مارسيل غانم لـ«القبس»: لن أردد ما يريده النظام

ليست «قضية» استدعاء الإعلامي اللبناني المعروف مارسيل غانم الى التحقيق حلقة منفصلة، لكنها جزء في مسار بدأت معالمه تظهر منذ مدة في بيروت. مسار يؤشر الى ضرورة تكييف الاعلام وتطويعه ليواكب التسوية السياسية القائمة بين أركان الحكم وبذريعة لطالما استخدمتها الانظمة العربية «الحفاظ على الأمن والاستقرار». سبق ذلك وفي سياق آخر مكمل أن استدعي الى التحقيق ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب منشوراتهم. ليطلب منهم التعهد بعدم «المس برموز سياسية» أو «تناول مواضيع» بعينها. وقد أنشأ جهاز الامن العام اللبناني شعبة لمراقبة وسائل التواصل مراقبة «سياسية» و«اخلاقية».

إعلامي ونائب
في ما يتعلق بقضية مارسيل غانم، ففي أثناء بث حلقة برنامجه التلفزيوني «كلام الناس» على الهواء مباشرة، صدر في حقه استدعاء بتهمة السكوت عن تعرض ضيوفه الى رئيس الجمهورية. وامس تحدث النائب الكتائبي سامي الجميل عن ملفات فساد فتحرك وزير العدل لاحالته الى القضاء. مرافعة غانم عن نفسه مباشرة في برنامجه والتفاف قسم كبير من اللبنانيين حول مضمونها، حول قضيته الى قضية حريات عامة.
يشرح غانم لـ القبس ما حدث معه اثر عرض حلقة من البرنامج بعد استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، والتي استضاف فيها اعلاميين سعوديين وخبيرا إيرانيا إضافة الى النائب السابق ايلي الفرزلي: «تم استدعائي الى التحقيق من دون تبليغ رسمي، ومن دوم تحديد الصفة: كشاهد، ام كمدعى عليه. انتظرت أياما من دون أن يأتي الجواب. الى أن اتصل بي ضابط تحر يستدعيني الى التحقيق، فشعرت ان الأمور تتجاوز كونها مجرد تحقيق، وتذهب باتجاه آخر له علاقة بتهذيب او «تدجين» الاعلام في لبنان. «تدجين» يمر عبر اسم له حضوره وسمعته وله حضوره الإعلامي اللبناني والعربي منذ ربع قرن، قد يخيف زملاءه، ربما هذا ما قصده وزير الاعلام ملحم رياشي حين قال «عندما يسقط مارسيل غانم، يسقط كل الصحافيين».
اتضح منذ البداية ان غانم هو المستهدف من هذه الاستدعاءات. فالقضاء اللبناني لن يطال الصحافيين السعوديين، وهما لا يأتيان الى لبنان. علماً ان «الضيف الإيراني قال كلاماً اعنف بكثير حول السعودية ولم يدّع السعوديون عليه ولا اشتكت السفارة السعودية في لبنان من كلامه» يقول غانم. من منبره واجه غانم محاولات تطويعه، فخصص مقدمة برنامجه لـ«مرافعة» قانونية قاسية، موجها أسئلته إلى وزير العدل سليم جريصاتي قائلاً: «هل تحركّت الدولة عندما حاورتْ جريدة لبنانية مطلوباً من الدولة اللبنانية؟! هل تحرّك وزير العدل في ملف المنطقة الحرّة الذي كنت أنت بطله، وكازينو لبنان والملف الأكبر: أحداث عرسال؟.. ان البعض يحن الى الزمن السوري».
وزير العدل اعتبر مرافعة غانم «عهراً إعلامياً ولى زمنه». توالت استدعاءات غانم بالطريقة نفسها ومن دون أي أوراق قانونية، وأصر غانم على موقفه بعدم المثول امام مدعي عام جبل لبنان للتحقيق معه. تفرعت التهمة الأساسية الى خمس تهم تركزت كلها على مقدمة كلام الناس: «تحقير القضاء، عرقلة سير العدالة، التعرض لرئيس الجمهورية…».

حملات هستيرية
لا يضع غانم ما حصل معه ضمن مسار ينتهجه العهد الرئاسي او على الأقل لا يبدو متأكدا من ذلك. يوضح ان قضيته لها علاقة بلحظة حساسة كان البلد يمر بها عقب اعلان الحريري استقالته وما رافقها من التباسات. «صار أي كلام مخالف لتوجهات السلطة يضع صاحبه في دائرة الشبهة. هذا ما استنتجه من مقدمة اخبار تلفزيون التيار الوطني الحر في اليوم التالي، اذ أوحت وكأني شريك في مؤامرة اسقاط العهد». يأسف غانم لأن تكون علاقته مع «جمهور» التيار الوطني الحر (العوني) وصلت الى هذا الدرك: «الحملات الهيستيرية على مواقع التواصل الاجتماعي والتعرض لعائلتي وحياتي الشخصية بهدف تهشيم صورتي لا تليق بحزب سياسي معروف ان جيله مثقف وحضاري».
يخشى غانم من استغلال جهة ما للمناخ الذي اشاعته هذه الحادثة وما رافقها من تهديدات قد تعرضه لانكشاف أمني في بلد «نعلم كلنا انه مخروق أمنيا ومخابراتياً يسمح لأي كان ان يستغل هذه التهديدات لارتكاب عمل امني ضدي».

نحن نقدم أخباراً
ولكن ماذا يعني ان يقول نائب حزب الله حسن فضل الله ان الاعلام معني بالدفاع عن سيادة لبنان تحت السقف الذي رسمه رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب؟
يقول غانم ان كلام فضل الله «يحمل كثيرا من التباين. لا شيء اسمه سقف رئيس الجمهورية. هناك قانون نلتزم به ونعمل تحت سقفه». ويروي: «تابعت مؤخرا نقاشا بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقناة cnn حول مهمة وسائل الاعلام، عندما قال ترامب ان مهمتها تسويق اميركا، قالوا له: «مهمتنا ليست تمثيل أميركا في العالم، وتمثيل الولايات المتحدة هو من مسؤوليتك انت كرئيس، مهمتنا تقتصر على تقديم الأخبار».
على مدى اكثر من عشرين عاما، فتح غانم منبر «كلام الناس» لكل الأطراف والجهات السياسية في لبنان. لم يضع فيتو على أحد. يجزم أنه في عز القبضة الأمنية السورية على لبنان لم يتعرض لأمر مماثل، «طبعا كنا ندرك هوامش اللعبة ونمارس رقابة ذاتية». اليوم يستشعر غانم بأن هناك جهة سياسية يضيق صدرها بأي رأي آخر، وتسعى إلى جر برنامجه، وهو البرنامج السياسي الأول في لبنان، إلى مواجهة فريق ما أو إلى تحويله منبراً للمديح والتبجيل، وهذا أمر لن يحصل، «لسنا في نظام شمولي لأسمع الناس ما يريده النظام. والا كنت اكتفيت بتوزيع بيانات القصر الجمهوري».

المصدر القبس بيروت – انديرا مطر