حاصباني في ندوة عن الأرثوذكس في لبنان: ليست المسألة في التمثيل إنما بالقدرة على التأثير وإحداث التغيير

وطنية - رعى نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة العامة غسان حاصباني ندوة نظمتها الرابطة اللبنانية للروم الأرثوذكس في لبنان بعنوان: "طائفة الروم الأرثوذكس في لبنان تاريخا حاضرا ومستقبلا" وشارك فيها النائب غسان مخيبر والمدير الطبي في مستشفى "أوتيل ديو"، رئيس الجمعية الثقافية الرومية البروفسور نجيب جهشان. حضر الندوة التي أقيمت في مدرسة البشارة الأرثوذكسية في الأشرفية الأب ديمتري خوري ممثلا متروبوليت بيروت للروم الأرثوذكس الياس عودة، ورئيس التيار المستقل اللواء عصام أبو جمرة، والوزراء السابقون منى عفيش والياس حنا وغابي ليون والنائب السابق مروان أبو فاضل والقضاة نسيب إيليا ومروان عبود وإيلي بخعازي ورئيس الرابطة المارونية النقيب أنطوان قليموس ورئيس الرابطة اللبنانية للروم الأرثوذكس وأعضاء الرابطة وحشد من المهتمين والمعنيين. 

بداية، النشيد الوطني اللبناني فكلمة ترحيب ألقاها رئيس الهيئة الإعلامية في الرابطة اللبنانية للروم الأرثوذكس بشارة غلام، ثم عدد رئيس الرابطة نقولا غلام أهدافها مؤكدا أنها "تسعى للإهتمام بأوضاع الطائفة وتشجيع أبنائها على لعب دور الإعتدال والإنفتاح واعتماد مبدأ الأرض والعمل والعلمنة والمستقبل". 
وقال: "إن التاريخ يشهد تلاحم الأرثوذكسيين مع الأرض وإيمانهم بقدسية العمل فيما تبدو العلمنة من مستلزمات بقاء وطننا ونموه، كما أن الأرثوذكسيين مستقبليون يتطلعون دوما إلى الأمام". 

جهشان
ثم قدم البروفسور جهشان عرضا لأوضاع الطائفة تاريخا وحاضرا ومستقبلا فبين بأن "الأرثوذكس ورثة المواطنية الرومانية التي شملت المشرق بمعظمه ابتداء من سنة 64 قبل الميلاد، وهم أحفاد الذين إقتبلوا الإيمان المسيحي على يد الرسل ألأولين وساهموا في وضع العقيدة المسيحية المستقيمة الرأي وطوروا حضارة رفضت فكرة القومية والإثنية في الكنيسة". 
ولفت إلى أن "حضارة الروم بدأت مع قسطنطين الكبير في سنة 312 واستمرت بعد سقوط القسطنطينية سنة 1453 عبر النظام الملي الذي تبنته الدولة العثمانية". واسترسل المحاضر في تبيان نقاط القوة والضعف في تاريخ وحاضر الروم ألأرثوذكس في لبنان، فقال: "إن الانقسامات الدينية المسيحية عبر التاريخ أرهقت ديموغرافية الروم وتماسكهم ونفوذهم وكان آخرها نشوء طائفة الروم الكاثوليك سنة 1724 ومن نتائجها انحسار عدد الأسقفيات في حدود الدولة اللبنانية الحالية من 14 إلى 6. وقد سهلت هذه الانقسامات دخول الإسلام وانتشاره في لبنان والمشرق وأسهمت في إفراغ المدن الساحلية من سكانها". 

أضاف: "إن أزمة ديمغرافية خطيرة تلحق ضررا كبيرا بأعداد الطائفة التي تقلصت نسبتها في لبنان من 10% سنة 1932 ألى 7% في 2017. ومن أبرز أسباب هذا التقلص انخفاض الخصوبة إلى أدنى من 1.4 واشتداد الهجرة بعد سنة 1975". 

وتابع البروفسور جهشان مشيرا إلى أن "النظام الطائفي يساهم إلى حد ما في الحفاظ على دور الروم الأرثوذكس في صياغة القرار، لكن الحكومات المتعاقبة تهمل تعيين أرثوذكسيين في مراكز الفئة الأولى الفعالة وخلص إلى أن الطائفة غير الموجودة في المواقع الرئيسية بالدولة ولا تستطيع أن تشارك فعليا في صناعة القرار". 

ورأى أن "الطائفة تفتقر بشكل فاضح إلى مؤسسات خدماتية كالجامعات والمدارس والمستشفيات والتعاونيات وغيرها، وذلك يترك الشعب جاهلا لهويته وملتجئا إلى مؤسسات الطوائف الأخرى لتحقيق حاجاته؛ كما أن المشاركة بين الأكليروس والشعب في تدبير شؤون الكنيسة والشعب تكاد تكون مفقودة في القرن الحالي، وذلك لعدم تطبيق أنظمة الكرسي الأنطاكي التي ترتئي إنشاء مجالس ملية ومؤتمرات للأبرشيات ومؤتمر أرثوذكسي عام".

وتساءل المحاضر "كيف يمكن تجييش الشعب لدعم كنيسته دون إطلاعه على مجريات الأمور وإشراكه بالقرار".

مخيبر
ثم استعرض النائب غسان مخيبر واقع ومرتجى الروم الأرثوذكس داعيا إلى "إنشاء هيئة ما تفعل دور الطائفة في لبنان".
وقال: "في العقود الأخيرة، ارخت المصاعب الكثيرة بثقلها على الأرثوذكس والمسيحيين وسائر اللبنانيين. وامتحنتهم في انتمائهم الوطني وفي قدرتهم على اعادة بناء الوحدة المتصدعة بين ابناء الوطن الواحد و سعيهم الى قيام الدولة الواحدة، دولة المساواة في المواطنة. ذلك انهم عانوا كغيرهم من اللبنانيين من تراجع فكرتي الدولة والمواطنة. وتضرروا من اعاقة تحققهما، اكان ذلك بالإستئثار او التسلط ام بغلبة منطق القوة على منطق الحق والتهديد والتخويف وتجديد الأحقاد القديمة او اختراع احقاد جديدة.
وما يعبر اكثر ما يعبر عن موقف الارثوذكس من الطائفية والمواطنية مقولة ان المرتجى الأسمى هو تحقيق دولة المواطنة المدنية حيث لا مفاضلة لأحد على الآخر سوى المساواة والإستحقاق لا الإنتماء الطائفة. والى حين تحقيق ذلك، يطالب الأرثوذكس مساواتهم بأبناء باقي الطوائف دون تمييز او اقصاء او تهميش".

وقال: "بات قيام هيئة تلبي هذه الحاجة ضرورة، على ان تهدف الى العمل على تأمين أوسع مشاركة ممكنة للقوى الأرثوذكسية الحية في مختلف حقول العمل العام، والى تحقيق الوحدة في التنوع داخل الجماعة الأرثوذكسية واستنهاض الكفاءات العديدة في صفوفها وتنمية القدرات، بعيدا عن التحزبات الفئوية والحسابات الضيقة".

حاصباني
أما نائب رئيس مجلس الوزراء فرأى أنه "لا بد من الإنطلاق من مفاهيم عالمية وتحولات كبرى خارج الأرثوذكسية للتمكن من توصيف الحالة والحلول المقترحة للتحديات التي يواجهها الأرثوذكس المشرقيون في العالم". 
وقال: "إن العالم يشهد ثورات على مستويات عدة أهمها الثورة الاقتصادية والتكنولوجية، الثورة الاجتماعية والديمقراطية والثورة الجيو سياسية. وهذه الثورات تحدد معالم مستقبل العالم وهي متوقعة ان تستمر بالتفاعل والنضوج خلال العقود الاربعة المقبلة. فمع تطور التكنولوجيا ندخل عصرا صناعيا جديدا تتغير فيه متطلبات العمل مع المكننة فتصبح المهارات والخبرات المكتسبة في العقود الخمسة الماضية غير كافية للقيام بالاعمال المطلوبة واتخاذ القرارات القيادية السليمة فنرى اثرا سلبيا على الاقتصاد وزيادة في البطالة والفجوة بين الغني والفقير، والمؤهل لاستخدام التكنولوجيا واقتصاد المعرفة والأمي تكنولوجيا ومعلوماتيا. وذلك يؤدي الى ثورة اجتماعية مبنية على تمكين الافراد على حساب المؤسسات، والمجموعات الصغرى على حساب الكيانات الكبرى فيتغير مفهوم الديمقراطية من مفهوم اكثري الى مفهوم تمثيلي لمكونات المجتمعات الصغرى. وقد تكون هذه المكونات إما عرقية او طائفية او عشائرية وقد تكون عابرة للحدود الجغرافية. ويصبح التنافس والتعاون بينها مبني على قدرتها في التأثير على بعضها البعض. ولا بد ان يكون لهذه التحولات الاقتصادية والاجتماعية أثر على الصعيد الجيو سياسي يتمثل في نزعة الشعوب للعودة الى بنية لا مركزية تحفظ خصوصيات المكونات التي تشعر بالغبن من مكونات اخرى ضمن الكيان الاكبر. فنحن نرى اليوم ملامح هذه التحولات في المملكة المتحدة واسكتلندا واسبانيا (كاتالونيا تحديدا) واحتمالات في اليونان وبعض الدول الاوروبية الاخرى وهذا من دون ان نتحدث عما يحدث في منطقتنا من تغيرات على هذا الصعيد". 

وتابع حاصباني: "في هذا العالم الجديد لم تعد نظرية المؤامرة قائمة للتذرع بها تفسيرا لفشل الدول والمؤسسات بل اصبح من الواضح ان الشعوب تبحث عن عقد اجتماعي جديد وتواجه من قبل القوى التقليدية إما بقوة السلاح او بقوة المال لمنعنها من الوصول الى اهدافها او على الاقل تأخيرها لربما تتحسن الاوضاع الاقتصادية وتعود المجتمعات الى الاستقرار. واذا نظرنا الى المسيحية في العقود الخمسة المقبلة، نرى ان أعدادها ستتقلص بسبب تقلص عدد الولادات وتراجع نسبة الخصوبة وزيادة عدد الوفيات لأن المجتمعات المسيحية حول العالم ليست فتية. اضافة الى ذلك، فإن غالبية الذين يتحولون الى طوائف أخرى هم من المسيحيين".

وقال: "ينقسم المسيحيون الى: كاثوليك 1,2 مليار، بروتستانت 800 مليون، أرثوذكس 300 مليون، أنكليكان 85 مليون وغيرهم 41 مليون. وبالرغم من ان بداية المسيحية كانت في الشرق الأوسط، تضم اليوم هذه المنطقة أقل نسبة مسيحيين (5%) وأصغر عددا (17 مليون) بين كل المناطق الأخرى حول العالم التي يوجد فيها المسيحيون. وسكانها يندرجون من ضمن العشرة في المئة من المسيحيين الذين يعيشون كأقليات والأسباب الأساسية هي الهجرة. ويقدر عدد المسيحيين في الشرق الاوسط بنحو 17,3 مليون نسمة، من بينهم 12,5 من الارثوذكس يوزعون بغالبيتهم على مصر وسوريا ولبنان مع عدد كبير من المهاجرين الذين يعيشون في دول الخليج، خاصة في المملكة العربية السعودية. يشكل الارثوذكسيون في المنطقة النسبة الاكبر من المسيحيين ونسبة 3,5% من عدد السكان الاجمالي وهم يلعبون ادوارا بارزة في الاقتصاد والعلوم ويشغلون مراكز ادارية وقيادية عديدة".

وأردف قائلا: "يعاني المسحيون، والارثوذكس خاصة لانهم أكثرية الاقلية، من الهجرة لأسباب عدة منها اقتصادية ومنها سياسية او اجتماعية، وذلك يهدد الوجود العددي على المدى البعيد. لكن انتشار الارثوذكس الانطاكيين يمتد على عدد كبير من البلدان. 
وبالنسبة لأعداد الارثوذكس، فان المؤسسات التابعة لطوائف اخرى مسيحية او غير مسيحية، تفوق عدد المؤسسات الارثوذكسية اذا ما نظرنا الى المدارس والمستشفيات والمستوصفات والجامعات. وتأثرت هذه المؤسسات بحكم انتشار الارساليات الغربية قبل الحرب العالمية وبعدها. وفي خضم كل التحديات العالمية والاقليمية والمحلية، على الطائفة الأرثوذكسية في المشرق ان تبدأ بالنظر الى المستقبل بطريقة أكثر استراتيجية، مستفيدة من قدراتها وتاريخها لتحسين اوضاعها وتحصينها من التحديات والمخاطر". 

وإذ لفت إلى أن "المسألة ليست في التمثيل في الدولة أو خارجها"، قال: "التمثيل ليس بالأعداد بل بالقدرة على التأثير وإحداث التغيير الإيجابي المطلوب. ولا بد من البدء اولا بتحديد الاهداف. فهل الهدف هو تثبيت وجودنا وتفعيله في ارضنا، ام انه تأمين الديمومة والاستمرارية لحضارتنا اينما وجدت؟ ام ان الجواب يكمن في الاثنين معا؟
اولا، اود ان اوضح الفرق، على الاقل من الناحية التي اراها بوضوح في ذهني، بين الكنيسة والطائفة والحضارة. فالكنيسة بحسب كيرلس الاورشليمي هي الكنيسة المقدسة الجامعة تمتد قوتها الروحية بلا حدود في كل العالم لأن الله -حسبما هو مكتوب- قد جعلها ملجأ سلام. نتقبل منها التعليم ونسلك بتقوى لننال ملكوت السموات ونرث الحياة الأبدية. وجسم الكنيسة هو الاكليروس والشعب والتعليم يأتي من الاكليروس. والطائفة فهي مجموعة من الناس، لديهم فلسفة واحدة وتدمج مفهوم الفكر بالمفهوم العددي. اما الحضارة الارثوذكسية فهي الخليط بين الطائفة والكنيسة، هي عابرة للحدود، مبنية على تعاليم الكنيسة، قوية بمواردها وطاقاتها، فلسفتها الحياتية واحدة، انها وببساطة تطبيق الوصيتين الالهيتين، الاولى وهي ان نحب الرب الهنا والثانية ان نحب اخوتنا كأنفسنا. هذه الاسس قد تبدو غريبة للغرب او لبعض الحضارات الاخرى لانها تعني ان التطور لا يقاس بالتكنولوجيا او الاستهلاك او الامور المادية بل بالعلاقات الغير استغلالية او عدوانية مع الاخرين حيث لا نحتل بلدان الاخرين او نملي عليهم طريقة عيشهم بل ننمي علاقات جيدة معهم. وهذا لا يعني اننا ضعفاء، او لا يمكننا ان نواجه الشر، بل اننا ندافع عن كل من هم اضعف منا. فحضارتنا ليست موجودة لاستغلال الاخرين بل لمحاربة الشر ونشر ثقافة التعاون بين الحضارات والدفاع عن هذه القيم". 

أضاف حاصباني: "في عالم اصبحت فيه الشبكات العابرة للحدود هي من الاكثر تأثيرا، والتواصل بين المجتمعات أكثر سهولة وصوت الفرد يعلو احيانا على صوت المنظمات عبر الاعلام والتواصل الحديث، والاستشارة والشورى والمشورة مع الجماعة والافراد اصبحت امرا لا بد منه في آلية اتخاذ القرار بطريقة مستنيرة، والتعاون من اجل تطوير المجتمع يستبدل أحادية القرار والسلطات المركزية، وانظمة ادارة العالم والدول والمؤسسات تتجه أكثر فأكثر الى اللامركزية في ادارة شؤونها. في هذا العالم، لا بد من ان نشكر الرب حق الشكر بان كنيستنا الانطاكية مكونة من ابرشيات على امتداد العالم، وطائفتنا لديها الامكانات وحضارتنا مبنية على تنمية العلاقات الحسنة". 

ورأى أن "كل هذه العوامل تساعد على تأمين الديمومة في عالمنا المتغير محليا إقليميا وعالميا"، قائلا: "من المهم ايضا ان نحافظ على ما لدينا وان نطور مكامن النقص واستعمال نقاط القوة لتقليص نقاط الضعف باتخاذ خطوات استراتيجية جريئة منها: تعزيز التواصل بين ابرشيات الكنيسة على المستوى الشعبي وبين الاكليروس والشعب على المستوى التعليمي وتمكين الاكليروس من استخدام التكنولوجيا للتخاطب بطريقة ابوية رعائية والتفاعل مع الاراء المخلصة ودحض الافكار الهدامة والمغرضة؛ استجماع الطاقات المادية والفكرية والبشرية وقدرات التأثير لبناء المؤسسات ونشرها على اوسع نطاق، لتطوير المجتمع وتعزيز الحضارة الارثوذكسية في بلادنا والانتشار؛ الاستفادة من الهيكلية اللامركزية لبناء علاقة وثيقة مع المجتمعات الحاضنة والمحيطة بأبرشيات الكنيسة على المستوى المحلي، وتعزيز المرونة في ادارة الشؤون بالتعاون بين الاكليروس والشعب؛ الاعتماد على ابناء الطائفة المنتشرين عالميا، والموزعين في اتجاهات سياسية ومؤسسات مختلفة، والناشطين اقتصاديا، على بناء علاقات وشبكات مؤسساتية مؤثرة؛ عدم الخلط بين مفهومي الوحدة والمركزية في ادارة شؤون الطائفة، فيمكن للطائفة ان تكون موحدة بالفكر والفلسفة والتعاليم على مساحة العالم، ومتعاونة ضمن شبكة علاقات وتواصل بين وحداتها المتفرقة جغرافيا. فالخبرة اظهرت ان طريقة "فكر عالميا وتصرف محليا" كانت سر استمرارية المؤسسات الكبرى الواسعة الانتشار. التفكير والتخطيط المركزي لرسم الخطوط العريضة للاستراتيجيات والعمل اللامركزي على تطبيقها بحرية يساعد بشكل كبير على تخطي الصعوبات وتسهيل تضافر الجهود. وقد يساعد ذلك في تعزيز فعالية الطائفة في مجتمعها كما هي الحال في الكنيسة". 

واستعاد قول بولس الرسول في رسالته الثانية الى تيموثاوس وفيها: "الله لم يعطنا روح الفشل، بل روح القوة والمحبة والنصح"، وختم: "بروح القوة والانفتاح والتعاون والنصح والتواضع، نؤمن استمرارية الحضارة التي عاشت آلاف السنين وانا واثق من انها ستستمر بنعمة ومحبة الله وتعاضد ابنائها". 



============إ.غ.