فضل الله: من حق أي مجموعة التعبير عندما يساء إلى رمز من رموزها لكن لا بد من الالتفات إلى تداعيات هذا الأسلوب ومخاطره

وطنية - ألقى العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك، بحضور عدد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشد من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية: عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بأن نهتدي بوصية الزهراء، التي تنقل لنا سيرتها أنها دعت عليا عندما دنت منها الوفاة، وقالت له: "يا ابن عم. إنه قد نعيت إلي نفسي، وإنني لا أرى ما بي، إلا أنني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي. قال لها علي : أوصني بما أحببت يا بنت رسول الله. قالت: يا ابن عم. ما عهدتني كاذبة ولا خائنة، ولا خالفتك منذ عاشرتني". لقد حرصت الزهراء قبل أن تغادر هذه الحياة، وتنتقل إلى رحاب الله، على أن تطمئن إلى أنها لم تسىء إلى علي، فهي لم تكذب عليه، وعملت بمسؤولياتها حياله، وحرصت على رضاه، فقد تخطئ المرأة بحق زوجها، وقد تسيء إليه بماله، أو قد لا تقوم بمسؤولياتها تجاهه، وقد كان رد علي معبرا عندما قال لها: معاذ الله. أنت أعلم بالله، وأبر وأتقى وأكرم، وأشد خوفا من الله من أن أوبخك بمخالفتي. قد عز علي مفارقتك وفقدك، إلا أنه أمر لا بد منه".
وقال: "لقد أرادت السيدة الزهراء (ع) من خلال ذلك، أن تعطي درسا لكلِ امرأة في أن تنتهج هذا النهج في حياتها الزوجية، وأن لا تغادر الحياة إلا بعد أن تطمئن إلى أنها أدت جميع واجباتها. وبذلك، نبني بيتا ملؤه السكينة والطمأنينة والمودة، ومجتمعا مستقرا، وبذلك نواجه التحديات".

أضاف: "البداية من لبنان، الذي عانى في الأيام الماضية أزمة وعى الكل خطورتها على الاستقرار والسلم الأهلي وعلى انتظام عمل المؤسسات. ونحن هنا، لا نريد أن ننكأ الجراح مجددا، في الوقت الذي بدأت تلوح في الأفق بوادر حل نأمل أن يصل إلى خواتيمه التي يريدها كل اللبنانيين، ولكن لا بد من التوقف عند الإشكالات التي أدت إلى ما حدث. وهي أولا تتصل بالخطاب، فمن الواضح أن ما جرى كان سببه الخطاب الذي نعتقد أنه ما كان ينبغي أن يصدر عن موقع مسؤول، فهو لم يأخذ بعين الاعتبار موقع الشخصية التي أساء إليها، ورمزيتها وتاريخها، وموقعها في نفوس اللبنانيين جميعا، وليس فقط لدى أبناء طائفتها، كما لم يأخذ في الاعتبار الحسابات التي تنتج في هذا الوطن المتعدد الطوائف، والمستنفر دائما على هذا المستوى، عندما يسيء رمز من بعد طائفي إلى رمز من بعد طائفي آخر. وخصوصا أن ذلك يصب الزيت على نار التوتر الذي كان يحكم الساحة، فالخلاف الذي حصل بسبب مرسوم الأقدمية لم تنته تداعياته بعد".

وتابع: "إن من الطبيعي لدى البعض أن يختلف المسؤولون، أو أن يسعى البعض إلى شد عصب طائفته، ولكن لا بد من الأخذ في الاعتبار حساسيات الأرض التي نعيش عليها، والهواجس التي لا تزال تحكمها، وأن هناك من يتربص بالساحة اللبنانية، ممن لا يريد لها الاستقرار، وما العدو الصهيوني عنا ببعيد. والإشكال الآخر الذي لا بد من علاجه، هو سرعة النزول إلى الشارع، إن من حق أي فريق أو جهة أو مجموعة من الناس أن تعبر عن سخطها، ومن حقها التعبير عندما يساء إلى رمز وطني أو ديني له دوره وموقعه، لكن لا بد من الالتفات إلى تداعيات هذا الأسلوب ومخاطره، وإلى الداخلين على خطه، فلا بد من أن يدرس الأسلوب الأنجع الذي لا يخلق آثارا سلبية في حركة المواطنين وفي البيئة، ولا يؤدي إلى توتر طائفي أو مذهبي".

وقال: "نحن هنا نتوجه إلى كل أبنائنا وإخواننا وأخواتنا، لنقول لهم: مهما كان الجرح عميقا، ومهما كانت الإساءة كبيرة، لا بد من أن تبقى قيمنا حاضرة عند التعبير عما يؤلمنا ويزعجنا ويوترنا، وأن نكون زينا لمن نمثل، لا شينا، فقيمنا وأخلاقياتنا لا بد من أن تبقى حاضرة في ممارساتنا السياسية، وعند الاختلاف، وفي الاحتجاج، وفي كل موقف. علينا ألا نخضع لمنطق ردود الفعل السريعة الانفعالية التي قد تؤدي إلى أن يسقط الهيكل على رؤوس الجميع. ويبقى الإشكال الأخير هو عدم السرعة في حل الخلافات والتوترات والاعتذار عن الأخطاء، وهو ما يؤدي إلى أن يخرج الجمهور العام عن طوره، وينزل إلى الشارع".

أضاف: "إننا في الوقت الذي ندعو إلى أخذ هذه الإشكالات بعين الاعتبار، لكي لا يتكرر ما حصل، نأمل أن تطوى آثار ما جرى نهائيا. ونحن على ثقة بأن القيادات الرسمية الواعية التي كانت طوال تاريخها صمام أمان للبنانيين، ومرجعا لحل خلافاتهم، ستعيد تصحيح المسار، وتسير بالبلد إلى شاطئ الأمان.. لتعود لغة الحوار والمؤسسات هي الحاكمة".

وتابع: "في موقع آخر، لا بد من التنبه إلى خطورة انعكاس ما يجري في الداخل على عالم الاغتراب، ولا سيما البلدان الأفريقية، وتأثير ذلك في علاقات اللبنانيين ببعضهم البعض هناك، وفي دورهم وحضورهم الذي ينبغي الحرص عليه، ليبقى اللبنانيون موحدين، ففي ذلك قوة للبنان. وهنا نأمل من القيادات أن تقوم بدورها، ونحن ننتظر أن تقوم به، لتحفظ هذه الرئة التي يتنفس منها لبنان".

وقال: "في هذا الوقت، يدخل الكيان الصهيوني على خط الخلافات الداخلية، ليصوب على ثروة لبنان النفطية التي ينتظرها كل اللبنانيين، في محاولة للاستيلاء على النفط.. ما يستدعي تنبها إلى ما قد يقدم عليه العدو في هذا الصَدد، وإن كنا نعتقد أنَ هذا العدو ليس قادرا، كما يدعي، على أن يحقق ما يريده، من خلال الضغط على بلد علَمه دروسا سابقة، وأثبت أنه ليس ساحة سهلة له، أو لقمة سائغة يمكنه أن يبتلعها ساعة يشاء".

وختم: "أخيرا، لا بد من أن نبقي في ذاكرتنا أن الأزمة المستمرة في البحرين، بكل تداعياتها وممارستها، والتي، مع الأسف، تسير في خط تصاعدي بدلا من أن تجد لها حلولا، قد أوصدت أبواب الحلول في وجهها، وآخرها المبادرة التي أطلقها العلامة السيد عبد الله الغريفي، والتي كنا نأمل أن تؤخذ بعين الاعتبار، للسير بهذا البلد إلى جادة الوحدة والاستقرار التي نريدها له". 


============= ج.س

News this week