Wednesday, 17 June 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
الخطيب: سنحافظ على كل عوامل قوتنا ولن نفرّط بمقاومتنا ووحدة شعبنا

الخطيب: سنحافظ على كل عوامل قوتنا ولن نفرّط بمقاومتنا ووحدة شعبنا

June 29, 2025

المصدر:

وكالة الأنباء المركزية

رعى نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى العلامة الشيخ علي الخطيب إحياء الليلة الثالثة من محرم في مقر المجلس - طريق المطار ، بحضور ممثلي المرجعيات الدينية وعلماء دين وشخصيات سياسية وقضائية وعسكرية وتربوية وثقافية واجتماعية ومواطنين.

وبعد تلاوة اي من الذكر الحكيم للقارئ احمد المقداد قدم الحفل الدكتور جهاد سعد مستهلا كلمته،: "يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم. وهذه إشارة إلى أن عملية القيام بالقسط مستمرة ودائمة في كل الأزمان وفي كافة المجالات لأن الله تعالى لم يقل قائمين بالقسط بل قوامين بالقسط . والمقاومة من نفس المادة اللغوية للقوامية هي العملية والفعالية المستمرة للقيام بالقسط وهي القاعدة في الكون وليست الإسثتناء. فقد عالج العلم مسألة المقاومة في الكون والطبيعة، وقرر أنها ظاهرة وفاعلية كونية، فالمعادن تقاوم التيار الكهربائي ، وتتميز عن بعضها بمقدار وحجم وقوة هذه المقاومة، والمعادن الصلبة تقاوم بشدة، مما يجعلها شديدة الإحمرار وينتج عن هذه العملية نار ونور، دفء وإضاءة، والعلم يستثمر هذه الظاهرة في كل تفاصيل الحياة اليومية لخدمة الإنسان".

أضاف: "وفي البيولوجيا، تعتبر المقاومة للأجسام الغريبة من وظائف الأجسام الحية، وهي أيضا تصاب بالحمى عندما يستنفر جهاز المناعة لطرد الجسم الغريب، والمقاومة هنا ليست فقط وظيفة حيوية، بل من أدلة الوعي والحياة. أخبث فيروس يواجهه المجتمع العلمي اليوم، هو فيروس نقص المناعة المكتسبة، لأنه يستهدف جهاز المناعة فيقلل من قدرة الجسم على المقاومة، وبالتالي يقلل من قدرة الجسم على الحياة. وفي علوم البيئة، تبادر الطبيعة إلى الغضب عندما تشعر أن الإنسان قد أخل بتوازنها، وطغى في الميزان، إنها ترى أن الإنسان يسعى إلى التحكم بمقدراتها عن طريق إلغاء التنوع البيئي، وصناعة التصحر، وتمنحه الحياة بغناها وتنوعها وتطلب منه المشاركة في سمفونية الحياة، فيرد عليها بنشيد الموت". 

وقال: "المقاومة إذن ، شأن المعادن الصلبة، والأجسام الحية، والبيئة المتوازنة، والعالم الحر، والمجتمع الحي، والكل يقاوم من أجل أن يحفظ خصائصه ويقوم بوظيفته ويحمي توازنه ويشارك في صنع الحياة من حوله، لكي يكون هناك حوار. وفي مجال الاجتماع البشري، تستبدل المعادن الصلبة، بالمجتمع الأصيل، والجسم الحي بالمجتمع الحي، والبيئة المتوازنة بالدولة العادلة، وعندما يتعرض مجتمع حي للغزو ولخطر الإبادة فإنه يقاوم ليدافع عن وجوده وأصالته، وليقوم بدوره في دورة الحياة. والحياة في المجال الانساني تتعدى معناها البيولوجي، فهي أكثر من مجرد العيش، فالعلم حياة العقل، والذكر حياة الروح، والأسرة حياة القيم، والشريعة حياة المدينة، والعمارة حياة الحضارة، والتفاعل حياة الثقافة، والشهادة حياة الكرامة، والكرامة حياة الإنسان".

أضاف: "يقترح علينا دعاة الإنهزام الاكتفاء بالعيش، ونحن نجيب بلسان علي (ع): والله ما خلقت كالبهيمة المربوطة همها علفها وشغلها تقممها تكرش من أعلافها ، وتلهو عما يراد بها. ويمثل دعاة الإنهزام ذلك الشكل الإجتماعي من فيروس نقص المناعة الذي يهدف إلى إصابة المجتمع بنوع من الإيدز الحضاري، فهم يستهدفون الوعي بوصفه جهاز المناعة، و يركزون على الإعلام كوسيلة لاسقاط الوعي ليتمكن فينا الغزو، فيسقط منا الحياة والروح ويبقي منا العيش، يسقط فينا الإنسان، ويبقي منا الحيوان".

وختم: " هم إذن أصحاب ثقافة العيش، ونحن أصحاب ثقافة الحياة، هم سماسرة الطغيان والإقصاء والإلغاء، ونحن دعاة التوازن والعدل والمشاركة، هم صوت الصناعة والتلوث البيئي والاجتماعي والسياسي، ونحن صوت الفطرة السليمة والطبيعة الأم التي تغضب لترحم، وتقاوم لتشارك".

فحص

 والقى كلمة "حزب الله" مسؤول وحدة التبليغ والأنشطة الثقافية  السيد علي فحص التي قال فيها: "من وسائل عمل الطغاة والجبابرة وأهل الضلال والمفسدين في الأرض، وكذلك الفراعنة والحكومات الجائرة المستبدة التي تريد السيطرة على الأمم والشعوب ونهب خيراتها وثرواتها واستعبادها الاستخفاف بالعقول وتعطيلها، والحيلولة دون إعمالها بالتفكر والتدبر والتأمل، وترك الناس يعيشون في ظلام الجهل وعتمته الداكنة، والانحطاط والتردي العلمي والثقافي والمعرفي والفكري والحضاري، وتحويلهم إلى أمم وشعوب مخدّرة تغرق في الغفلة فلا يعرفون ولا يدركون حقيقة ما يخطط لهم الأعداء وخطورته على حياتهم وخيراتهم وكرامتهم ومستقبلهم".

أضاف: "هذا الأسلوب الفرعوني (والاستخفاف بالعقول) بات أسلوبًا حاكمًا وحاضرًا بقوة في عالمنا اليوم، كما كان سابقًا أيام الفراعنة والنماردة والطواغيت، وكما حضر في تاريخ أمتنا الإسلامية في عهد معاوية ويزيد...

فهو يحضر اليوم ويسيطر على أغلبية أمم وشعوب وحكام منطقتنا - إلا من رحم ربي-، ويحضر من خلال أدوات ووسائل هذه المنظومة الطاغوتية الحاكمة في عالمنا حيث تستخدم في مختلف الساحات، ومع مختلف الشرائح العلمية والفكرية والاجتماعية والسياسية والإعلامية والدينية والفنية وغيرها، ومراكز الدراسات المتنوعة من مختلف الميادين ليكونوا أبواقًا وأدوات تنشر الرواية والفكرة التي تريدها تلك القوى المستبدة، وتنظّر لها، وتحشد لها الأدلة والبراهين الواهية التي لو أعمل الناس فيها عقولهم جيدًا وتفكروا وتدبروا وتأملوا لعلموا أنها لا تصمد أمام الحقيقة والعقل والحكمة والمنطق السليم، ولتحولوا من الغفلة والركون وحالة الضياع والتشتت إلى اليقظة والوعي والبصيرة، ولعرفوا الحقائق كما هي، وعرفوا من هو العدو ومن هو الصديق، وأين هو الحق وأين هو الباطل، ومن هو الذي يبيعهم ويتاجر بحقوقهم وكراماتهم ومستقبلهم.ولعرفوا القيم الحقيقية التي يجب اتباعها من القيم المزيفة التي يروّج لها الأعداء. ولانتقل من حالة اليأس والإحباط وانعدام الوزن إلى الفاعلية والتأثير وقلب الموازين على الطغاة، ولتبدّل ظلام الجهل بنور العلم والمعرفة، وتنامى واتسع الرشد الفكري والعلمي والحضاري بشكل واسع، وعمّت البصيرة والفهم الجيد والصحيح للأحداث والوقائع، وتمكنوا من توحيد الطاقات والاصطفاف الصحيح في الجبهة المناسبة".

وتابع: "كل ذلك يشكّل أعظم خطر على تلك الحكومات وأولئك الطغاة والفراعنة. فرعون لما جاءه موسى وهارون عليهما السلام يدعوانه إلى الله وترك الظلم والطغيان بعد أن سرق عقول الناس واستخف بها (وعلى رأي بعض المفسرين: الاستخفاف هو طلب الخفة من ثقل، وثقل الإنسان عقله). فإذا خف العقل باستخفاف المستخف تنازل عنه وتغافل وترك حكمه، يحل محله الطاعة المطلقة لمن يستخف من الفراعنة والطغاة وأهل الضلال والمفسدون في الأرض. فيصبح الإنسان في مهب الريح، وعندها يُستعبد، ويقدّم لهم الفرعون والطاغية أدلته التي لا تصمد أمام العقل المدرك المتفكر المتدبر الواعي وتنطلي عليه. القرآن الكريم نقل لنا ذلك عندما حكى لنا ما قدّمه فرعون لهم من أدلة حيث قال تعالى: وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52)، فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) (سورة الزخرف 51-53). هنا قال بعدها تعالى: ﴿فاستخف قومه فاطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين﴾ فاسقين: خارجين عن حكم العقل والفطرة وحكم الله تعالى. لذلك حصل الاستخفاف، وهو لا يحصل فقط بفعل الفرعون بل بتجاوب الناس معه وتركهم للتفكر والتعقل والمواجهة مع الظالم. فلو كانوا واجهوه وردوا أدلته الواهية عليه لاختلف الأمر".

وأردف فحص: "وهذا هو ما حصل مع سيد الشهداء الحسين حيث استمع الناس يومها لأبواق السلطة من مختلف الشرائح ولم يستمعوا إلى منطق الحسين عليه السلام، فاستخفوا بعقولهم وباعوها، وحصل ما حصل في كربلاء. وهذا يرتّب علينا جميعًا مسؤولية عظيمة وكبيرة وتاريخية وإنسانية. ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا﴾ (سورة الأحزاب، الآية 39).

أن نبلّغ ونبيّن للناس الحقائق والوقائع والأحداث، وما يجري في ساحتنا، وأن نكون حاضرين بكل قوة في هذا الميدان بين الناس وبين أهل الباطل وما يقومون به لتبقى الفئة المؤمنة القوية التي تتميز بالمنعة والاستقامة على موازين الحق والعقل والحكمة والقيم الحقّة فلا يؤثّر بها الاستخفاف بل بمقدورها مواجهته والتغلّب عليه. سيد الشهداء عليه السلام هذا ما فعله في كربلاء حيث بيّن حقيقة الصراع وخصائص كل جبهة عندما قال: "إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة... ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة... ". وعندها صدر هدفه ليكون واضحًا للأمة بقوله: "لم أخرج أشرًا".

وقال: "اليوم أيها الأعزاء تمر أمتنا بظروف صعبة ويجمع الشر والباطل حقده في مقابل خير الله، ويستخدم نفس الوسائل والأساليب المتطورة ويطمس الحقائق. فشن حربًا على غزة وعلى لبنان واليمن وسوريا وأخيرًا على الجمهورية الإسلامية في إيران تحت حجج واهية وأهداف خبيثة. والحمد لله انتصرت إيران بشعبها وقوتها المسلحة تحت قيادة الولي الفقيه الإمام الخامنئي - دام ظله - ونصرها نصرنا جميعًا وهو نصر لكل الأمة ولكل أحرار العالم. أراد أن ينتزع أسباب القوة من إيران ليسهّل استعبادها لكنها انتصرت بوحدتها وقيادتها وقوتها بعد الله تعالى.  نحن سنحافظ على كل عوامل قوتنا ولن نفرّط بمقاومتنا ووحدة شعبنا وأهلنا والمساعدة في بناء الدولة المقتدرة التي بمقدورها أن تدافع عن أهلها وشعبها وتعيد إعمار ما دمرته الحرب الصهيونية وكذلك سنحفظ استقلالنا وسيادتنا ونعيد أسرانا. نحن اليوم نسير على خطى ونهج إمامنا الحسين عليه السلام ونصنع ونصون كرامتنا وعزتنا ووحدتنا مقابل هذا العدو الغاشم المتوحش المتفلت من كل القوانين والقيم والأعراف.  العدو الذي يخوض حروبًا في المنطقة متنقلًا من ساحة إلى أخرى وآخرها الجمهورية الإسلامية في إيران بمساعدة أمريكية واضحة ومكشوفة ودعم أوروبي لتدمير كل أسباب القوة هناك من النووي إلى الصاروخي إلى الدولة. كل ذلك لتستسلم إيران فكان الله حاضرًا وانتصرت إيران. وإيران ونحن في أيام محرم وسيد الشهداء عليه السلام يبقى خيارنا هيهات منا الذلة والمضي قدمًا في طريق العزة والكرامة. وفي لبنان هناك من انحاز إلى الطريق الآخر المعادي مراهناً على العدوان على إيران ليستثمر في الداخل ويرتب نتائج هنا. لكنهم صُدموا بعدم تحقق الأهداف وعاشوا حالة الخيبة. عاشوا ذلك عندما راهنوا على إسرائيل لسحق حزب الله. كل ذلك يدفعنا للقول لهم أن ييأسوا من ذلك ويتعلموا مما حصل وأن لا يبنوا على رهانات خاسرة".

وفي الختام تلا الشيخ نعمة عبيد مجلس عزاء حسيني.

 

Posted byKarim Haddad✍️

المطران إلياس عودة: كم نحتاج في لبنان إلى بشر يعيشون حياة القداسة
June 14, 2026

المطران إلياس عودة: كم نحتاج في لبنان إلى بشر يعيشون حياة القداسة

رأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس.  بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "في هذا اليوْم المبارك تحْتفل كنيستنا بتذْكار جامع للقديسين الأنْطاكيين، وقدْ سمعْنا مقْطعا من عظة الرب يسوع على الجبل، التي تدْعونا إلى التأمل في القداسة التي تجلتْ في حياة أولئك الشهود الذين أناروا أرْض أنْطاكية عبْر الأجْيال.  في عظته، لا يكْتفي الرب يسوع بإعْطاء تلاميذه وصايا أخْلاقية أوْ مبادئ روحية، بلْ يكْشف لهمْ هويتهم الجديدة فيه. إنه لا يقول لهمْ: «إصْنعوا نورا»، بلْ «أنْتمْ نور العالم». والنور الذي يتحدث عنْه المسيح ليْس من الإنْسان، بلْ هو نور الله الذي يشْرق في القلْب عنْدما يتحد الإنْسان بربه. فكما أن القمر لا يمْلك نورا خاصا به، بلْ يعْكس نور الشمْس، كذلك القديسون لمْ يكونوا مصْدر النور، بلْ صاروا مرايا حية تعْكس نور المسيح للعالم".

أضاف: "يشبه الرب هذا النور بمدينة موْضوعة على جبل فلا يمْكن أنْ تخْفى. تبْدو هذه الصورة وكأنها تجد تحْقيقا خاصا في أنْطاكية التي نتذكر قديسيها اليوْم. فأنْطاكية لمْ تكنْ مجرد بقْعة أرْض من العالم القديم، بلْ صارتْ، بنعْمة الله، منارة روحية أضاءت المسْكونة كلها. هذا ما نلْمسه في المقْطع الذي سمعْناه اليوْم من سفْر أعْمال الرسل. فبعْد اسْتشْهاد القديس اسْتفانوس وتشتت المؤْمنين بسبب الإضْطهاد، ظن أعْداء الإنْجيل أنهمْ يسْتطيعون إخْماد نور المسيح. لكن العكْس تماما حدث. فالذين تفرقوا حملوا معهم البشارة إلى أماكن عديدة، ووصل بعْضهمْ إلى أنْطاكية. هناك بدأ فصْل جديد في تاريخ الكنيسة. المشْهد الذي يصفه سفْر الأعْمال يحْمل معْنى عميقا. فالكنيسة لمْ تنْم بقوة البطْش والسلاح، ولا بسلْطان السياسة والمال، بلْ بقوة الإيمان والشهادة. أناس بسطاء، مجْهولون في نظر العالم، حملوا كلمة الحياة إلى منْطقة عظيمة تموج بالثقافات والفلْسفات. «كانتْ يد الرب معهمْ فآمن عدد كبير ورجعوا إلى الرب». هكذا، تحولتْ أنْطاكية إلى أرْض خصْبة لإنْبات القداسة، وصارت الجماعة المسيحية فيها مثالا حيا للكنيسة المنْفتحة على جميع الشعوب. وقد «دعي التلاميذ مسيحيين في أنطاكية أولا». لمْ يكنْ هذا الإسْم لقبا جديدا، بلْ كان إعْلانا عنْ واقع جديد.  هؤلاء الناس صاروا معْروفين بانْتمائهم الكامل إلى المسيح، حتى إن المجْتمع منْ حوْلهمْ لمْ يجدْ وصْفا لهمْ سوى أنهمْ جماعة المسيح".

وتابع: "منْذ تلْك الحقبة أخذ نور أنْطاكية ينْتشر في كل اتجاه بفضْل بشارة مؤسسيْ كنيستها، هامتي الرسل بطرس وبولس وتلاميذهما. فمنْها انْطلقتْ رحْلات التبْشير الكبْرى، ومنْها خرج الرسل إلى الأمم، وفيها نشأتْ إحْدى أعْظم المدارس اللاهوتية في تاريخ الكنيسة. على مدى القرون، لمْ تتوقفْ أرْض أنْطاكية عنْ إنْجاب القديسين، ولنْ يكون آخرهم الشهداء في الكهنة يوسف ونقولا وحبيب الدمشقيون، والقديس روفائيل هواويني أول رئيس كهنة أنْطاكي على أبرشية نيويورك وأميركا الشمالية. فقدْ قدمتْ أنطاكية للكنيسة شهداء واجهوا الموْت بفرح لأنهمْ رأوا في المسيح الحياة التي لا تزول، ورعاة حملوا هم الكنيسة وسْط الإضْطهادات والإنْقسامات، ومعلمين فسروا الكتاب المقدس بعمْق وأمانة، ونساكا امْتلأت البراري منْ صلواتهمْ وارتوتْ بدموع توْبتهم. منْ هؤلاء برز القديس إغْناطيوس الأنْطاكي الذي سار إلى الإسْتشْهاد مشْتاقا للإتحاد الكامل بالمسيح، والقديس يوحنا الذهبي الفم الذي أضاء الكنيسة بعلْمه ووعْظه مع القديس يوحنا الدمشْقي، والقديسات الشهيدات بربارة البعلْبكية، وأكيلينا الجبيْلية، وتقلا تلْميذة الرسول بولس، وكْريسْتينا التي منْ صور، والقديسون لوقا الإنْجيلي، ورومانوس المرنم، وسمْعان العمودي، وملاتيوس الأنطاكي، والأطباء قزما ودمْيانوس وإليان الحمْصي العادمو الفضة، وجموع كثيرة من القديسين المعْروفين لدى الناس والمجْهولين، إلا من الله".

وقال: "كنيستنا المقدسة تسْتذْكر هؤلاء القديسين كلهمْ في عيد واحد، دون الوقوف عنْد أمْجاد الماضي. فتذْكار القديسين الأنْطاكيين ليْس احْتفالا بتاريخ مضى، بلْ إعْلان عنْ أن القداسة ما زالتْ ممْكنة في أيامنا. نحْن لا نكرم القديسين لأنهمْ أشْخاص إسْتثْنائيون بعيدون عنْ واقعنا، بلْ لأنهمْ أناس عاشوا الإنْجيل بجدية رغْم الصعوبات، فصاروا مثالا لكل مؤْمن. إنهمْ يذكروننا بأن المسيح الذي عمل فيهمْ ما زال يعْمل في كنيسته، والروح القدس الذي قدسهمْ ما زال يقدس منْ يفْتح له القلب. هذا هو الدرْس الأكْثر إلْحاحا لإنْسان عصْرنا المضْطرب بالنزاعات والحروب والفقْر والبطالة. نحْن نعيش في عالم يفيض بالمعْرفة، لكنه كثيرا ما يفْتقر إلى الحكْمة. عالمنا يزْداد فيه التواصل التقْني، لكن الإنْسان يشْعر فيه بالعزْلة. هذا العالم يعد بالسعادة، لكنه يتْرك كثيرين في قلق وخوْف وفراغ. في وسط هذه التحديات تأْتي سير القديسين لتعلمنا أن الإنْسان لا يجد اكْتماله في النجاح أو السلْطة أو الغنى والمجْد، بلْ في الشركة مع الله. القداسة ليْستْ إمْتيازا لفئة قليلة، بلْ هي الدعْوة الأساسية لكل معمد. الرب لا يطْلب منا أنْ نقوم بأعْمال خارقة، بلْ أنْ نحْيا أمانة الإنْجيل في ظروف حياتنا اليوْمية ولوْ صعْبة، وأنْ نسْمح لنوره بأنْ يشْرق في أفْكارنا وكلماتنا وأعْمالنا وحياتنا".

وأردف: "يعلمنا القديسون الأنْطاكيون أيْضا أن الشهادة للمسيح لا تتم بالكلام، بلْ بالحياة. لقدْ آمن الناس في أنْطاكية لأنهمْ رأوا جماعة مخْتلفة يعيش أعْضاؤها المحبة والتضامن والعطاء. هذا ما يظْهر في ختام مقْطع أعْمال الرسل عنْدما هب المؤْمنون لمساعدة إخْوتهم المحْتاجين في زمن المجاعة. فالنور الذي تحدث عنْه المسيح لمْ يكنْ فكْرة مجردة، بلْ هو محبة متجسدة في خدْمة الآخرين. الكنيسة تصْبح نورا للعالم عنْدما يتحول الإيمان فيها إلى حياة، والعقيدة إلى شهادة، والصلاة إلى محبة معاشة. كم نحْن بحاجة في لبنان إلى بشر يعيشون حياة القداسة المتجلية في الصلاة والمحبة والتواضع والخدْمة وابتغاء الحق والخيْر، واحْترام الإنسان المخْلوق على صورة الله ومثاله، وحفْظ كرامته الممْنوحة له من الله، علهم يكونون شفعاء لهذا الوطن، مع القديسين السابقين، يبْتهلون إلى الله كي ينْتشله مما يرْزح فيه إلى الحرية والسلام والإسْتقْرار".

وختم: "فيما نحْتفل اليوْم بقديسينا الأنْطاكيين، علينا ألا نكْتفي بالنظر إليْهمْ بإعْجاب، بلْ أنْ نسْأل أنْفسنا إنْ كنا نسير في الطريق الذي سلكوه. هلْ يظْهر المسيح في حياتنا؟ هلْ نعْكس شيْئا منْ نور الإنْجيل؟ هلْ نحْفظ الإيمان الذي سلمه إليْنا الآباء ونعيشه بصدْق وشجاعة وأمانة في عالمنا المعاصر؟ إن أعْظم تكْريم نقدمه للقديسين لا يكون في ذكْر أسْمائهمْ وحسْب، بلْ في الإقْتداء بإيمانهمْ وحْمل الشعْلة التي حملوها قبْلنا، فنكون منْ أولئك الذين يعْملون ويعلمون، الذين ذكرهم الرب في نهاية إنْجيل اليوم، الذين يدْعوْن عظماء في ملكوت السموات".