العمليّة التركيّة في إدلب ... عين على "تحرير الشام" وأخرى على عفرين؟

بدأت تركيا عمليّة عسكريّة في محافظة #إدلب السوريّة تدعم فيها فصائل من الجيش السوريّ الحرّ لمحاربة هيئة تحرير الشام التي تسيطر جبهة النصرة عليها. وأعلن الرئيس التركي رجب طيّب #أردوغان في السابع من الشهر الحاليّ عدم سماح بلاده "بإنشاء ممرّ إرهابيّ على طول الحدود السوريّة"، واصفاً العمليّة ب "الجدّيّة". كما شدّد على أنّ العمليّة تتمّ بدعم تركيّ وإسناد جوّيّ من الروس. لكنّ الحديث عن "دعم" تركيّ قد لا يعكس فعلاً طبيعة المعركة بحسب بعض المراقبين. إذ يشير هؤلاء إلى أنّ من يخوض المعركة فعليّاً هم الأتراك، فيما فصائل الجيش الحرّ تؤدّي دوراً ثانويّاً في تلك الأحداث. وبعد دخول الجيش التركي إلى أجزاء من المحافظة تمكّن من إقامة أكثر من عشر نقاط مراقبة. يأتي ذلك، ضمن اتّفاق محادثات أستانا التي أعطت تركيا مجال مراقبة وضمان وقف إطلاق النار في إدلب بينما يقتصر التدخّل الروسيّ على القصف الجوّي من دون أن يشمل إرسال شرطته العسكريّة إلى داخل المدينة. ولدى #أنقرة العديد من المكاسب التي تستفيد منها، على الرّغم من المخاطر التي يمكن أن تواجهها في عمليّاتها. 

قلق من أزمة لجوء إضافيّة

تتخوّف أنقرة أوّلاً من نزوح كبير تتعرّض له بلداتها الجنوبيّة فيما لو أطلق الروس وقوّات الأسد معركة شاملة ضدّ هيئة تحرير الشام كتلك التي أطلقوها ضدّ حلب سابقاً. لذلك، تسعى إلى أن تكون العمليّة تحت إدارتها بشكل واسع لتجنّب موجة أخرى من اللجوء السوريّ. إضافة إلى ذلك، يمكن أن يتقبّل أهالي المحافظة الجيش التركيّ أكثر من تقبّلهم لمقاتلي إيران أو روسيا أو النظام. وتجنّباً لتكرار سيناريو حلب، قد يشكّل دخول تركيا إلى تلك المنطقة أفضل الخيارات الممكنة لجميع الأطراف المؤثّرة في الملفّ وحتى بالنسبة إلى سكّان المحافظة الذين يتجاوزون مليوني نسمة. لكنّ هذا المكسب قد لا يكون الأهمّ بالنسبة لتركيا. 

تقاسم نفوذ

مع كون أنقرة أحد الأطراف الثلاثة الضامنة لمناطق خفض التصعيد، يسعى الأتراك إلى تكريس خريطة لنفوذهم في الداخل السوريّ تساعد على ضمان أمنهم الاستراتيجيّ. ومع رسم إيران نفوذها في عدد من المناطق السوريّة الممتدّة بين دمشق والقلمون الغربي، تهدف تركيا إلى بسط منطقة تأثير لها على حدودها الجنوبيّة بما يوازي دائرة تأثير جارتها الكبيرة. ويأتي ذلك بطريقة يقطف المسؤولون الأتراك معها ثمار جهودهم في مسار أستانا من جهة واستدارتهم نحو الروس من جهة ثانية. وهذا يحجز للأتراك مقعداً في أيّ مفاوضات لاحقة حول سوريا من خارج أستانا.

الورقة الكرديّة

لكن كما دائماً، يبقى الملفّ الكرديّ الهاجس الأكبر الذي يؤرق الأتراك. ومع استفتاء كردستان العراق الأخير وسيطرة قوات سوريا الديموقراطيّة على معظم الرقّة، بات هذا الهاجس مضاعفاً. لذلك، قد لا تجد أنقرة فرصة أفضل لتطويق التمدّد الكرديّ من تلك التي يحقّقه لها دخول قوّاتها إلى منطقة إدلب. لكن كيف يمكن لأنقرة أن توازن بين هدفين مكلفين وطويلي المدى في آن معاً؟

يرى البعض أنّه لا بدّ لتركيا من أن تدرس حساباتها جيّداً لتضمن ضرب النصرة بأقلّ كلفة ممكنة، ومنع الأكراد من إقامة حزام طويل على حدودها الجنوبيّة. في الحالة الأولى، لا تزال الصعوبات التي واجهها الجيش التركي في عمليّة درع الفرات أواخر السنة الماضية ماثلة أمام أذهان الأتراك. لذلك، قرّر هؤلاء ان تكون عمليّاتهم محدودة في المحافظة، مع تركيزهم على منطقة توازي حوالي 50 كيلومتراً مربّعاً بين أطمة وجبل الشيخ بركات. 

اتفاق عدم اعتداء

لكن بين يوم الجمعة الماضي والأحد حدثت تطوّرات لافتة على الأرض. فبعد مناوشات محدودة خصوصاً يوم السبت بين عناصر من النصرة وجنود أتراك، انتشرت أخبار حول التوصل إلى اتفاق مع الهيئة لمساعدة تركيا على الانتقال إلى مناطق مشرفة على أماكن سيطرة الأكراد. وكتب الباحث في شؤون التطرّف تشارلز ليستر على حسابه في "تويتر" أنّ الطرفين توصّلا إلى اتّفاق عدم اعتداء تسمح الهيئة بموجبه للجيش التركي وعناصر من الجيش الحرّ بالدخول إلى مناطق محدّدة في إدلب. وكتب أيضاً أنّ الجولاني لا يريد مواجهة كبيرة مع الأتراك.  وفي حوار أجراه معه موقع "نيوز ديبلي" الأميركيّ أكّد ليستر، مدير برنامج مكافحة التطرف في "معهد الشرق الأوسط"، أنّ مصادر محلية أخبرته بحصول اتّفاق يقضي بإقامة تركيا لمنطقة عازلة من أطمة مروراً بدار عزّة وصولاً إلى منطقة عندان. وكشف ليستر انطباعه بأنّ العمليّة العسكريّة تقودها تركيا فعليّاً فيما دور الجيش الحرّ سيكون ثانويّاً. كما وجد أنّ تركيا إلى الآن، لن تتوجّه إلى جنوب المحافظة، على الأقلّ في المرحلة الأولى، بل ستقوم بحماية مصالحها المباشرة مثل ضمان حدودها. أمّا نقطة المراقبة التي أقامها الجيش التركي في جبل الشيخ بركات والتي تطلّ على منطقة عفرين الكرديّة، فتشير إلى أنّ الهمّ الأساسيّ لتركيا هو ملفّ الأكراد لا هيئة تحرير الشام. لكنّ أغلب الظنّ أنّ تركيا لن تهاجم عفرين. وهذا ما يؤكّده الباحث في "معهد الشرق الأوسط" والمحلّل السياسيّ غير المقيم في "مركز الشرق للأبحاث" ابرهيم الأصيل في حديثه إلى "النهار". ويرى أنّ لدى تركيا هدفين من خلال عمليّاتها، الأوّل هو إبعاد هيئة تحرير الشام عن حدودها والثاني هو عزل المقاتلين الأكراد في #عفرين. ويضيف: "أعتقد أنّ تركيا لن تذهب إلى مواجهة مباشرة مع الأكراد أو مهاجمة عفرين. على الأرجح أنّه ستنشر قواتها على تخوم عفرين وتعزلها". وإلى جانب تفاديها موجة جديدة من اللجوء، تهتمّ أنقرة بإضعاف أي إمكانيّة للأكراد بربط عفرين بكوباني. وهذا كان "أولويّة" للأتراك كما أكّد الأصيل.

 المصدر النهار جورج عيسى