، مهمتهم أن يشهدوا له: «ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي وتشهدون أنتم أيضا» (يو 15: 26 و27). يقول القديس باسيليوس الكبير إن الروح القدس «يعيد الفردوس إلى الإنسان، ويهب التبني، ويجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية». لذلك، العنصرة ليست تذكارا تاريخيا، بل سر حياتنا اليومية، لأن كل معمد قد نال ختم موهبة الروح القدس وصار هيكلا لله. لذا، يهتف الرسول بولس: «أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم؟» (١كو ٣: ١٦). من هنا، نفهم خطورة خطيئة التجديف على الروح القدس. يقول الرب يسوع إن «التجديف على الروح القدس لن يغفر» (متى ١٢: ٣١) والآباء يشرحون أن هذه الخطيئة ليست كلمة عابرة ينطق بها الإنسان في ضعفه، بل هي الإصرار الواعي والعنيد على مقاومة عمل الله ونسبته إلى الشر، ورفض التوبة حتى النهاية كما فعل الفريسيون الذين رأوا أعمال المسيح الإلهية لكنهم قالوا إنه يعمل بقوة الشياطين. لقد أغلقوا قلوبهم أمام النور، لذلك صاروا غير قادرين على رؤية أعمال النور".
 

وتابع: "يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن التجديف على الروح القدس هو «العناد الكامل ضد الحق بعدما يعلنه الله للإنسان». لذا، ينبغي أن نخاف لا خوف العبيد بل خوف الأبناء، فنحفظ قلوبنا من القساوة والدينونة والكبرياء الروحية، وألسنتنا من كلام التجريح والإدانة، وحياتنا من السقوط في حبائل الشرير. الإنسان قد يظن نفسه غيورا على الإيمان، لكنه في الحقيقة يحارب الروح القدس عندما يحتقر أخاه أو يدين خدام الكنيسة أو يزرع الإنقسامات والشكوك والتهم، ويروج لأفكار مضللة. إن أخطر ما يهدد الحياة الكنسية أن يتحول بعض المؤمنين إلى قضاة على الآخرين، فيتكلمون بسهولة على إخوتهم المعمدين والمختومين بختم الروح القدس، متناسين أن الروح القدس يعمل في الكنيسة وفي البشر. كل إنسان معرض للخطيئة لكن باب التوبة مفتوح للجميع. ربنا الذي مات من أجل خلاص الإنسان لا يفرح بموت الخاطئ بل «يريد أن يخلص جميع الناس ويبلغوا إلى معرفة الحق» كما يقول بولس الرسول (1 تيمو 2: 4). يقول أيضا: «لا تطفئوا الروح» (١تس ٥: ١٩). كل كلمة إدانة، وكل تحريض، وكل احتقار لإنسان معمد هو إطفاء لعمل الروح القدس. لقد علمنا الآباء أن نميز بين رفض الخطيئة واحترام الشخص. الكنيسة لا تبرر الشر والخطيئة، لكنها أيضا لا تسمح بالكراهية والتشهير والإدانة الهدامة. نحن ندين الخطيئة لكننا ندعو الخاطئ إلى التوبة ونرشده إلى الحق".

 

وقال: "في العنصرة الرسل «امتلأوا من الروح القدس وطفقوا يتكلمون بلغات أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا»، فسمعت كل أمة «بعظائم الله» بلغتها الخاصة. الروح القدس لا يولد التفرقة بل الشركة، ولا يزرع الإنقسام بل المحبة. لذلك، حيث يوجد الحقد والإفتراء والكبرياء والتشويه، هناك مقاومة لعمل الروح، وحيث توجد التوبة والوداعة والمحبة والغفران والصلاة، فهناك حضور الله. يقول القديس سيرافيم ساروفسكي إن غاية الحياة المسيحية هي «اقتناء الروح القدس». الروح القدس لا يقتنى بالضجيج والصراعات، بل بالنقاوة والتواضع والمحبة. لذا، تدعونا الكنيسة اليوم لأن نفتش داخل قلوبنا: هل أفسحنا فيها مجالا لسكنى المسيح؟ هل صرنا هياكل حية لله؟ هل تجري من داخلنا أنهار ماء حي، أي كلمات نعمة ورحمة وسلام؟ أم إننا ينابيع دينونة ومرارة؟ الروح القدس هو مصدر المواهب المعطاة للمؤمنين، وهي تتكامل من أجل البنيان، كما تتكامل أعضاء الجسد، وتظهر ثمارها في سلوكنا وحياتنا. يقول بولس الرسول «أما ثمر الروح فهو محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفف» (غلا 5: 22)، إنه الروح المحيي، روح الله الذي يعمل فينا ويجعلنا مبشرين ورسلا وشهودا على عمل الله الخلاصي".
 

وختم: "فلنطلب إلى الرب أن يجدد فينا موهبة الروح القدس، وأن يطهر ألسنتنا من الكلام الباطل، وقلوبنا من الكبرياء، وأعيننا من الإدانة. لنصل من أجل كهنة الكنيسة وخدامها، لكي يثبتهم الله في القداسة، ويحفظهم من تجارب هذا العالم، ويمنح شعبه قلبا طاهرا يعرف كيف يثمر مواهبه بالصلاة والمحبة والطاعة كما قال بولس الرسول في رسالته إلى العبرانيين: «أطيعوا مرشديكم واخضعوا لهم لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم كأنهم سوف يعطون حسابا» (13: 17)".

 

Posted byKarim Haddad✍️

المطران إلياس عودة: القداسة ليست حكاية من الماضي بل دعوة ممتدة عبر الزمن
June 7, 2026

المطران إلياس عودة: القداسة ليست حكاية من الماضي بل دعوة ممتدة عبر الزمن

رأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "تحتفل كنيستنا في الأحد الأول بعد العنصرة بتذكار جميع القديسين. ليس من قبيل المصادفة أن يأتي هذا العيد مباشرة بعد حلول الروح القدس على التلاميذ، لأن القداسة ليست إنجازا بشريا مستقلا، ولا هي ثمرة قوة الإنسان الذاتية، بل هي الثمرة الأسمى لعمل الروح القدس في حياة المؤمنين. ففي العنصرة أعطي الروح للكنيسة، وفي القديسين ظهر عمل هذا الروح في الإنسان الذي يفتح قلبه لنعمة الله. لذلك، فإن تذكار جميع القديسين هو البرهان الحي على أن العنصرة لم تكن حدثا عابرا في التاريخ، بل حياة مستمرة في الكنيسة عبر الأجيال".

أضاف: "المقطع الإنجيلي الذي سمعناه اليوم يضع أمامنا جوهر دعوة القداسة التي تبدأ بالإعتراف بالمسيح، لا بالكلام فقط، بل بالحياة كلها. القديس هو الإنسان الذي جعل المسيح محور وجوده، وقدم محبة الرب على كل محبة أخرى. لهذا، يقول الرب: «من أحب أبا أو أما أكثر مني فلا يستحقني». هذه ليست دعوة إلى إحتقار العائلة أو التخلي عن روابط المحبة الإنسانية، بل إلى إعلان الله المصدر الأول لكل محبة، لأن كل محبة تجد معناها الحقيقي عندما تتجذر في الله. سمعنا أيضا شهادة الرسول بولس عن الذين «بالإيمان قهروا الممالك، وعملوا البر، ونالوا المواعد»، وعن آخرين احتملوا الإضطهاد والعذابات ولم ينالوا في حياتهم الأرضية ما وعدوا به. يرسم الكتاب المقدس أمامنا موكب القديسين الممتد عبر العصور، ويصفهم بأنهم «سحابة من الشهود». هؤلاء ليسوا أبطالا أسطوريين بعيدين عن واقعنا. هم بشر مثلنا، عرفوا الضعف والتجربة والخوف، لكنهم سمحوا لنعمة الله بأن تعمل فيهم. لذلك، يدعونا الرسول إلى أن ننظر إلى «يسوع رئيس الإيمان ومكمله»، لأن القداسة ليست تقليدا حرفيا لقديسي الماضي بقدر ما هي إتحاد حي بالمسيح القائم من بين الأموات".

وتابع: "أرثوذكسيا، القداسة ليست مجرد التزام أخلاقي، ولا هي حالة تخص فئة قليلة من الناس. إنها اشتراك الإنسان في حياة الله بالنعمة. الإنسان خلق على صورة الله، ودعي ليبلغ« قامة ملء المسيح» (أف 4 :13). هذه المسيرة التي يسميها الآباء «التأله» لا تعني أن يصير الإنسان إلها بالطبيعة، بل أن يصير إلها بالتبني، وأن يمتلئ من نور الله ومحبته وحضوره. القديس هو إنسان صار شفافا لنعمة الروح القدس، حتى أمكن للآخرين أن يروا فيه إنعكاس وجه المسيح. كثيرون يظنون أن القداسة كانت ممكنة في الأزمنة القديمة فقط، أما اليوم، في عالم السرعة والضجيج والضغوط الإقتصادية والإجتماعية والأمنية والتكنولوجية، فقد أصبحت أمرا بعيد المنال. لكن الكنيسة تعلمنا عكس ذلك. الروح القدس الذي قدس الرسل والشهداء والنساك هو نفسه يعمل اليوم في الكنيسة وفي العالم. القداسة لا تبدأ بأعمال عظيمة، بل بالإيمان بالله والأمانة لتعاليمه، بالصلاة الصادقة، والتوبة المستمرة، والمشاركة بالأسرار المقدسة، ومحبة القريب، وحفظ القلب من الكراهية والأنانية والعدائية، واكتساب التواضع قاعدة. إن الأب والأم اللذين يربيان أولادهما في مخافة الله، والطبيب الذي يمارس مهنته بأمانة، والمعلم الذي يخدم تلاميذه بمحبة، والعامل الذي يقدم عمله بضمير صالح، جميعهم مدعوون إلى القداسة في قلب العالم. الله لا يطلب من الجميع أن يتركوا كل شيء كما فعل الرسل، لكنه يطلب أن يضعوه في المقام الأول، وأن يحملوا صليبهم ويتبعوه".

وقال: "في هذا السياق، نستذكر اليوم الدكتور أديب صعب الذي انتقل عنا منذ أربعين يوما. إن عمل الروح القدس لا يقتصر على الأديرة أو ساحات الإستشهاد، بل يظهر أيضا في عيش الإيمان والمحبة والتواضع، في خدمة الفكر والثقافة والشهادة للكلمة. لقد عرف الراحل كيف يضع مواهبه الفكرية في خدمة البحث عن الحقيقة، فكرس سنوات طويلة لدراسة فلسفة الدين والحوار بين الأديان والدفاع عن قيمة الإيمان في عالم كثيرا ما ينجرف نحو المادية أو اللامبالاة الروحية. لقد سعى الدكتور أديب إلى إظهار حقيقة أن الإيمان ليس نقيض العقل، وأن العقل يجد كماله عندما ينفتح على سر الله. في مؤلفاته ومحاضراته ومقالاته حاول أن يقدم شهادة للفكر المسيحي الأرثوذكسي المنفتح والواثق بتراثه، القادر في الوقت نفسه على محاورة العصر. لم تكن هذه الجهود مجرد نشاط أكاديمي، بل كانت تعبيرا عن عطايا منحها الروح القدس لإنسان سخرها لخدمة الكنيسة والمجتمع. الفلسفة لم تبعده عن الله، بل قربته إليه أكثر، فسخرها ليصقل عقول طلاب اللاهوت ويدربها على التفكير النقدي والتحليل المنطقي، دون الإبتعاد عن الله الكلمة. نحن لا نضع أحدا في مصف القديسين بقرار بشري. القداسة تعلنها الكنيسة وفق تمييزها الروحي. لكننا نستطيع أن نشكر الله على كل ثمرة صالحة تظهر في حياة أبنائه. كل موهبة تستخدم لمجد الله وخدمة الإنسان هي علامة من علامات حضور الروح القدس. لذلك، أفضل تكريم لذكرى الدكتور أديب صعب ليس الإكتفاء باستذكار إنجازاته، بل التعلم من أمانته في طلب الحقيقة، ومن اجتهاده في العمل الفكري، ومحبته للكنيسة وتراثها".

وختم: "القداسة ليست حكاية من الماضي، بل هي دعوة ممتدة عبر الزمن. الله لا يدعونا إلى الإعجاب بالقديسين فقط، بل إلى السير في الطريق الذي سلكوه. سحابة الشهود التي تحدث عنها الرسول لا تحيط بنا لكي تدهشنا، بل لكي تشجعنا على عيش الإنجيل، والروح القدس قادر أن يجدد الإنسان مهما كانت ظروفه، إن شاء الإنسان فتح قلبه لعمل الروح، لأن المسيح الذي عمل في القديسين الذين سبقونا يعمل فينا أيضا. فلنرفع أنظارنا إلى الرب يسوع «رئيس الإيمان ومكمله»، ولنطلب أن يسكب في قلوبنا نعمة روحه القدوس، لكي نحمل ثمار المحبة والفرح والسلام وطول الأناة والصلاح والإيمان، فنصير نحن أيضا شهودا له في هذا العالم، و«نعترف به قدام الناس» فنستحق أن «يعترف بنا قدام أبيه الذي في السموات» ونكون شركاء جميع القديسين في ملكوته الأبدي".

 

البطريرك الراعي: لإنجاح المفاوضات… وإبعاد شبح الحرب
June 7, 2026

البطريرك الراعي: لإنجاح المفاوضات… وإبعاد شبح الحرب

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس تكريس لبنان والانتشار لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر في بازيليك سيدة لبنان_حريصا، عاونه فيه المطارنة حنا علوان، الياس نصار، شكرالله نبيل الحاج، شربل عبدالله،غريغوري منصور، ادغار ماضي، حبيب شامية، الياس سليمان، أمين سر البطريركية الخاص الأب فادي تابت، أمين سر البطريرك الخاص الأب كميليو مخايل، الرئيس العام لجمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة الأب الياس سليمان، رئيس مزار سيدة لبنان_حريصا الأب خليل علوان، وممثلون عن مختلف الطوائف المسيحية، ومشاركة عدد من المطارنة والرؤساء العامين والرئيسات العامات والكهنة والراهبات، في حضور حشد من الفاعليات والمؤمنين من مختلف المناطق.

في بداية القداس، القى علوان كلمة ترحيبية قال فيها:"في قلب يسوع الأقدس، نودع لبناننا، هذا الوطن الذي أحبه وباركه، ونودع معه بلدان الشرق بكل شعوبها، وجميع اللبنانيين المنتشرين في أصقاع الأرض. نكرّس ذواتنا وعائلاتنا وأوطاننا اليوم للقلبين الأقدسين. ويا مريم، يا سيدة لبنان، أمنا الحنون وملجأنا الأمين، أنتِ التي جمعتِ اللبنانيين حولك عبر العصور، كوني اليوم جسر تلاقٍ بيننا. ابسطي حمايتكِ على أرضنا، لتبقى رسالة حب ورجاء في هذا المشرق. وكوني الملاذ لأبنائنا في الانتشار، احفظي إيمانهم، واجعلي منهم رسلاً للسلام والمحبة حيثما حلّوا".

وتابع: "يا سلطانة السلام، نطلب شفاعتك لدى ابنك. هبينا حكمة المحبة، وقوة الرجاء، ونعمة التسامح، لكي نعيش كإخوة في ظلّ حمايتك. اجعلي من تكريسنا هذا العام بداية زمن جديد، تسوده العدالة، وينعم فيه الإنسان بالكرامة، ويسود السلام الدائم في أرضنا وفي العالم أجمع. أرحب بكم في مقامكم، لنحتفل برآستكم بتجديد تكريس لبنان والانتشار والشرق الأوسط لقلب يسوع الأقدس ولقلب مريم الطاهر، وهذه مبادرة احتفظ بها المؤمنون بإيمان ورجاء، وثابروا على إقامتها عامًا بعد عام في هذا المزار برعايتكم وبركتكم. في هذه السنة التي أُعلن فيها سلفكم البطريرك الياس الحويك طوباويًا، نتلمّس بركته في هذه المناسبة، فله يعود له الفضل في تكريس لبنان لقلب يسوع الأقدس وللعذراء مريم.  ففي عام 1908، يوم أسس هذا المزار، كتب ترنيمة «يا مريم سلطانة الجبال والبحار وملكة لبناننا العزيز...»، وقد غدت هذه الانشودة على كل لسان، وأصبحت منذ ذلك اليوم نشيد المزار. وقبل ذلك بتسع سنوات، كرسَّ في العام 1899، الكنيسة المارونية للقلب الأقدس. وبعد ولادة «لبنان الكبير»، بفضل جهوده وصلاته، أودع، في عام 1922، لبنان والكنيسة المارونية لقلب يسوع الأقدس. حيث كتب: «إن أمنا الكنيسة تنادينا اليوم في وسط هذه الاضطرابات... أن استغيثوا بقلب يسوع الأقدس لنجاتكم وخلاصكم. فنحن... استجابة لدعوة هذه الأم... قد كرّسنا... إبناء الطائفة المارونية لقلب يسوع، وجعلنا لبنان تحت كنفه الخاص وحماه السامي».

وأضاف: "في العام 1954، زار لبنان الكاردينال أنجلو رونكللي (أي البابا القديس يوحنا الثالث والعشرون فيما بعد)، وكان آنذاك قاصدًا رسوليًا ممثلاً قداسة الحبر الأعظم في المؤتمر المريمي الذي عُقد في بيروت، فكرّس لبنان مرة أخرى لمريم العذراء. ولأن هذا الفعل التقوي لم يكن يومًا غريبًا عن عاداتنا وتقاليدنا وتاريخ شعبنا، فقد أحييتم يا صاحب الغبطة، على خطى اسلافكم القديسين، هذا التقليد في العام 2013، ووعدتم المؤمنين بتجديده سنويًا في هذا الصرح المريمي العريق. وها هي السنة الثالثة عشرة لهذا التجديد، وقد شملتم بهذا التكريس هذه السنة بلدان شرقنا العزيز وأبنائنا اللبنانيين المنتشرين في العالم".

الراعي: وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، القى الراعي عظة بعنوان:""الروح يعزّيكم ويعلّمكم ويذكّركم"، قال فيها: "بهذه الكلمة المليئة رجاءً ونورًا، يهيّئ الرب يسوع تلاميذه لمسيرة الكنيسة بعد قيامته وصعوده، ويطمئنهم بأنهم لن يُتركوا وحدهم، بل إن الروح القدس، البارقليط، سيكون حاضرًا معهم، يعزّيهم في الشدائد، ويعلّمهم الحق، ويذكّرهم بكل ما يقوله للكنيسة. إنه إنجيل الروح القدس الذي يقود الكنيسة، ويجعل كلمة المسيح حيّة في القلوب، ويحوّل الخوف إلى رجاء، والاضطراب إلى سلام، والحيرة إلى بصيرة. فالروح القدس هو حضور الله العامل في الكنيسة وفي العالم. في هذا الأحد المبارك، نكرّس لبنان وبلدان الشرق الأوسط وبلدان الانتشار لقلب يسوع الأقدس ولقلب مريم الطاهر. نرحّب بكم جميعًا إخواني السادة المطارنة والكهنة والرهبان والراهبات، وجميع المؤمنين والمؤمنات الحاضرين معنا اليوم في هذا المزار المبارك، مزار سيدة لبنان في حريصا، الذي ترتفع منه الصلوات إلى الله من أجل السلام والخير في العالم. كما نحيّي الذين معنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي".

وتابع: "في مناسبة تكريس لبنان وبلدان الشرق الأوسط وبلدان الانتشار لقلب يسوع الأقدس ولقلب مريم الطاهر، نجدّد عهد الثقة والرجاء، ونسلّم أوطاننا وشعوبنا إلى قلب يسوع المفعم بالمحبة والرحمة، وإلى قلب مريم أمنا الحنون، سائلين الله أن يحفظ أوطاننا بنعمته ويغمرها بسلامه ووحدته. لكن يعتصر قلبنا دمًا على الدماء البريئة التي تسقط يوميًّا وتغسل أرض الوطن. ونذكر من بينهم ضحايا الجيش اللبناني، العميد وسام صبره والنقيب إيلي الخوري والجندي حسين عبد العلي غزال، والدكتور جيمس كرم وابنته تيودوسيا وابنه طوني من بلدة القليعة الجريحة. إنّا نعزّي قيادة الجيش، ونصلّي لراحة نفوسهم وعزاء عائلاتهم. يمارس الروح القدس أفعاله الثلاثة من خلال مواهبه السبع: الروح المعزّي يعطينا موهبة القوّة لمواجهة المحن والمعاكسات، الآتية من الداخل أو من الخارج. لا أحد منّا إلّا ويختبر الرياح المعاكسة في حياته وأعماله ومسؤولياته. وحده روح القوّة يشجّعنا على الصمود والصبر والرجاء. الروح المعلّم يمنحنا موهبة المشورة، في كلّ مرّة نتساءل عمّا يجب أن نفعل أو نقول؛ وموهبة العلم عندما نصمت ونتأمّل ونفكّر، باحثين عن حقيقة ما، وعن نور يقود معرفتنا؛ وموهبة الحكمة عندما تستدعي ظروف الحياة أن نتّخذ قرارًا أو موقفًا حاسمًا لقضيّة؛ وموهبة الفهم التي تعضد إيماننا، وتساعدنا في البحث عن جواب على تساؤلاتنا. الروح المذكِّر يفيض علينا موهبة التقوى في لقائنا مع الله عبر الليتورجيّا وأفعال العبادة، بحيث نتذكّر أنّ الرب هنا؛ وموهبة مخافة الله في علاقاتنا مع الناس، وفي تعاطينا شؤون العالم واستخدام خيراته، فنتمّمها وفقًا لمرضاة الله، مخافة الاساءة إليه وخسارة رضاه".

وتابع: "إنّ التكريس عمل كنسي وليتورجي بامتياز، لأن الليتورجيا هي المكان الذي تلتقي فيه الأرض بالسماء، والإنسان بالله، والتاريخ بالخلاص. ومن خلال هذا التكريس نعلن أن أوطاننا ليست خارج عناية الله، بل هي موضوعة في قلب عنايته ورحمته ومحبته. فعندما نسلّم الوطن لقلب يسوع الأقدس، فإننا نعلن أننا نريد دولة تنبض بالحق والعدالة والرحمة والكرامة الإنسانية. وعندما نسلّم الوطن لقلب مريم الطاهر، فإننا نعلن أننا نريد دولة تحمي أبناءها، وتداوي جراحهم، وتحتضن ضعفهم، وتفتح أمامهم أبواب الرجاء. وعندما نسلّم الشرق الأوسط وبلدان الانتشار لهذين القلبين، فإننا نصلّي من أجل شعوب تتوق إلى الاستقرار، ومن أجل أجيال تبحث عن مستقبل آمن، ومن أجل إنسان يتطلع إلى حياة يسودها السلام والكرامة والاحترام المتبادل. إنّ لبنان صاحب حضور في حقل الرسالة. فهو أكثر من أرض وحدود، وأكثر من دولة ومؤسسات، إنه رسالة حرية وكرامة وتعددية وعيش مشترك. هذه الرسالة لا تُصان إلا عندما يبقى أصحاب المسؤولية أوفياء لها، وأمناء على جوهرها، ومدركين حجم الأمانة الملقاة على عاتقهم. ولا يمكن أن يقوم لبنان بهذه الرسالة الفريدة، ما لم تعلنه الأمم المتّحدة دولة حياديّة بمفهومها الإيجابي الناشط".

واردف: "تكريس لبنان وبلدان الشرق الأوسط وبلدان الانتشار لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر هو إعلان رجاء بأن هذه الأرض، مهما اشتدت عليها المحن، ليست متروكة لمصيرها، بل لها رب نرجع إليه، ولها أم نلجأ إليها، ولها قلبان لا يتوقفان عن النبض بالمحبة والرحمة والشفاعة. ومن هنا نفهم أن التكريس هو مسيرة متواصلة من الإيمان والثقة والتجدد. إنه دعوة لأن تتجدد شعوبنا في الرجاء، وأن تستعيد أوطاننا رسالتها، وأن يبقى الإنسان في هذه المنطقة مؤمنًا بأن الله حاضر في تاريخه، ومرافق لمسيرته، وعامل في قلب معاناته. فحين نسلّم ذواتنا وأوطاننا لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر، نعلن أن الرجاء أقوى من اليأس، وأن المحبة أقوى من الكراهية، وأن نعمة الله تبقى أقوى من كل ما يواجهه الإنسان من صعوبات وتحديات. وفيما تتواصل المفاوضات والمباحثات والاتصالات على أكثر من مستوى، تبقى الأنظار متجهة نحو أن تنجح هذه الجهود في فتح أبواب الحلول وإبعاد شبح الحرب والتصعيد والمواجهات والهدم والنزوح ووقوع الأبرياء. لقد سئمت الشعوب الحرب ولغة القوة والهيمنة. فالحرب لا تصنع سلامًا، ولا تبني أوطانًا، ولا تؤسس مستقبلًا. أما الرؤية الحكيمة، والقرار المسؤول، والإرادة الصلبة في البحث عن حلول عادلة ومستدامة، فهي التي تفتح الطريق أمام الاستقرار والأمن والازدهار.في مناسبة هذا التكريس المبارك، نرفع صلاتنا لكي يستنير جميع المسؤولين والمفاوضين وأصحاب القرار، في الداخل والخارج، بنور الحقيقة والضمير والمسؤولية الوطنية، فيعملوا لما فيه خير الشعوب واستقرار الأوطان وصون كرامة الإنسان. إنّ هذا التكريس هو موقف إيمان في وجه اليأس، ورجاء في وجه الخوف، وإعلان بأن لهذه الأرض رسالة، ولهذا الوطن دورًا لا يُهمّش. إننا نرجو أن تثمر المفاوضات الجارية نتائج ملموسة تقود إلى الاستقرار، وأن تتغلب لغة الحكمة على لغة التصعيد، لأن الشعوب لم تعد تحتمل المزيد من المعاناة. ويبقى تكريس لبنان والشرق الأوسط لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر تأكيدًا على أن هذا الوطن وهذه المنطقة ما زال لهما مكان في قلب الله، وما زالت لهما رسالة ينبغي أن تُحفظ وتُصان وتُستكمل".

وختم الراعي: "فلنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء: أيها الرب يسوع، يا صاحب القلب الأقدس، نضع بين يديك لبنان وبلدان الشرق الأوسط وبلدان الانتشار، وكل إنسان يتألم، وكل عائلة تنتظر، وكل شاب يبحث عن مستقبل أفضل. ويا مريم العذراء، يا سيدة لبنان، يا أم الكنيسة وأم الرجاء، نكرّر اليوم عهدنا لك، ونجدّد ثقتنا بشفاعتك، ونضع أوطاننا وأبناءها تحت حمايتك. فاحفظي لبنان في رسالته، وثبّتي الشرق الأوسط في رجائه، وباركي أبناء الانتشار أينما وجدوا، ليبقوا شهودًا للمسيح وللكنيسة وللقيم التي حملوها معهم إلى العالم.

واجعل يا رب من هذا التكريس ينبوع نعمة جديدة لشعوبنا، ومن قلبك الأقدس وقلب أمك الطاهر ملجأً لكل متعب، وعزاءً لكل متألم، ورجاءً لكل من ينتظر فجرًا جديدًا من السلام والكرامة والاستقرار. لك المجد إلى الأبد، آمين".

نبيل الحاج: وفي ختام القداس، ألقى المطران نبيل الحاج كلمة شكر فيها للراعي تلبيته الدعوة السنوية للمشاركة في هذا الاحتفال، وعلى مواكبته الدائمة لهذه المسيرة الروحية. ثم وقف الجميع بخشوع للمشاركة في قراءة فعل التكريس، مجدّدين تسليم لبنان وبلدان الشرق الأوسط والانتشار إلى قلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر، في مشهد إيماني جامع ارتفعت فيه الصلوات من أجل السلام والرجاء والاستقرار.

وعند انتهاء القداس والاحتفال بالتكريس، حلّقت طوافة تابعة للجيش فوق باحة مزار سيدة لبنان في حريصا، ونثرت الورود على المؤمنين المحتشدين في المزار، في مشهد احتفالي مفعم بالفرح والرجاء. وقد شكّل هذا المشهد تعبيرًا رمزيًا عن البهجة الروحية التي رافقت تجديد تكريس لبنان والشرق الأوسط وبلدان الانتشار لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر، فيما ارتفعت القلوب بالصلاة والشكر، متشبثةً برجاءٍ لا تُطفِئُه العواصف، ومجدّدةً إيمانها بأنّ لبنان سيبقى أرض رسالةٍ وشهادةٍ وحضور، مهما اشتدّت التحديات وتعاظمت المحن.

وفي لحظةٍ اتّسمت بالخشوع والرجاء، بدا فعل التكريس أكثر من صلاة جماعية، إذ شكّل إعلانًا متجدّدًا للثقة بالله وسط التحوّلات التي تعصف بالمنطقة، وتأكيدًا على أن لبنان مدعوّ إلى البقاء وطن الرسالة والحرية والشهادة للعيش المشترك. ومن حريصا، حيث ترتفع الصلاة على مرأى البحر والجبل، تجدّد الوعد بأن يبقى الرجاء أقوى من الخوف، وأن تظلّ رسالة لبنان الروحية والإنسانية شعلة نورٍ لا تنطفئ في الشرق والعالم.